٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام

قال المخلّلاتي -رحمه الله: اعلَمْ أنّ "الآية" مأخوذة من الآية التي هي بمعنى الجماعة؛ لأنها جماعة حروف، كما يقال: "خرج القوم بآياتهم" أي: بجماعتهم، أو من الآية التي هي بمعنى العلامة؛ لأنها حروف دالة وعلامة لانقطاع الكلام، كما تقول العرب: "بيني وبين فلان آية" أي: علامة؛ ومنه قوله تعالى في سورة (البقرة): ((إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)) [البقرة: ٢٤٨], ومعنى ((إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ)) أي: علامة مُلْكه، وقول النابغة:
             توهّمْتُ آياتٍ لها فعَرفْتُها
             لِستَّةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ
أي: توهّمتُ علامات, وهذا معنى "الآية" لغةً. وقد أشار إلى ذلك الإمام الشاطبي -رحمه الله تبارك وتعالى- في قصيدته "ناظمة الزُّهر":
             والآية بمعنى الجماعة أو مِن الْـ
             ـعلامةِ مبناها على خيْر ما جُدْرِ
ومعنى مبناها أي: اشتقاقها على الخبر الحقيقي.

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


وأما معنى "الآية" اصطلاحا، فقد أشار إليه الإمام الشاطبي -رحمه الله- بقوله:
             فإمّا حروفٌ في جماعتها غِنى
             وإمّا حروفٌ في دلالةِ مَن يُقرِي
ومعناه: أنها إمّا جماعة حروف من القرآن الكريم وطائفة منه مُستغنِية عمّا قبْلَها وعمّا بَعدها، أو حروف دالّة وعلامة لانقطاع الكلام الذي قَبْلها عن الكلام الذي بَعدها. وقد يجوز جمْعُ المعنيَيْن فيها؛ لأنها من حيث كونُها مركّبة من الحروف جماعةٌ، ومِن حيث كونُها علامة على صِدْق المُخبِر وعلى انقطاع الكلام دالّةٌ. وهذا معنى قول الإمام الشاطبي:
            وقد تَجْمع الأمْريْن في سِلْك أمْرها
            على سُنّة السّلاّك في صِحّة الفِكْرِ
قال الإمام السيوطي -رحمه الله- في "الإتقان": قال بعضهم: الصحيح أنّ "الآية" إنّما تُعلَم بتوقيف من الشارع، كمعرفة "السّورة". فالآية طائفة من حروف القرآن الكريم، عُلم بالتوقيف انقطاعُها، يعني: عن الكلام الذي بَعْدها في أوّل القرآن، وعن الكلام الذي بعْدها في آخِر القرآن، وعمّا قبْلها وما بَعدها في غيرهما، غير مشتمل على مثل ذلك. قال: وبهذا القيْد خرجَت السُّورة. هذا ما ذكَره الإمام السيوطي -رحمه الله سبحانه وتعالى- في كتاب "الإتقان".
واختلف النحويون في أصلها، فقال الخليل: أصْلها: "أَيَيَة" بوزن: أَمَنَة، قُلِبت الياء الأولى ألِفا لِتحرُّكها وانفتاح ما قبْلها، فصارت "آية". وقال...

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


...الكسائي: أصلها آيِيَة بوزن: "فاعِلة"، فلما اجتمع المثْلان جاز حذْف أحدِهما أو إدغامه، فرُجِّح الحذف للخفّة، فصارت "آية" بحذْف الياء الأولى.

الطُّرق التي تُعرف بها الفواصل
تنبيهان:
التنبيه الأوّل
عُلِم ممّا تقرّر: أنّ لِمعرفة فواصل الآيات أربعة طُرُق:
الأوّل: المساواة بين الآية والسُّورة طولا وقِصَرا.
الثاني: المُشاكلة.
الثالث: انقطاع الكلام، كما يُؤخذ من كلام الإمام الدّاني -رحمه الله تعالى- مِن أنّ الفاصلة هي: الكلام المُنفصل، ومِن معنى "الآية" السابق.
والرابع: اتّفاقهم على عدِّ نظير ذلك رأسَ آية في تلك السُّوَر, أو في غيرها.
هذه الطُّرق قد توجد كلّها في آية واحدة، وقد يوجد بعضُها، وإنها إنما يُصار إليها عند عدم النص على كوْن ما ذُكر رأسَ آية أو ليست برأس آية؛ فإنْ وُجد نصّ فيُعمل به دونها؛ لأن جانب التوقيف راجح في هذا الفن.

