![]() |
مؤلّفه الإمام الحافظ: أبو عيسى محمد بن عيسى السُّلمي التِّرمِذي. |
![]() |
هذا الكتاب هو أحد الكُتب السِّتة، خرَّج التِّرمِذي فيه الحديث الصَّحيح، والحَسن، والضَّعيف، والغَريب، والمُعلّل وأبانَ عن عِلّته. كما خرَّج بعض المَناكير، ولا سيَما في كِتاب الفضائِل؛ ولكنه يُبيِّن ذلك غالباً ولا يسْكت عنه. |
![]() |
وقد التزم أن لا يُخرِّج في كِتابه إلاّ حديثاً عَمِل به فَقيه، أو احتجَّ به مُحتج. وبيَّن مذاهِب الصحابة والتابعين وفُقهاء الأمصار. |
![]() |
واختصر طُرق الحديث، فذكر واحداً وأشار إلى ما عَداه. |
![]() |
وجَعل في آخره كِتاباً للعِلل جمَع فيه فوائد هامة. |
![]() |
وهكذا، فإنه امتاز في المقَام الأول بملاحظاته النَّقدية حولَ الأسانيد، وبإضافة الآراء المتباينة للمدارس الفقهية المختلفة. |
![]() |
وقد رتَّبه على الأبواب الفقهية. |
![]() |
فقال الحافظ الهَروي الأنصاري (ت: ٤٨١ هـ): "كتاب أبي عيسى التِّرمِذي عِندي أفْيَد من كتابَي البخاري ومسلم؛ لأنهما لا يَصل إلى الفائدة منهما إلا مَن يَكون من أهل المعْرِفة التَّامة. وهذا كِتاب قد شرَح أحاديثه وبيَّنها فيصلُ إلى فائِدتها كلُّ فَقيه وكلّ مُحدِّث". |
![]() |
وقال أبو نَصْر عبد الرحيم بن عبد الخالق (ت: ٥٧٤ هـ): "الجامع على أربعة أقسام: قِسم مَقطوع بِصِحَّته، وقِسم على شرطِ أبي داود والنسائي -كما بينَّا-، وقِسم أخرجه للضِّدّيّة، وقِسم رابع أبان عَنه فقال: ما أخرجت في كتابي هذا إلاّ حديثاً قد عَمِل به بعضُ الفُقهاء سِوى حديثيْن، وذكَرهما". |
![]() |
وقال ابن الأثير (ت: ٦٠٦ هـ): "كتاب التِّرمِذي أحسنُ الكُتب، وأكثرُها فائدة، وأحسنُها ترتيباً، وأقلُّها تَكراراً، وفيه ما ليس في غَيرِه مِن ذكْر المذاهب ووجوه الاستدلال، وتبيِين أنواع الحديث من الصحيح والحسن والغريب... وفيه جَرْح وتَعْديل، وفي آخره كتابُ العِلل، وقدْ جمَع فيه فوائد حسَنة". |
![]() |
وقال الباجوري في "حاشية الشمائل للترمذي": "وناهِيك بـ"جامعه الصحيح"، الجامِع للفوائد الحديثيّة والفقهيّة، والمذاهب السَّلفيّة والخَلفيّة؛ فهو كافٍ للمجتهد، مُغنٍ للمُقلد. نَعم، عنده نَوعُ تَساهُل في الصحيح ولا يَضرّه؛ فقد حَكَم بالحسن مع وجود الانقطاع في أحاديث مِن "سُننه"، وحسَّن فيها ما انفرد راويته به -كما صرح به هو-؛ فإنه يُورد الحديث، ثم يقول عقِبه: "إنه حسن غريب"، أو "صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجْه"؛ لكنه أجِيب بأنه اصطلاح جديد، ولا مُشاحة في الاصطلاح". |
![]() |
وكان التِّرمِذي مُعتزاً بكتابه، واثقاً مِن عَمله، قال: "صَنَّفت هذا الكتاب، فعرضْتُه على عُلماء الحجاز والعراق وخراسان، فرَضُوا به. ومن كان في بيته هذا الكتاب، فإنما في بيته نبيّ يتكلّم". |
![]() |
وقد شرح التِّرمِذي مُرادَه في آخِر كتابه "الجامع" بقوله: "أردت بقولي: "حسَن": ما لا يَكون في سنَده مُتَّهم بالكَذب، ولا يكون الحديث شَاذاً ويُروى من غيره وجه". قال: "ورُبّ حديث يكون غريباً لا يُروى إلا مِن وجه واحد، ورُبّ حديث يُروى من أوجه كَثيرة، وإنما يُسْتغرب لحالِ الإسناد...". ولكن التِّرمِذي لم يشرح اصطلاحاته المُركَّبة. |
![]() |
