٤.١٤ "السُّنن الكُبرى" للبيهقي


تعريف موجَز بـ"السُّنن الكُبرى" للبيهقي
اسم المؤلف سبب التأليف موضوع الكتاب
مكانة الكتاب عناية العلماء

هو: الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، المولود سنة (٣٨٤ هـ)، والمتوفَّى سنة (٤٥٨ هـ)، صاحب المصنَّفات الذائِعة والكُتب السائرة.

لقد أراد البيهقي من وراء تصنيف هذا الكتاب: أن يجمع مُسند النبي -صلى الله عليه وسلم-، وما يُحتاج إليه من الآثار في الأحكام الشّرعيّة مِن الموقوفات والمقطوعات مُرتَّبة على أبواب الفقه. وكان هدفه من وراء ذلك: إثْبات صِحّة مذهب الإمام الشافعيّ، وأنّ مذهَبَه قائم على الكتاب والسُّنّة.

٤.١٤ "السُّنن الكُبرى" للبيهقي


ورغم أنّ الإمام البَيهقي قَصد في جُملة ما قَصد إليه من رواء وضْعه لهذا الكتاب: نُصرة المذهب وتأصِيله، إلاّ أنه حَرِص كلّ الحِرص في صناعته الحديثيّة على: أن يَنْتصر للحديث قبْل انتِصاره للمذهب، وأن يَقِف معارِضاً ومنتقداً للمذهب ولإمامِه الشافعيّ -رحمه الله- في العَديد مِن المواطِن، وذلك لمزيدِ إنصافه وتحرِّيه، وقُدرته الحديثيّة والفقهيّة.
وقد أدرك هذا الجانبَ الذهبيُّ -رحمه الله-، فراح يُشيد به قائلاً: "ولو شاء البيهقيّ أن يَعمل لنفْسه مذهباً يَجْتهد فيه، لكان قادراً على ذلك، ِلسِعة عُلومه ومعْرفته بالاختلاف؛ ولهذا تراه يلوِّح بنصر مسائل ممّا صحّ فيها الحديث".

موضوع "السُّنن الكبرى":
لقد قصد الإمام البيهقيّ: أن يجعل كتابه جامِعاً لسُنن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأسماه: "السُّنن وما يُحتاج إليه مِن الآثار الموقوفة والمقطوعة".

٤.١٤ "السُّنن الكُبرى" للبيهقي


وعلى هذا، فموضوع "السّنن الكبرى" هو: أحاديث الأحكام مُرتَّبة على الأبواب الفقهيّة؛ فهي أصْل موضوعه، وعُنوان الكتاب يدلّ على مُراده منه، ولكنّ توسّعه في إيراد الموقوفات والمقاطيع، وعنايته بذلك قَصْداً وتَصريحاً في أثناء عمَله، يجعل عملَه أقربَ إلى منهج "المصنَّفات" منه إلى "السُّنن".
وقد رتَّب الإمام البيهقي مادّته الحديثيّة وِفْق نِظام الكتاب والباب، وحرص في عامّة كتابه أنْ يَحْكم على كلِّ نصّ بما يُناسبه مِن الأحكام النَّقْديّة، جامعاً لشواهِده، ومتابعاته، وغَريبه، وعِلله، كما يتعرَّض لمختلِفه، وناسِخه ومنسوخِه إن وُجد، ويُطرِّز ذلك بما يَنْقدح له من استنباطات فقهيّة مُستفادة بالتّنصيص أو الدِّلالة.
وقد عالج الإمام البيهقي مِن خلال هذه الكتب التي بلغ عددُها واحداً وسبعين كتاباً مسائِل الأحكام، وعني بها عِناية فائقة؛ فتوسّع في تفْريع هذه المسائل، وأشبعها بما يَفيها من المادّة الحديثيّة، و فاق بعمَلِه هذا سائِرَ أصحاب "السّنن" بما فيهم أصحاب "السُّنن الأربعة" وغيْرهم مِن أصحاب المصنَّفات الحديثيّة التي كتَبها أصحابها وِفْق الأبواب.