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


التنبيه الثاني
الذي ذكره المخلّلاتي -رحمه الله- قال: قد تُستخرج بعضُ الفواصل بمراعاة الأصليْن السابقيْن من خلال بعض الآيات:
منها: آية الكرسي؛ وقد عُبِّرت في كثير من الأحاديث بآية واحدة -كما سبق أن ذكرنا ذلك. وقد عدّها المدني الأوّل، والشامي، والكوفيّون آيةً واحدة لظاهر لفظ الأحاديث, وعدّها الباقون آيتيْن: أُولاهما: ((اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ))، والثانية ((لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ...)) إلى آخر الآية: ((الْعَظِيمُ))؛ لأنّ كلمة ((الْقَيُّومُ)) مُشاكلة لِما قَبْلها ولِما بَعْدها، ولانعقاد الإجماع على عَدِّ نظيره في أوّل (آل عمران)، وهو قوله تعالى: ((اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)) [آل عمران: ٢].
ومنها: الآيتان اللّتان بعدها، وهما قوله تعالى: ((لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)) [البقرة: ٢٥٦] إلى قوله تعالى: ((خَالِدُونَ)) [البقرة: ٢٥٧]. ففي أولاهما ما يُشبه الفواصل؟؟؟؟، موضع وهو: ((قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)) [البقرة: ٢٥٦]؛ لأنه ينقطع الكلام عنده، فيظل رأس آية؛ ولكن لم يَعُدّه أحدٌ لعدم مشاكلته لِطَرَفيْه. وفي ثانيتهما موضع وهو قوله تعالى: ((مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ))، وقد عدّه المدني الأوّل لِلمشاكلة، ولكونه كلاما مستقلا, ولم يَعُدَّه الباقون؛ لِعطف ما بَعْده عليه، ولورود الحديث بتعبيرها بآية واحدة، ولِعدم مساواتها لِطَرفيْها.
ومنها: آية الدَّيْن، وقد ورد فيها ما رُوي عن عبيد، عن ابن شهاب، قال: "آخِر القرآن عهدا بالعرْش: آيةُ الرِّبا، وآيةُ الدَّيْن". وقد عدّها غير المكّي آيةً واحدة لِذلك, وعدّها المكّي آيتيْن: أُولاهما بَدَأتْ من قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ))، وآخِرُها ((وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ))، فالمدني يَعتبر هذه آية. والثانية: ((وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)) إلى قوله تعالى: ((وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ))،

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


يَعُدّها آية أخرى. وعلى كون ((شَهِيدٌ)) رأس آية عند المكي فهو مشاكل لِما بَعده، ولكونه كلاما تاما.
ومنها: أخيرتا البقرة، وهما قوله تعالى: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ))، وقد عُبّرتا في الأحاديث بآيتيْن: أما أُولاهما: فأوّلُها: ((آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ)) إلى قوله تعالى: ((غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)). وفيها كلمة تُشبه الفاصلة، وهي ((وَالْمُؤْمِنُونَ)) لِمشاكلتها لِطَرفيْها فتُظنّ رأسَ آية، ولكن لم يَعدّها أحدٌ لِعدم مساواتها لِما بعدها. والثانية: ((لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسا إِلاَّ وُسْعَهَا)) إلى آخِر السُّورة. وفيها أيضا كلمة تُشبه الفاصلة من حيث انقطاع الكلام عندها، وهي: ((وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ))، فتُظنّ رأس آية، ولكنّ لم يَعُدَّها أحدٌ لِعدم المشاكَلة لطرفَيْها.
ومنها: ((وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا)) [الأعراف: ١٤٣]، والآية إلى آخرها: ((وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ)) [الأعراف: ١٤٣]. وفي أثناء الآية كلمتان تُشبهان الفواصل، وهما: قوله تعالى: ((لَنْ تَرَانِي))، وقوله تعالى: ((وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا))؛ لكون الكلام ينقطع بهما فيُظَنّان رأسَيْ آية؛ ولكنّهما لم يَعُدَّهما أحَدٌ لِعَدم المشاكلة لِما قبلَهما ولِما بَعْدهما؛ ولهذا قال الإمام الشاطبي:
             وقد يُنبِتُ الأصْلَيْن من كلماتها
             فروعُ هداياتٍ قوارعُ للبدرِ

