١.٣ اعتبار المساواة في هذا الفن


اعتبار المساواة في هذا الفن

قلنا: إنّ القياس هو: فاصلة الآية، كقرينة السّجعة في النّثر، وقافية البيت في الشِّعْر. ثم قلنا: إنّ المساواة قد اعتُبرت في هذا الفنّ بأصليْن: أحدهما: المساواة بين الآية والسُّورة طولا وقِصَرا، وبين الآية وما قبْلها وما بعْدها من آيات تلك السّورة كذلك.
والأمر الثاني: المشاكلة للطرفيْن أو لأحدهما، وذكَرنا الأمثلة لذلك، وتوقّفنا عند قول الإمام الدّاني -رحمه الله: إنّ آيَ سوَر القرآن قد تجيء على ضرْب واحد من التّشاكل متّفق غير مختلف؛ فاتّفاقه إمّا على الياء فقط، كفواصل سورة (الفاتحة) -على تقدير عدم عدِّ ((عَلَيْهِمْ)) آية- وإمّا على الألِف فقط كفواصل سورة (الرحمن). وقلنا: إن العلماء قد ذكروا أنه لم يوجَد في القرآن ما كان مَبنِيا على الواو فقط. وقد تجيء على ضرْبين مُختلفيْن، وعلى ضروب مختلفة، كفواصل سورة (البقرة). وقد يختلط ذلك التشاكل، يعني: أنّ بعض رءوس الآي في سورة واحدة مبْنِيٌّ على حرف المدّ، وبعضها مبنيّ على غيره، كسورة (الفاتحة) أيضا على رواية مَن عَدّ ((أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ)) آية. وذلك من الإعجاز المخصوص بالقرآن الذي أخرس الفصحاء والبلغاء، وأعجز الألبّاء والفقهاء.
قال الإمام المخلّلاتي: فائدة: قال الإمام السيوطي في "الإتقان": ألّف الإمام شمس الدِّين بن الصباغ الحنفي كتابا سمّاه: "إحكام الرّؤى في أحكام الآي"، قال فيه: اعلَمْ أنّ المناسبة أمْر مطلوب في اللغة العربية، يُرتكب لها أمور من مخالفة الأصول. قال: "وقد تتبّعتُ الأحكام التي وقعتْ في آخِر الآي مراعاةً للمناسبة، فعثَرتُ منها على نيِّف عن الأربعين حُكما".


١.١ معنى "علْم الفواصل"، وفوائد علْم الفواصل


وبدأ الإمام السيوطي -رحمه الله سبحانه وتعالى- يذْكر هذه الأحكام، قال: أحدها: تقديم المعمول إمّا على العامل، نحو: ((أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ))، قيل: ومِن ((وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ))، إلى آخِر ما ذكَره؛ لكنّنا نكتفي بهذا القَدْر في هذه الفائدة، ومَن أراد معرفة هذه الفوائد فلْيرجِع إلى كتاب "الإتقان" (ج٣/ ٢٩٦).

قال المخلّلاتي -رحمه الله: تنبيهان:
التنبيه الأوّل
إذا وقع في الآية كلمة مشتملة على حرف من حروف المدّ، ووقع بعدها كلمة تُماثلها في الاشتمال على ذلك الحرف، وصلحت كل واحدة منهما أن تكون رأسَ آية، فإنّ الفاصلة منهما ما وقعت متأخِّرة؛ لأنها لو كانت الفاصلة الأولى لَلَزِم فيها إمّا عدم انقطاع الكلام، أو عدم المساواة، أو غير ذلك. وسواء فَصَل بين الكلمتيْن فاصلٌ بالمفعول، كما في نحو قوله تعالى: ((لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ)) [البقرة: ١٧٠]، أو لم يفْصل بينهما شيء، نحو: ((عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) من قوله تعالى: ((يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)) [النساء: ٢٦]، وقوله تعالى: ((عَلِيمًا حَكِيمًا)) [النساء: ١٧]، وقوله تعالى: ((لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ)) [البقرة: ٢٧٩]. ومثلُ ذلك ما يقاس بالآخِرة، سواء كان بغير فصْل نحو: ((فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى)) [الليل: ٥], ونحو: ((وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى)) [النجم: ٤٨]، وقوله تعالى: ((ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى)) [النجم: ٨]، أو مع الفصْل بالمفعول كما في قوله تعالى: ((وَأَعْطَى قَلِيلا وَأَكْدَى)) [النجم: ٣٤]؛ ولذلك قال الإمام الشاطبي -رحمه الله...


