(٣.٣ اصطلاح النّاظم في قصيدته، وشرح فواصل سُورة (الفاتحة


اصطلاح النّاظم في قصيدته

قال فضيلة الشيخ القاضي -رحمه الله تبارك وتعالى- في بداية شرْحه لـ "الفرائد الحِسان": "واعلمْ أنّني إذا أطلقت في النظم لفظ "المدني"، بأن قلت: إن موضع كذا يعدّه المدني، ولم أقيِّدْه بكونه الأوّل أو الثاني، فالمراد به: ما يَشمل المدنيَّيْن: الأوّل والثاني. وإذا قلت: "الحجازي"، فالمراد به: ما يَشمل المدنيَّيْن والمكّي. وإذا أطلقت لفظ "الشّامي"، فالمراد به: الدّمشقي والحمصي معا. وإذا قلت: "العراقي"، فالمراد به: البصريّ والكوفيّ. وإذا ذكَرت أنّ فلانا يعدّ موضع كذا، فيكون المراد: أنّ غيره لا يعدّه. وإذا قلت: إنّ فلانا يُسقط موضع كذا، كان المراد: أنّ غيره يعدّه".
تصحيح الأبيات الموجودة في "الفرائد الحِسان":
وقبل الشرح لأبيات "الفرائد الحِسان" كما ذكَرها فضيلة الشيخ عبد الفتاح القاضي، أبيِّن أنّنا -بمشيئة الله سبحانه وتعالى- سنسير في دراستنا على الخطوات التالية:

(٣.٣ اصطلاح النّاظم في قصيدته، وشرح فواصل سُورة (الفاتحة


قراءة المتْن من أوّل سورة (البقرة) إلى آخِر سورة (الكهف).

(٣.٣ اصطلاح النّاظم في قصيدته، وشرح فواصل سُورة (الفاتحة


والآن نبدأ في قراءة متْن "الفرائد الحِسان":
قال الشيخ القاضي -رحمه الله تبارك وتعالى:
             أحمَدُ ربِّي وأصلِّي سرمدَا
             على رسولِ الله مصباحِ الهُدَى
             وهاكَ خُلْفَ علماءِ العددِ
             في الآيِ منظوما على المعتَمَد
             سمّيْتُه الفرائدَ الحِسانَا
             أرجو به القبولَ والإحسانَا
سورة (الفاتحة):
             والكوفِي معْ مكٍّ يَعُدُّ البسملهْ
             سواهُما أُولى ((عَلَيْهِمْ)) عُدَّ لَهْ
سورة (البقرة):
            ما بَدْؤُه حرْفُ التهجّي الكوفي عدّ

(٣.٣ اصطلاح النّاظم في قصيدته، وشرح فواصل سُورة (الفاتحة


            وأوّل (الشورى) لحِمصيٍّ يُعَدّ
            مُوافقًا للكوفِي فيما قد وردْ
            وعدّ شاميٌّ ((أَلِيمٌ)) أوّلاَ
            سواهُ ((مُصْلِحُونَ)) عنهُ نُقِلاَ
            ((وخَائِفِينَ)) عُدّ للبصريّ
            وثانِيَ ((الأَلْبَابِ)) للشّامِيّ
            كالثّانِي والعراقي ثمّ ثاني
            ((خَلاَقٍ)) اتْرُكَنَّهُ للثَّانِي
            ((ويُنْفِقُونَ)) الثّاني عدّ المَكِّي
            وأوّل أيضا بدون شكّ
            ((وتَتَفَكَّرُونَ)) في الأولى وَرَدْ
            للثّانِ والشّامي وكوفٍ في العدَدْ
            ((مَعْرُوفا)) البَصْري ومعْه قد وَلِي

(٣.٣ اصطلاح النّاظم في قصيدته، وشرح فواصل سُورة (الفاتحة


ذكرها -رحمه الله- على أساس الآية القرآنية: ((وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا)) [البقرة: ٢٨٢].

شرح الفواصل الموجودة في سورة (الفاتحة)

شرح سورة (الفاتحة)
والآن بعون الله -سبحانه وتعالى- نبدأ في شرح سورة (الفاتحة):
سورة (الفاتحة) تُسمَّى (أمّ القرآن), وأسماؤها كثيرة ذكرها الإمام السيوطي -رحمه الله تبارك وتعالى- في "الإتقان", وذكَر ما يزيد على عشرين اسما لها. وهي مكِّيّة في قول ابن عباس وقتادة، ومدنية في قول أبي هريرة -رضي الله تبارك وتعالى عنه- وعطاء. وقيل: نزلت مرّتيْن: مرّة بمكة، ومرّة بالمدينة. وقيل: نزلت نصفيْن: نصْفها بمكة، ونصْفها بالمدينة. ونزلت بعد سورة (المدّثِّر), ونزلت بعدها: (تبّت يدا). عدد كلماتها: خمس وعشرون، وعدد حروفها: مائة وعشرون حرفا. وقاعدة فاصلتها -أيْ: آخِر حرف في الفاصلة في هذه السورة: إمّا نون نحو: ((الْعَالَمِينَ))، أو ميم نحو: ((الرّحِيمِ)).قال الشيخ القاضي -رحمه الله:
            والكوفِي معْ مكٍّ يَعُدُّ البسملهْ
            سواهُما أُولَى ((عَلَيْهِمْ)) عُدَّ لَهْ
والخلاصة: أنّ مَن يَعدّ البسملة -وهما: الكوفي والمكي- لا يعد ((عَلَيْهِمْ))، ومَن يَعُدّ ((عَلَيْهِمْ)) -وهم: باقي علماء العدد- لا يَعدّ البسملة؛ ولذلك فإنه عند الكوفيِّين يقرءون (الفاتحة) هكذا: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، ويعتبرونها آية، ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) إلى ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) فيقولون: ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)). هكذا المكي والكوفي يقرآن سورة (الفاتحة).