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


            كما آيةِ الكرسي إلى ذات دَيْنِها
            ومنها ولمّا جاء موسى ورأسُها
            هو المؤمنون انظر في (الأعراف) واستقرِ
فإن قيل: إنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يُبيِّن في كلِّ ما عُرف بالتوقيف من رءوس الآيات, أنّ آيةَ كذا أوّلها كلمةُ كذا، وآخِرُها كلمةُ كذا، وأنّ هذه الآية آية تامّة. ومن أين علمنا التوقيف فيها؛ لأنه لم يُبعث لبيان مقاطع الآيات ومبادئها، كما أنه لم يُبعث لبيان حقائق الأشياء؛ بل بُعث لِبيان ما لنا وما علينا من الأحكام الشرعية؟ أُجيب بأن التوقيف إنما عُلم من إشارات تلك الأحاديث، لا من عباراتها؛ لأنها سيقت إمّا لبيان جهة هداية تلك الآيات، أو لبيان ما فيها من الخواصّ؛ فكوْنها آية تامّة أو آيتيْن مُستنبَط من الأعداد التي لم يُسقِ البيان لأجْل بيانِها؛ لأنّ لكلمات القرآن الكريم أصليْن مقصوديْن:
أحدهما: كونها هادية إلى طريق الجنّة، وهو المقصود من إنزال الكتب.
والثاني: كونها دافعة لشدّة شرّ الجنّ والإنس؛ لأن القرآن الكريم كما هو شفاء لمرض القلوب، فهو شفاء لمرض الأبدان؛ لقوله -صلى الله عليه وسلم- فيما أخرجه الحاكم وغيره: ((عليْكُم بالشفاءَيْن: العسل والقرآن)). وسوق الأحاديث إنما هو لبيان هذيْن الأصليْن، لا لبيان مقاطع الآيات ومبادئها.

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


فإن قيل: إذا كانت معرفة الآيات قد نُقلت بالسّماع من السلف، فلِمَ وَقع الخُلْف في بعض الآيات بين أئمّة العدد، واعتبارهم للأصليْن السابقيْن لأنه يلزم منه مخالفةُ الخلَف لأسلافهم الذين هم من أهل الرأي والعقول؟ أجيب بأن سبب الاختلاف: أنّ أقوال السلف لا تخرج عن الأصليْن السابقيْن ولا تخالِفهما؛ لأنّ القرآن الكريم أُنزل على لسان العرب وطبيعتهم، وهذان الأصلان -وهما رعاية التناسب وتساوي الآيات- أمران مرعيّان وأصلان مرغوبان فيه، واجتهاد السلف مبنيّ عليهما. فإذا خالفت أقوالهم لهما في مادّة، فيَعلم الخلَف أنّ مُرادهم من القول هكذا، فيُؤوِّلونه ويُطبِّقونه بهذيْن الأصليْن ما أمكن؛ لأن طبيعتهم كطبيعة أسلافهم. وهم يثقون بهما في الأوّل والآخِر، لكونهم في هذا الشأن كالجسم الواحد، يُبيِّنون ما أراده أسلافُهم من المعاني على حسب مُرادهم؛ فلا يلزم منه المخالفة المذكورة. ثم إنّ مَن بَعدَهم محمولون عليهم، حيث كانوا على طبيعتهم وطريقتهم؛ لأنهم يَضمّون إلى أنفسهم ما يَفهمونه من إشاراتهم، ويُفصِّلون ما أجملوه على مرادهم، لأنهم هم الذين عرفوا وتعقّلوا ما سمعوه من أقوالهم. وكيف لا والصحابة -رضي الله عنهم- هم أهل الفصاحة ومعدن البلاغة، وقد حضروا مجالس الرسول -صلى الله عليه وسلم- عند نزول القرآن الكريم، ووقفوا على أسراره، وتلقَّوْه منه غضا طريا بألفاظه ومعانيه، وتعلّموا منه خُمْسا وعُشْرا للرياضة والمجاهدة؛ فالواجب على مَن لم يحضر مجالس النزول أن يتّبعهم في جميع أقوالهم وأفعالهم، ويكتسب طبائعَهم حتى يفهم مرادَهم -رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا معنى قول الإمام الشاطبي:
             فإن قيل كيف الخُلْفُ في عَدِّ ما جَرى
             لدَى خَلَف التّعديد بين أُولي الحِجْرِ

