٣.١٣ "السنن الكبرى" و"المجتبى" للنَّسائي


تعريف مُوجز بـ"السنن الكبرى" و"المجتبى" للنَّسائي
أ- طريقة النسائي فيهما
ألَّف الإمام الحافظ: أبو عبد الرحمن أحمد بن شُعيب بن علي النَّسائي كتابيْن هما:
"السُنن الكبرى" .
و"المُجْتَبَى".
وكِلاهما مطبوع، وفي كل واحد منهما أحاديث زَائدة على الآخر.
اشتمل "المجتبى" على الحديث الصحيح والحَسَن والضَّعيف، لكن الضَّعيف فيه قَليل بالنسبة إلى بَقية كُتب السُّنن؛ ولذلك اعتُبر "المُجتبَى" أصلاً مُعتمَداً عند المحدِّثين والعلماء. وقد بلغت أحاديثه (٥٧٦١) حديث.
أمّا "السُّنن الكُبرى"، فكان مِن طريقة النَّسائي فيها: أن يُخرِّج عن كل مَن لم يُجْمَع على تركِه، ويُريد إجماعاً خاصاً من قِبل النُّقاد المُتشدِّدين والمُعتدِلين. فليس شَرطُه في الرجال مُتّسعاً مُتساهِلاً؛ بل إنه تَجنّب إخراج حديث رِجالٍ أخرج لهم البخاري ومسلم.

٣.١٣ "السنن الكبرى" و"المجتبى" للنَّسائي


وفي الجُملة، فكتاب النَّسائي "المُجتبى" أقلُّ الكُتب بعد "الصحيحيْن" حديثاً ضعيفاً ورجلاً مجروحاً؛ فكم من رجُل أخرجَ له أبو داود والترمذي تَجنَّب النَّسائي إخراجَ حديثه، بل تَجنَّب إخراجَ حديث جَماعة مِن رِجال الشيخيْن.
ولذا، قال أبو عبد الله بن رُشيد: "إنه أبدعُ الكُتب المُصنَّفة تَصنيفاً، وأحسنُها توصِيفاً، وهو جامِعٌ بين طريقتَي البخاري ومسلم، مع حظٍّ كبير من بيان العِلل التي كأنها كهانةٌ من المُتكلِّم".
ويلاحظ أنّ "المجتبى" اقتصر على أحاديث الأحكام، فضمّ (٣٤) كتاباً فقط.
أمّا "السنن الكبرى"، فضمّت (٦٣) كتاباً، منها: كتب: الإيمان، والتفسير، والسِّير، وغير ذلك مما تتناوله الجوامع الحديثية عادة. وقد حذف النَّسائي أبواباً كثيرة من "السّنن الكبرى" مِن الكتب المتعلّقة بالأحكام أيضاً.


٣.١٣ "السنن الكبرى" و"المجتبى" للنَّسائي


ب- الذين رووا عن النسائي "سننه الكبرى"
روى "السنن الكبرى" عن النَّسائي جَماعةٌ، منهم:
أبو علي الحسن بن رَشِيق العسكري.
وأبو علي الحسن بن أبي هِلال.
وأبو القاسم حمزة بن محمد الكِناني.
وابن النَّسائي.
وعلي بن أبي جعْفر أحمد بن محمد بن سَلامة الطَّحاوي.
وأبو الحسن محمد بن عبد الله بن زكريا بن حَيويه.
ومحمد بن قاسم الأندلسي.
وأبو بكر محمد بن معاوية الأحمر الأندلسي.


٣.١٣ "السنن الكبرى" و"المجتبى" للنَّسائي


والحسن بن أبي التمَّام.
وغيرهم... وفي رواية كلٍ منهم ما ليس عند الآخر.

وقد أشار ابن الزبير إلى: "أن أصْل السَّماع العَتيق الذي كان بالأندلس من رواية ابن الأحمر، وَقع فيه لحنٌ كَثير، تركه على حاله مَن قرأ عليه مِن أكابر العلماء، ومَن قرأ فيه مِن أكابر العلماء والنَّقادين المُعْتمَدين، علموا عليه بما يُشْعر أنه الرواية، وأنّ الصواب خِلافه".