(٣.٣ اصطلاح النّاظم في قصيدته، وشرح فواصل سُورة (الفاتحة


بيّن -رحمه الله- في هذا البيت أنّ الخلاف في سورة (الفاتحة) وقَع في موضعيْن من هذه السورة: البسملة، وكلمة ((عَلَيْهِمْ)) الأولى، وهي من قوله تعالى: ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) [الفاتحة: ٧]، وبيّن أن الكوفي والمكي وحدَهما يَعُدّان البسملة، فتكون متروكة لغيرهما من باقي علماء العدد، وهم: المدنيّان، والبصري، والشامي، وأنّ سواهما -أي: سوى الكوفي والمكي- يعد كلمة ((عَلَيْهِمْ)) الأولى من قوله تعالى: ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) [الفاتحة: ٧]، فتكون متروكة لهما. وقيّد -رحمه الله- كلمة ((عَلَيْهِمْ)) بالأُولى؛ احترازا من الثانية، وهي: ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ)) [الفاتحة: ٧]، فكلمة ((عَلَيْهِمْ)) الثانية متروكة لجميع علماء العدد.
أمّا غيرُهما من علماء العدد، فلم يَعدّ البسملة، ولكن يَعدّ بدلا منها: كلمة ((عَلَيْهِمْ))، فيقرءونها هكذا: ((بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))
، ويضعون هنا رقم (١)، ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ))، يضعون رقم (٦)، ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ
الضَّالِّينَ))
، وهذه هي الآية السابعة.
واتّفق علماء العدد على أنّ (الفاتحة) سبْع آيات؛ فمَن أسقط البسملة عدّ ((عَلَيْهِمْ)), ومَن عَدّ ((عَلَيْهِمْ)) أسقط البسملة؟؟؟؟.
ووجْه مَن عدّ البسملة آيةً من (الفاتحة): مشاكَلتُها لفواصل سورتِها، مع الإجماع على أنها سبْع، وعلى أنّ لفظ ((الرَّحِيمِ)) لم يُذكر في القرآن الكريم إلاّ رأس آية، ولورود النص عن أمّ سلمة -رضي الله عنها- فيما روت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه عدّها رأسَ آية, كما سبق أن ذكرنا ذلك في الدرس الأول.

(٣.٣ اصطلاح النّاظم في قصيدته، وشرح فواصل سُورة (الفاتحة


ووجه مَن لم يعدّها: الإجماع على عدم عدِّها في أوّل السُّوَر غير (الفاتحة)، ولأن أبا بكر، وعمر، وعثمان -رضي الله عنهم جميعا- افتتحوا صلاتَهم بـ ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ))، ولِمَا روى أبو هريرة -رضي الله عنه- أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((قال الله -عز وجل: قسمتُ الصلاةَ بيني وبين عبدي نصْفيْن, فإذا قال عبدي: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) قال: حمِدني عبدي)). ونصّ الحديث -كما أخرجه الإمام مسلم وغيرُه- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((مَن صلّى صلاةً لم يقرأ فيها بـ (فاتحة الكتاب)، فهي خِداج -ثلاثا- غير تمام))، فقيل لأبي هريرة: إنما نكون وراء الإمام, فقال: اقْرأْها في نفْسك، فإنّي سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((قال الله -عزّ وجل: قسمت (الفاتحة) بيني وبين عبدي نصفيْن، ولِعبدي ما سأل. فإذا قال: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)) قال الله: حمِدني عبدي. وإذا قال: ((الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ))، قال الله -عز وجل: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال: ((مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ))، قال: مجّدني عبدي, وقال مرّة: فوَّضَ إليَّ عبدي. وإذا قال: ((إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ))، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: ((اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ))، قال: هذا بيني وبيْن عبدي، ولِعبْدي ما سأل)), ومعنى ((خِداج)) أي: نقْص، والتقدير: فهي ذات خداج. فالرسول -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث لم يَعُدّ البسملة. ووجْه مَن يُسقط ((عَلَيْهِمْ)): عدَم مُشاكلتِها لفواصل السُّورة؛ لأنّ فواصل هذه السورة مَبْنيّة على حرف المدّ الواقع قبل الحرف الأخير، وانعقاد الإجماع على عدم عدِّ نظيره في القرآن كلّه. ووجْه مَن عَدّه: الأدلّةُ على عدم عدِّ البسملة آية، مع الإجماع على أنّ (الفاتحة) سبْعٌ، وذلك لا يتأتّى إلاّ بِعدِّ ((أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)). مُشبه الفاصلة المعدود واحد، وهو: ((الْمُسْتَقِيمَ))؛ فقد عَدّه جميع علماء العدد. والمتروك أيضا واحد، هو: ((الّذِينَ))، في قوله تعالى: ((صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)).

٣.١ الأعداد المتداوَلة عند علماء الأمصار


...الشاطبي -رحمه الله- فلم يَذكر العدد الحمصي، والسبب في ذلك: أنه تتبّع في نظْمه ما رواه ونقله أبو العباس الفضل بن شاذان بن عيسى الرازي، وهو من رواة أبي جعفر، وقد توفّي في حدود سنة تسعين ومائتيْن بعد الهجرة. والفضل بن شاذان لم يذكر العدد الحمصي؛ فلذلك لم يذْكره الإمام الشاطبي -رحمه الله تبارك وتعالى. والعدد الحمصي إمّا موافق للعدد الدّمشقي أو مخالف له، وسوف نبيّن ذلك في موضعه إن شاء الله تبارك وتعالى.