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


            فقيل: إلى الأصْليْن رُدَّ اجتهادهمْ
            لإدلالِهم بالطبْع في الوِرْد والصّدر
            ومَن بعدَهم كلّ عليم وإنّما
            يحاذُ لهم بالفهم عنهم صدَى الفجْرِ
            أولئك أربابُ البلاغة والنُّهى
            ومَن حضَر التنزيل يتلوه بالنجْر
أي: بالأصل.
ومن أدلّة الاجتهاد في بعض الآيات: ما رُوي عن الإمام الأعمش أنه لم يَعُدّ قولَه تعالى: ((أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ)) [البقرة: ١١٤] رأسَ آية، لِعدم المُشاكلة؛ لأنه يقرؤها: "خُيَّفا"، بِضمّ الخاء وتشديد الياء، بوزن: "نُصَّرا"؛ وهذا مبنيّ منه على الاجتهاد. روى الإمام الداني بسنده إلى حمزة، أنه قال: قلتُ للأعمش: ما لكم لَمْ تعُدّوا ((أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ))؟ قال: لأنها في قراءتنا: "خُيَّفا". قال الداني: هذا الخبرُ أصلٌ في معرفة رءوس آيِ الآي، وفي تمييز فواصِلها؛ وذلك لأن لفظ ((خَائفِينَ)) لمّا لم يَكُن مشاكلا لِما قبْله ولِما بعْده من رءوس آيِ تلك السُّورة في وقوع حرف المدّ قبل الحرف المتحرك الذي هو آخِر الكلمة التي هي الفاصلة، ولا مُشبها لذلك، ولا مُساويا له في الزِّنة والبِنْية، لم يكن رأس آية في سورة رءوس آيِها مبنيّة على ما ذُكر.

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


ثم إن اختلاف الأعمش في هذا اللفظ، وكذا ما يُذكر من التوجيهات، لا يكون مانعا لورود التوقيف فيه؛ لأنّ التوجيه بالأصليْن السابقيْن إنما هو تعليل بعد الوقوع، لأن جانب التوقيف راجح في هذا الفن، والتوجيه إنّما يُؤتى به لِدفْع الشُّبه، كما يقول في توجيه القرآن والرّسم تطبيقا لقواعد العرب بقَدْر الإمكان، وفيه نفْع ما. وهذا معنى قول الشاطبي -رحمه الله- في ناظمة الزهر:
            قرَا خُيَّفا وهو اجتهاد بلا نُكْرِ
            ولا يمنع التوقيف فيه اختلافه
            إذا قيل بالأصليْن تأويلُ مستبري
قال المخلّلاتي -رحمه الله: تتمة: من الأدلّة على كون رءوس الآيات مأخوذة عن السّلَف: رسْمُهم نقطتيْن بين الآيات لتكونا علامتيْن على أنّ هذه الكلمة تمامُ آية، وترْكهم إياهما ليُعلم أنها ليست برأس آية. ألا ترى أنّ الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- تركوا كتابة البسملة بين سورتَيِ (الأنفال) و(القتال) -يعني: (براءة)- لأنّ النبي -صلى الله عليه وسلم- كان كلّما نزلت عليه سورةٌ يأمُر بكتابة البسملة في أوّلها، فلمّا لم يَعلموا أنه -عليه الصلاة والسلام- هل أمَر بها أو لا، توقّفوا فيها فتركوها. فلو كانت الآيات ونحوها بالرأي والاجتهاد، لَمَا توقّفوا فيها، بل يرسمونها. ورسْمهم أيضا لهاتيْن النقطتيْن بين الآيات، مع اهتمامهم بتجريد المصاحف شاهد على ذلك, واختلاف الأئمة أيضا في وجوه الرّسْم دليل قاطع عليه. وهذا معنى قول الإمام الشاطبي:

