١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


لمحة عن تطوّر التّدوين في هذا العصر
سَبق القول بأن القرن الثالث الهجري يُعَدُّ العصر الذّهبيّ لتدوين العُلوم الإسلامية عامّة وعلوم السُّنَّة النبوية خاصة، وقد فُصِّل الكلام في ذلك.

التدوين في القرن الرابع
وتابع علماء السُّنَّة في القرن الرابع مَن سَبقهم في خِدمة السُّنَّة المُطَهّرة وعلومِها:
فكان منهم مَن نَسجَ على مِنوال "الصحيحيْن" في تَخريج الأحاديث الصحيحة، من ذلك مثلاً:
"صحيح" ابن خزيمة (ت: ٣١١ هـ).
"صحيح" ابن حِبان (ت: ٣٥٤ هـ).
"صحيح" ابن السَّكَن (ت: ٣٥٣ هـ).
"مُسْتدرَك" الحاكم (ت: ٤٠٥ هـ) وغيرها...


١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


وتابع علماء السُّنَّة في القرن الرابع مَن سَبقهم في خِدمة السُّنَّة المُطَهّرة وعلومِها:
ومنهم من نَهَج منْهَج أصحاب "السّنن" في الاقْتصار على أحاديث السُّنن والأحكام، مع اشتمالها على الصحيح وغيره؛ وذلك مثْل:
"منتقى" ابن الجَارود (ت: ٣٠٧ هـ).
"سُنن" الدارقطني (ت: ٣٨٥ هـ).
كذلك نجِد مَن اعتنى في هذا القرن بالتأليف في مُختلف الحديث ومُشْكِلِه، كما في كتابَي الطحاوي (ت: ٣٢١ هـ):
"شرح معاني الآثار".
و "مُشكل الآثار"، وغيرهما...

وذلك تتميماً وتكميلاً لما بدأه الإمام الشافعي (ت: ٢٠٤ هـ) في كتابه: "اختلاف الحديث"، والحافظ ابن قُتيبة (ت: ٢٧٦ هـ) في كتابه: "تأويل مختلِف الحديث"، وغيرهما ممّا ألّف في ذلك النّوع في القرنِ الثالث.


١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


وتابع علماء السُّنَّة في القرن الرابع مَن سَبقهم في خِدمة السُّنَّة المُطَهّرة وعلومِها:

كما ظَهر -ولأوّل مرّة- نوعان من المُصنَّفات في هذا القرن، وهذا يُعَدُّ من التجْديد في مجال خِدمة السُّنّة، وهذه مَيزة أخرى لأهل السُّنَّة: أنهم في كل عصر يُعمِلون تَفكيرهم ويبْذلون جُهدهم في ابتكار طُرق ووسائل جديدة لخِدمة سُنة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، فلم يَجمُدوا كما جَمد غيرهم من أهل العلوم الأخرى.
وهذان النوعان مِن المصنَّفات هما:

النوع الأول النوع الثاني

كتب المُصطلح -علوم الحديث- التي جمعت تلك القواعد التي كانت متفرِّقة في كُتب مَن سبقهم من علماء القرنيْن الثاني والثالث، مثل: "الرسالة" للشافعي، ومُقدّمة "صحيح" مسلم، وكتابه: "التّميِيز"، وكتب الرجال والعِلل؛ فقيّض الله -عز وجل- مَن جمعها وسَهّلها على طَلبة العلْم.

١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


ويُعدُّ "المُحدّث الفاصل" لأبي محمد الرامهرمزي (ت: ٣٦٠ هـ) أوّل مؤلَّف في ذلك.
ثم تبعه أبو عبد الله الحاكِم (ت: ٤٠٥ هـ) بتأليف كتابه: "معْرفة عُلوم الحديث".
ثم استخرجَ عليه تِلميذه أبو نُعَيم الأصبهاني (ت: ٤٣٠ هـ). ثم تتابع التأليف في المصطلح بعد ذلك...

كُتب المُستخرَجات: وهناك أنواع أخرى مِن المصنَّفات في مجال تَدوين السُّنّة في هذا القَرْن، مثل:
"معاجِم الطبراني" (ت: ٣٦٠ هـ).
و"العِلل" للدارقطني الذي رتّبه على مَسانيد الصحابة، وغيرها...

أما في القرن الخامس الهجري، فقد سلك علماء السّنّة طُرُقاً أخرى ومجالات جديدة لتدوين السُّنّة وحفْظها وجمْعها، حيث ظهرت في هذا القرن النواة الأولى للموسوعات الحديثية. ومن ذلك:
كُتب الجمْع بين "الصحيحيْن".
وكُتب الجمْع بيْن "الكتب السِّتّة"، وغير ذلك...


١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


وسوف أذكر فيما يلي طائفة مِن أبرز الكتب الحديثية المدوَّنة في القرنيْن الرابع والخامس، وهي:

أشهر ما دُوِّن في القرنين:
"صحيح ابن خزيمة".
"صحيح ابن حِبّان".
"سنن الدارقطني".
"مُسْتدرك الحِاكم".
"السُّنن الكبرى" للبيهقيّ.


١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


تعريف موجز بـ"صحيح" ابن خزيمة
اسم المؤلف تسمية الكتاب شرط المؤلف
منهجه مكانة الكتاب عناية العلماء

أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزيمة النيسابوري الحافظ، إمام الأئمة، شيخ الإسلام، صاحِب المصنَّفات الكثيرة، ولد سنة (٢٢٣ هـ)، وتوفّي سنة (٣١١ هـ).