وقد أشارت كُتبُ مصطلح الحديث إلى أنّ الإمام البخاري شيخ التِّرمِذي سبقَه إلى استعمال المصطلحات المركّبة، مثل: "حسن صحيح"، ولكنه لم يُكثر مِن ذلك كما فَعل تِلميذه. ولم يبحث المحدِّثون في هذا الاصطلاح إلا مَنْسوباً إلى التِّرمِذي؛ لأنه توسَّع في استعمال المُصطلحات المُركّبة دون أن يُعرِّفها، فاحتاجت إلى جُهود أهل العلم في استقراء كُتب التِّرمِذي ومحاولة تحْديد المُراد مِن إطلاقها، وخاصة "جامعه"، للوقوف على الصُوَر المُتنوِّعة التي أطلَق عليها تلك المصطلحات المركّبة. |
![]() |
ولعلّ أوسع مَن عَرض تِلك الصُّوَر: الحافظ السيوطي في كتابه: "البحْر الذي زَخَر"، حيثُ حاول حصر محاولات القُدامى في تعريف المصطلحات المركّبة، وهي: |
![]() |
"حسَن صحيح". | |
![]() |
و"حسَن غَريب، لا نعْرِفُه إلاّ مِن هذا الوجه". | |
![]() |
و"حسَن صحيح غريب". |
![]() |
إنّ التعَامُل مع "جامع التِّرمِذي" يحتاج إلى حلٍّ لتعريفات الاصطلاحات المُركّبة التي استعملها التِّرمِذي لأوّلِ مرة في تاريخ عِلْم الحديث. |
| "حسَن صحيح" | "صحيح غَريب"، و"حسَن غَريب |
| "حسَنٌ صحيح" |
![]() |
لا تَناقض في الجَمْع بين الصحيح والحسن، وعندما يقول التِّرمِذي: "حسن صحيح"، قدْ يُتَوهم أنه جمَع بين نَفْي القُصور وإثباته، لأن الحسَن يَنْحطُّ عن الصحيح؛ فالوصف بالحُسن والصِّحة معاً فيه تعارض. وقد ذكر ابن دَقِيق العيد أنّ الجَمع بين الحُسْن والصِّحة لا تَناقُض فيه، لأنّ وجود الدرجة الدنيا -كالصِّدْق مثلاً- لا ينافيهِ وجودُ ما هو أعلى منه، كالحِفظ والإتقَان؛ فيصحّ أن يقال: إنهُ "حسن" باعتبار وجود الصفة الدنيا وهي: الصِّدق، و"صحيح" باعتبار الصفة العلْيا وهي: الحِفظ والإتقان. ويَلزم على هذا، أن يكون كلُّ صحيح حسناً. |
![]() |
وقد سبقه إلى هذا التوفيق: أبو عبد الله ابن المُواق (ت: ٦٤٢ هـ) في كِتابه "بُغْية النُّقاد"، كما بيّنه العراقي. |
![]() |
وقد ذهب الحافظ ابن كثير إلى: أنّ الجمْع بين الحُسْن والصِّحّة رُتبة متوسِّطة؛ فالصحيح أعلاها، ويليه المشوب من كلّ منهما، وهو: الصّحّة والحُسن، ويليه الحسن. وتَعقَبه الزركَشي بقوله: "يلزم على هذا: أن لا يكون في كتاب التِّرمِذي صحيحٌ إلاّ قَليل، لقِلّة اقتصاره على قوله: "هذا صحيح"، مع أنّ الذي يُعبر عنه بالصِّحة والحُسْن أكثرُه موجود في "الصحيحيْن". ثم هو يقتضي إثبات قسم آخر -يعني: بين الحُسْن والصِّحة-، وهو خَرْق لإجماعهم". |
| "حسَنٌ صحيح" |
![]() |
وتابع البُلقيني والعراقي وابن حجر الزركشي في نقض كلام ابن كثير. |
![]() |
وقال ابن دَقِيق العيد: "ويحتمل أنْ يكون التِّرمِذي أدّى اجتهاده إلى حُسْنه، وأدّى اجتهادُ غيره إلى صِحَّته، أو بالعَكس". وتَعقَّبه ابن حجر بقوله: "بأنه لو أراد ذلك، لأتى بالواو التي للجمع؛ فيقول: "حسَنٌ وصَحيح". ثم إنّ الذي يَتَبادر إلى الفَهم: أنّ التِّرمِذي إنما يَحكُم على الحديث بالنسبة إلى ما عِنده، لا بالنسبة إلى غَيره؛ فهذا يَقْدح في الجواب. ويَتَوقّف أيضاً على اعتبار الأحاديث التي جمَع التِّرمِذي فيها بيْن الوصْفيْن: فإن كان في بَعْضها ما لا اختلاف فيه عند جميعهم في صِحته، قَدَح في الجَواب أيضاً. لكن لو سُلِّم هذا الجواب، لكان أقرب إلى المُراد من غيرِه؛ وإني لأميلُ إليه وأرتَضيه، والجوابُ عمّا يرد عليه ممكِن". |
![]() |