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


            وقد يُنظم الشكلان في العدِّ بينها
            وقد تُركا فاتْل (القتال) لكي تدْري
قال الإمام الدّاني, نقلا عن أشهب قال: سمعت مالكا وقد سئل عن العشور التي تكون في المصاحف بالحبر وغيره من الألوان، فكَرِه ذلك، وقال: "تعشير المصاحف بالحبر لا بأس به، وترْكُه أوْلى". ثم سُئل عن المصاحف التي يُكتب فيها خواتم السُّورة، وفي كلّ سورة ما فيها من عدد الآيات، فقال: "إنّي أكره ذلك في أمّهات المصاحف: أن يُكتب فيها شيء أو شكْل. فأمّا ما يتعلّم فيه الغلمان من المصاحف، فلا أرى بذلك بأسا". فقال أشهب: ثم أخرج إلينا مُصحفا لِجدِّه كتَبه إذْ كتب عثمان -رضي الله عنه- المصاحف، فرأينا خواتمه من حبْر على عمَل السلسلة في طول السّطر, ورأيته معجومَ الآي بالحبر. وقال الأوزاعي: سمعت قتادة يقول: "بدَعوا فنقطوا، ثم خمّسوا، ثم عشّروا". وقال أيضا: سمعت يحيى بن كثير يقول: "كان القرآن مجرَّدا في المصاحف، فأوّلُ ما أحدثوا فيه: النّقْط على الباء والتاء، وقالوا: لا بأس به، هو نور له. ثم أحدثوا فيه نقْطا عند منتهى الآي. ثم أحدثوا الفواتح والخواتم". وعنه أيضا قال: "ما كانوا يعرفون شيئا ممّا أُحدِث في هذه المصاحف، إلاّ هذه النّقط الثلاث عند رءوس الآي". وعن حمزة الزيات قال: رأى إبراهيم النخعي في مصحفي: "فاتحة سورة كذا وكذا"، فقال لي: "امْحُه! فإنّ عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: لا تخلطوا في كتاب الله تعالى ما ليس منه".
ثم قال الداني -بعد ذكْر هذه الاختلافات: وهذه الأخبار كلّها تُؤْذِن بأنّ التّعشير والتّخميس وأشكال فواتح السّوَر ورءوس الآي مِن عمَل الصحابة -رضوان الله عليهم أجمعين- أدّاهم إلى عمَلِه الاجتهادُ. وأرى أنّ مَن كرِه ذلك منهم ومن غيرهم، إنما كَرِه أن يُعمل بالألوان كالحُمرة...

٢.٣ معنى "الآية"، وما يتعلّق بها من الأحكام، والطُّرق التي تُعرف بها الفواصل


...والصّفرة وغيرهما، لا أن يُعمل أصلا. على أنّ المسلمين في سائر الآفاق قد أطبقوا على جواز ذلك، واستعمالهم في الأمّهات وغيرها؛ فالحَرج والخطأ مُرتفعان عنهم فيما أطبقوا عليه -إن شاء الله تعالى.