٤.١٤ "السُّنن الكُبرى" للبيهقي


المكانة العِلْميّة "لِلسُّنن الكبرى":
احتلّت "السُّنن الكبرى" مكانةً مرمُوقة بيْن المصنَّفات في الحديث الشريف، وأكبرَها الأئمةُ النُّقاد، وأطْنبوا في رفْعِها والثناءِ عليها، وذلك لاشتمالها على الكثير من المزايا النّفيسة. وإليك طائفة مِن أقوال العلماء في مَدح الكتاب والثناء عليه:
ممّن أثنى عليه وحَمِده وارتضَاه: الإمام رُكن الإسلام: أبو محمد الجُوَيني (ت: ٤٤٨ هـ)، والد إمام الحرميْن؛ فقد أنفق الكثير مِن مَالِه مِن أجْل أن يظفَر بنسخةٍ منه.
يقول الإمام البيهقي في ذلك: "ووقع الكتاب الثاني، وهو كتاب "السنن" إلى الشيخ الإمام أبي محمد عبد الله بن يوسف الجُويني -رضي الله عنه-، بعد ما أنفق على تحصيله شيئاً كثيراً؛ فارتضاه، وشكَر سعْيِي فيه؛ فالحمدُ لله على هذه النعمة حَمداً يُوازيها، وعلى سائِر نعمته حمداً يُكافيها".
وقد جعَله أبو عمر بن الصلاح (ت: ٦٤٣ هـ) سادسَ "الكُتب السِّتّة" في القيمة والأهمِّيَّة، عوضاً عن "سنن ابن ماجة"، ومنَحه وصفاً خاصاً ميّّزه به على سائر كُتب "السُّنن"، فقال: "ولْيقدِّم -أي: طالب العلْم- العنايةَ بـ"الصحيحيْن"، ثم "سنن أبي داود" و"سنن النسائي"، و"كتاب الترمذي"، ضبطاً لمُشْكلها، وفَهماً لخفيِّ معانيها، ولا يُخْدعنَّ عن كتاب "السنن الكبير" للبيهقي، فإنَّا لا نعلم مثلَه في بابه".


٤.١٤ "السُّنن الكُبرى" للبيهقي


وقال الإمام السُّبكي (ت: ٧٧١ هـ) مُشيداً به: "أمّا "السّنن الكبير" فما صُنِّف في علْم الحديث مثلُه، تهذيباً وترتيباً وجوْدة".
وقال الحافظ ابن كثير (ت: ٧٧٤ هـ): "وجمَع أشياء كثيرة نافعة، لم يُسبق إلى مثْلها، ولا يُدرك فيها، منها: كتاب "السّنن الكبير".

عناية العلماء بـ"السنن الكبرى" للبيهقي:
لقد حَظيَ كتاب "السنن الكبرى" بعناية العلماء واهتمامهم، وذلك بالإقْبال عليه سماعاً وإسماعاً، وتهذيباً واختصاراً، واستخراجاً لزوائده، وكلاماً في رِجاله، إلى غير ذلك من ألوان العناية والاهتمام...
فممّن اختصره وهذَّبه:
الإمام ابن عبد الحق إبراهيم بن علي الدّمشقيّ، في خمْس مجلّدات.
الإمام محمد بن أحمد الذهبي، سمَّاه: "المُهذب في اختِصار السُّنن الكبير"؛ حيث حذَف أسانيد الأحاديث، واقْتصر على ذِكْر مَن خرّج الحديث، مع بيان دَرجة الحديث مِن حيث الصِّحّة والضَّعف، كما حذَف المتون المُكرَّرة التي وقعت قريبة مِن بعضها.
وقد جاء مخْتصَر الذهبي هذا، على قَدر النِّصف من الكتاب الأصل أو يَزيد، وقد طُبع منه أربع مجلدات بالقاهرة.


٤.١٤ "السُّنن الكُبرى" للبيهقي


عبد الوهاب بن أحمد الشعراني؛ ذكره صاحب "كَشْف الظنون".
محمد بن أحمد الموريتاني، الملقّب بالداه الشنقيطي، سماه: "فتح الإله في اختصار السّنن الكبرى"، اقتصر فيه على حَذْف الإسناد، والمكرّرات، كما حَذَف تخريج الأحاديث الذي يذكره البيهقي عقب الأحاديث.
وممّن استخرج زوائده على "الكُتب السِّتّة":
الإمام أحمد بن أبي بكر البوصِيري، وسماه: "فوائد المنتقِي لزوائِد البيهقي"، وصَلنا المجلّد الثاني والثالث.
وقد اختصر كتابَ البوصيري: الإمام محمد بن محمود الجزائري، المشهور بابن العنّابي، وأسماه: "المقتطَف من فوائد المنتقي لزوائِد البيهقي"، يوجد منه مجلّد واحد في دار الكتب المصريّة.
وممّن ترجم لِرجاله:
الحافظ ابن الملقِّن، في كتابه: "إكمال تهذيب الكمال".


٤.١٤ "السُّنن الكُبرى" للبيهقي


وممّن تَعقَّبه واستدرك عليه:
الإمام علي بن عثمان، المشهور بابن التّركماني الحنفيّ، وسمَّى كتابه: "الجوْهَر النقيّ في الردِّ على البيهقيّ"؛ وهو مطبوع بهامش "السنن الكبرى". وانتقاداته على البيهقي متفاوتة مِن حيث قيمتها العلميّة: فمنها ما هو قويّ صحيح، ومنها ما هو ضَعيف مَرْدود. وقد قام مجموعة من الطلاب في الجامعة الإسلامية، كلية الحديث، بدِراسة هذه التعقّبات، والموازنة بيْن الإماميْن فيها، في رسائل علميّة نالوا بها درجة الدكتوراه.
قام بتلخيص هذا الكتاب: الإمام زين الدين القاسم بن قطلوبغا الحنفيّ، وسمّى تلخيصه هذا: "تَرصيع الجوهَر النَّقي في الرد على البيهقي"، ورتّبه على حُروف المعجم، وانتهى فيه إلى حرف المِيم، واخترمته المنيّة قبل إكماله.