اشتُهر بين الناس باسم: "صحيح" ابن خزيمة. وقد ذكر الدكتور محمد مصطفى الأعظمي -محقق الجزء الموجود من ابن خزيمة-: أنّ اسمه كما وضعه مؤلِّفه: "مُختصر المُختصر من المُسند الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم"، وأنه مُختصَر من كتابه: "المُسند الصحيح".
وقال الحافظ ابن حجر: "وسمى ابن خزيمة كتابه: "المُسنَد الصحيح المتّصل بنقل العَدْل عن العَدْل من غير قَطْع في السَّند، ولا جَرحٍ في النَّقَلة".


١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


شرطه في كتابه:
اشترطَ ابن خزيمة -رحمه الله- في هذا الكتاب: ألاّ يُخرج إلاّ الحديثَ الصحيح؛ وقد نصَّ على ذلك في عُنوان كتابه حيث قال:


"مُختصر المُختصر من المُسنَد الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بنقْلِ العَدْل عن العَدْل موصولاً إليه -صلى الله عليه وسلم- من غير قَطْع في أثناء الإسناد، ولا جَرْح في ناقِلي الأخبار التي نَذكُرها -بمشيئة الله تعالى-".

منهجُه في "الصحيح":
رتَّبه على الكُتب والأبواب، فبدأه بـ"كِتاب الوضوء"، ثم "كتاب الصلاة"، وهكذا...
ثم يُورد تحت كل كتاب مجموعة من الأبواب، يقول: "باب كذا"، وتارة يقول: "أبواب كذا".
يُورد الأحاديث مُسنَدة مِنه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا كان للحديث أكثر من طريق يذكُرها.
يُعقِّب على الحديث غالباً بالكلام على سَنده ومتْنِه، ويَعتني بضبط الألفاظ ومُخالفة كلّ راوٍ للآخر في لفْظِه، وغالباً ما يبدأ كلامه بقوله: "قال أبو بكر: ...".


١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


كثيراً ما يذكُر الرّاجح عندَه في المسألة في تراجِم الأبواب على طَريقة فُقهاء المحدِّثين، كالبُخاري، وأبي داود، وغيرهما...

مكانة "صحيح ابن خزيمة" مِن كُتب السُّنّة:
قال الحافظ ابن الصلاح: "ثم إنّ الزيادة في الصحيح على ما في "الصحيحيْن" يتلقّاها طالبها ممّا اشتمل عليه أحَد المصنَّفات المعتمَدة... ويَكفي كونه موجوداً في كُتب مَن اشتَرط مِنْهم الصحيح فيما جَمَعه، ككتاب ابن خزيمة...".
وقال الحافظ السيوطي: "صحيح ابن خزيمة" أعلى مرتبة من "صحيح ابن حِبّان" لشِدة تحرِّيه؛ حيث إنه يتوقَّف في التصحيح لأدنى كلام في الإسناد، فيقول مثلاً: باب كراهة كذا إنْ صحَّ الخَبر، أو: إن ثبَت كذا...".
وقال الإمام الذهبي: "وقد كان هذا الإمام جهْبذاً بصيراً بالرجال...". ثم ذكَر عنه أنه قال: "لست أحتجّ بشَهْر بن حوشب، ولا بحَريز بن عثمان، ولا بعبد الله بن عمرو، ولا ببَقيّة، ولا بمُقاتل بن حَيان..."، ثم سمّى خَلقاً مِن الرواة الذين حصل في الاحتجاج بروايتهم خِلاف بين الأئمة، مما يدلُّ على شدّة تحرِّي ابن خزيمة وتوقِّيه في الرواية في "صحيحه" رحمه الله".


١.١٤ التّدوين في القرنيْن الرابع والخامس الهجريَّيْن، "صحيح" ابن خزيمة


عِناية العلماء بـ"صحيح ابن خزيمة":
اعتنى العلماء بـ"صحيح ابن خزيمة" رواية وإسماعاً ورجالاً. وممّن اعتنى به مِن المتأخِّرين:
الحافظ سِراج الدِّين عمر بن علي، المعروف بابن الملقِّن (ت: ٨٠٤ هـ)، حيث اختصر "تهذيب الكمال" للمزِّي مع التذييل عليه برجال ستّة كُتب هي: "المسند" للإمام أحمد، "صحيح" ابن خزيمة، "صحيح" ابن حِبّان، "مستدرَك" الحاكِم، "السُّنن" للدارقطني، "السُّنن الكبرى" للبيهقي، وسماه: "إكْمالُ تَهذيب الكَمال".
والحافظ ابن حجر العسقلاني (ت: ٨٥٢ هـ)، حيث صنَّف كتاب: "إتحاف المهَرة بالفوائِد المُبتكَرة من أطرافِ العشرة"، وهي: "موطأ" الإمام مالك، و"مُسند" الشافعي، و"مُسند" الإمام أحمد، و"سُنن" الدارمي، و"صحيح" ابن خُزيمة، و"المنتقى" لابن الجارود، و"صحيح" ابن حِبان، و"المُستَخرج" لأبي عَوانة، و"المُستدرَك" للحاكِم، و"شرح معاني الآثار" للطَّحاوي، و"السُّنن" للدارقطني.
قال الحافظ: "وإنما زاد العَدْل واحداً، لأن "صحيح ابن خزيمة" لم يُوجد منه سوى قدْرِ رُبُعه".