وقيل: إن نسخة ابن قاسم أتمُّ صِحة وأقْومُ ضَبطاً، أي: بالنسبة إلى رواية ابن الأحمر، لأنّ أكمل الروايات مُطلقاً وأتمَّها وأحسنَها انتظاماً وسَرداً: رواية حمزة الكِناني.


٣.١٣ "السنن الكبرى" و"المجتبى" للنَّسائي


ج- منهج النسائي
يرى الحافظ السخاوي: أنّ النَّسائي "زاحَم إمام الصنعة البخاري، في تَدقيق الاستنباط، والتبويب لمَا يَسْتنبِطه بِدون إسقاط، بحيث يُكرر لذلك المتون... كما زَاحمه في التَّقلل من الإتيانِ بـ"ح" للفصل بيْن السّنديْن؛ بل هي عنده قليلة جداً، ووافقه على جواز الرواية بالمعنى، وفيما ذهب إليه مِن المسمَّى أصحَّ الأسانيد، وإنْ خالفه في نفس التراجِم... وزَاحم مسلماً في كثير مما اعتنى به، كالإشارة لصاحب اللفظ مِن بيْن مَن يُورد المتْن عنهم -أو عنهما-، وكإرْداف العَامّ بالمُخصّص، والمجْمل بالمبيَّن المنصِّص، والمنسوخ بالناسخ له، إلى غيرها من النَّفائِس المُكملة... وأكثر ما روى في "سننه" عن شيوخه بصيغة: "أخبرنا"، فهو مَاش على مذهب المُجوِّزين إطلاق "أخبَرنا" و"حدَّثنا" في العرضِ والسَّماع".
واستقراء السّخاوي هنا يُخالف ما ذهب إليه القاضي عِياض، من تَفْريق النَّسائي بين: "حدَّثنا" و"أخبرنا".
ويرى السّخاوي: أنّ النَّسائي يوافق البخاري ومسلم في إبهَام الضعيف إذا قُرن في الرواية بِثقة، وظهَر له من حال النَّسائي في التّثبّت أنه عَرف أنّ لفظَي الراويَيْن الثقة المعرَّف والضعيف المُبْهم أو معناهما، سواء؛ وفائدة هذا الإبْهام: الإشعار بضعف المُبْهم، وكونه ليس على شرْطه، وكَثْرة الطُّرق، لِيترجح بها الخَبَر عند المُعَارضة.

٣.١٣ "السنن الكبرى" و"المجتبى" للنَّسائي


وأعلى أسانيدِه فيه أربعُ وسائط، وأنزلها فيه عشرُ وسائط.
وقد بيَّن السخاوي شِدّة تَحري النَّسائي، وبيانَه ما يقع لشيوخه من الاختلاف، وحُسْن كلامه على فقه الحديث، وتفسيرَه الغريب، وتعْيينَه المُهْمل، وتسميَته المُبْهم، وإشارَته للمتّفق والمفترق، وإزالته للبْس التّفرد بذكْر التّعدّد، وبيانَه المُنْقطع، والمُرْسَل، والمُدْرَج، والمُنْكر، والغَريب، والموقوف، وحالات التدليس والتصْحيف.

د- شروح "المجتبى"
ومن شروح "المُجْتبى":
"الإمْعَان في شرح مُصنف النَّسائي أبي عبد الرحمن"، ويُعدُّ في المفْقود.
"شرح زوائدِه" لأبي حفص ابن الملقِّن، ويُعدُّ في المَفْقود أيضاً.
"زَهْر الرُّبى على المُجتبى" للحافظ السيوطي (ت: ٩١١ هـ).
"شرح السِّنْدي" (ت: ١١٣٨ هـ)، وقد طُبع الشرحان معاً.