وقال ابن حجر: "إذا جمع الصحيح والحسَن في وَصفٍ واحِد، فلِلتَّردُّد الحاصل من المُجْتهد في الناقل: هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو قَصُر عنها؟ وهذا حيث يَحصل منه التفرُد بتلك الرواية؛ وعلى هذا، فما قِيل فيه: "حسن صحيح"، فَوق ما قيل فيه: "صحيح" فقط، إذا كان فرداً، لأنّ كَثرة الطُّرق تقوِّي". |
![]() |
وقال ابن حجر: "يَجوز أنّ ذلك باعتبار وصْفَيْن مخْتلفَيْن، وهما: الإسنَاد والحُكم؛ فيجوز أن يكون قوله: "حسَن"، أي: باعتبار إسناده، "صحيح"، أي: باعتبار حُكْمه؛ لأنه مِن قَبيل المَقْبول؛ فكلُّ مقْبول يَجوز |
| "حسَنٌ صحيح" |
![]() |
وقال ابن حجر: "يَجوز أنّ ذلك باعتبار وصْفَيْن مخْتلفَيْن، وهما: الإسنَاد والحُكم؛ فيجوز أن يكون قوله: "حسَن"، أي: باعتبار إسناده، "صحيح"، أي: باعتبار حُكْمه؛ لأنه مِن قَبيل المَقْبول؛ فكلُّ مقْبول يَجوز أن يُطْلق عليه اسم الصّحّة. وهذا يَمشي على قول مَن لا يُفْرد الحسَن مع الصحيح، بل يسمِّي الكل صحيحاً. وفي الجُملة: أقوى الأجوبة ما أجَاب به ابن دَقِيق العيد". |
![]() |
وقال السيوطي: "ويكون التأكيد بذلك "حسَن صحيح" من باب التّرقّي من الأدنى إلى الأعلى، ولم يَرد في كلام التِّرمِذي ولا غيرِه أن يُقال: "صحيح حسن" بتأخير الأدنى؛ وهذا يُفيد أن المَقُول فيه: "حسن صحيح" أعلى رُتْبة من المَقُول فيه: "صحيح" فَقط. |
| "صحيح غَريب"، و"حسَن غَريب |
![]() |
قال الزَّركشي: "من شُروط "الصحيح": أن يكون معروفاً من غير وجْه، و"الغَريب": ما انفرد به أحدُ رواته، وبينهما تنَافٍ". |
![]() |
قال: "وجوابُه: أن الغريب يُطلق على أقسام: غريب مِن جهة المتن، وغريب من جهة الإسناد. والمراد: الثاني دون الأول؛ لأن هذا الغريب معْروف عن جماعة من الصحابة، لكن تَفرَّد بعضهم لروايته عن صحابيّ؛ فبحَسب المتن: حسَن، فإنه عُرِف مَخْرجه واشتَهر، فوجد شرطَ الحسن. وبحَسب الإسناد: غريب، لأنه لم يروه من تلك الجماعة إلا واحد. ولا منافاة بين الغريب بهذا المعنى وبين الحسَن، بخِلاف سائر الغرائِب فإنها تُنافي الحُسن. |
![]() |
قال الإمام أبو العباس أحمد بن عبد المحسن العراقي في كتابه: "مُعْتمد التّنبيه": "قول أبي عيسى: "هذا حديث صحيح غريب"، و"هذا حديث حسن غريب"، إنما يريد به ضِيق المَخْرج: أنه لم يُخرج إلا من جِهة واحدة، ولم يتعدّد خُروجه من طُرق، إلاّ أنّ الراوي ثقة فلا يضر ذلك، فيستغربه هو لقلة المتابعة. وهؤلاء الأئمة شروطهم عجيبة، وقدْ يُخرج الشيخان أحاديث تَقع إلى أبي عيسى فيقول: "هذا حديث حسن غريب"..." وذكر مثالاً حديثاً متفقاً عليه. |
![]() |
طُبع "جامع التِّرمِذي" عِدة طبعات في الهند ومصر. |
![]() |
وتَجدُر الإشارة إلى: أن أحكام التِّرمِذي في الطبعات الموجودة تَخْتلف أحياناً عما في "تُحفة الأشراف" للمِّزي، كما تَخْتلف عما نقله الطوسي في "مُسْتخرَجه" على التِّرمِذي. |
![]() |
ومن شُروح التِّرمِذي: |
![]() |
"عارضة الأحوذي على التِّرمِذي" للحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الإشبيلي، المعروف بابن العربي المالكي (ت: ٥٤٣ هـ). | |
![]() |
شَرح الحافظ عبد الرحمن بن أحمد بن رَجب الحنبلي (ت: ٧٩٥ هـ). وقد طُبع شَرح ابن رَجب الخاصّ بقِسم العِلل من جامع التِّرمِذي. |