١.٣ اعتبار المساواة في هذا الفن


...سبحانه وتعالى:
وما بعْد حَرْف المدِّ فيه نظيرُه
على كِلْمَةٍ فهو الأخِير بلا عُسْرِ
كما ((واتّقَى)) في (الليل) ((أقْنَى)) بـ (نَجْمِ) ـهِ
((تَدَلّى)) وذو المفعول يفصل بالجَزْرِ
أي: بالقطع.

التنبيه الثاني
لا تكون الآية على كلمة واحدة إلاّ ما وقعتْ قَسَما في أوّل سُورة, بشرط المشاكلة لفواصل تلك السورة، وذلك في أوّل سور (والطّور)، (والفجر)، (والضحى)، (والعصر). وأمّا لفظة ((وَالتِّينِ)) في أوّل سورة (والتين)، وإن كانت مشاكِلةً، فلم يَعُدّها أحد، وإنما الفاصلة هي: ((وَالزَّيْتُونِ)), وخرج بقَيْد المشاكَلة ما كان غيْرَ مُشاكِل، وهو: ((وَالنَّجْمِ)((وَالْمُرْسَلاَتِ))، ((وَالنَّازِعَاتِ))، ((وَالشَّمْسِ))، ((وَاللَّيْلِ))، فلم تعَدّ أيضا لِعَدم المُشاكَلة. وعَدّ الشامي والكوفيُّون أوّل (الرحمن), وعدّ الكوفيّون أوّل (الحاقة) و(القارعة) آيات، ولم يَعُدّها الباقون, وعَدّوا قوله تعالى: ((مُدْهَامَّتَانِ)) [الرحمن: ٦٤] آيةً مستقِلّة.


١.٣ اعتبار المساواة في هذا الفن


قال الإمام الدّاني -رحمه الله تبارك وتعالى: إنّ التشاكل في آيِ السُّوَر والتّساوي بين الفواصل ليس مُبطلا لِما جاء نادرا، ووَرَد مُخالفا لذلك، خارجا عن حُكم بنائه ووزْنه، وذلك من حيث عدُّ كلِّ العادّين باتّفاق منهم وباختلاف بينهم: آياتٍ غير مُشبِهات لِما قبلهنّ ولِما بعدهنّ من الآي في القَدر والطّول والشّبَه. ومن ذلك: عَدُّهم في النساء: ((ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُوا)) [النساء: ٣]، وفي (الذاريات): ((وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ)) [الذاريات: ٦]، وفي الزلزلة: ((لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ)) [الزلزلة: ٦]، وفي سورة (طه) -عليه السلام: ((مَا غَشِيَهُمْ)) [طه: ٧٨]، وفيها أيضا: ((إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا)) [طـه: ٩٢]، ونحو: ((وَلا َتَحْزَنَ)) [طه: ٤٠].

قال المخلّلاتي -رحمه الله تعالى: تتمة: اعلَمْ أن الفواصل على ستّة أقسام:

١.٣ اعتبار المساواة في هذا الفن


ما اختُلِف في كوْنه رأسَ آية، ويُشْبِه الفواصل، نحو: البسملة في أوّل (الفاتحة)، والأصل يقتضي أن يكون رأسَ آية.