وغيرهم كَثير ممّن كان على أيديهم تأسيس كثير من علوم الحديث عموماً، وعلْم الجَرْح والتَّعْديل خصوصاً.

٣.١٢ التّدوين في القرْن الثالث الهجري: تَطوّره، وأبرز مميّزاته


تطوّر التدوين في القرن الثالث
يُعتبر هذا القرن عصْر ازدهار العلوم الإسلامية عامّة، وعلوم السُّنة النبوية خاصّة؛ بل يُعدُّ هذا القرن مِن أزهى عصور السُّنة النبوية، إذ نَشطَت فيه الرحلة لطلب العِلم ونشِط فيه التأليف في علْم الرجل، وتُوسّع في تدوين الحديث؛ فظهرت كتب "المسانيد"، و"الكتب السِّتّة" -"الصِّحاح" و"السُّنن"- التي اعتمدتها الأمّة واعتبرتها دواوين الإسلام.

وقد برز في هذا العصْر كثير مِن الحُفّاظ والنُّقاد والعلماء الجَهابِذة مِن أمثال:
أحمد بن حنبل. وإسحاق بن راهويه. وعلي بن المَديني.
ويحيى بن مَعين. ومحمد بن مسلم بن وارة. وأبو عبد الله البخاري.
ومُسْلم بن الحجاج. وأبو زُرعة. وأبو حَاتم الرازيان.
وعثمان بن سعيد. وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميان.

وحيثُ بلغَ نشاطُ المُعْتزلة والجَهْمية ذُروتَه بتبنِّي الدولة العباسية في عصرِ كلٍّ من المأمون، والمعتصم، والواثق، لآرائهم وعقائِدهم، لذلك حَظيت هذه الفِرق بالنصيب الأكْبر من هذه الرُّدود؛ من ذلك: "الرَّد على الجَهمية" لأحمد بن حنبل، والدارمي أيضاً، و"الرَّد على بِشْر المريسي المعتزلي" للدارمي -أيضاً-، و "خَلْقُ أفعَال العِباد" للبخاري، وغيرها كَثير...

٣.١٢ التّدوين في القرْن الثالث الهجري: تَطوّره، وأبرز مميّزاته


تطوّر التدوين في القرن الثالث
كما ظهر على أيدي هؤلاء الجهابذة الأعلام نوعٌ جديد مِن التأليف، وهو ما عُرف بكتب العقيدة، وكان التأليف في ذلك على نوعيْن:
النوع الأول: ما جَمع فيه مؤلِّفوه النصوص الواردة في العقيدة مِن الكتاب والسُّنة، مع بيان منْهَج السَّلف من الصحابة والتابعين في فَهم النصوص، ومَوقفهم من أصحاب الأهواء، وكان أغلب هذا النوع بعنوان: "السُّنة" مثل: "السُّنة" لأحمد بن حنبل، و "السُّنة" لابنه عبد الله،
و "السُّنة" لأبي نصر المروزي، وغيرها...
والنوع الثاني: ما سَلك فيه مُؤلِّفوه مَسْلك الردِّ على المُبتدِعة أصحاب الأهواء، وذلك لهَتْك أستارهم، وفضْحِ أسرارهم، وتحْذير
المسلمين منهم، وبيان خَطرهم على الأمّة.

تطوّر التدوين في القرن الثالث
وكما كان لأتباع التابعين في القرْن الثاني جُهود رائِدة وعَظيمة في خِدمة السُّنة تدويناً، وذبّ الكَذب عنها، وحمايتها من كلّ ما يشوبها جَرحاً وتعديلاً، كذلك كان لهذا الجيل -في القرن الثالث- جُهود جبَّارة وكَبيرة في سبيل خِدمة السُّنة، وقمْع ما يُخالفها من الأهواء والبِدع.


٣.١٢ التّدوين في القرْن الثالث الهجري: تَطوّره، وأبرز مميّزاته


ولقد تُوِّجت تلك الجُهود في خِدمة السُّنة بتلك المؤلَّفات المختلفة مِن كُتب المتون -مسانيد وصحاح وسُنن-، وكتب الرجال المتنوّعة في موضوعاتها ومجالاتها، إلى كُتب العَقيدة التي كثُرت في هذا القرْن.

كما تُوِّجت تلك الجُهود أيضاً في مجال قمْع الأهواءِ والبِدع، ومحاربة أصحابها وكشْف أسرارهم، وتحذير الأمّة من شرِّهم، بتلك الوَقْفة الشامخة مِن إمام أهل السُّنة الصِّدِّيق الثاني: أبي عبد الله أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى-، في وجوه أهل التَّجهم والاعتزال الذين جمعوا عليه وألّبوا، فخَرج -رحمه الله- منتصراً مؤيداً من الله -عز وجل-. وقُمعت -بإذن الله- البِدعة، ونكَص أصحابها على أعقابِهم مدحورين؛ وما مَثلهم ومَثل ما أرادوه من النَّيْل من السُّنة وأهلِها إلا كما قال الشاعر:
كناطحِ صخرةً يوماً ليوهِنها فلم يضرْها وأوهى قرنَه الوعلُ


٣.١٢ التّدوين في القرْن الثالث الهجري: تَطوّره، وأبرز مميّزاته


ميزات التدوين في القرن الثالث
وقد تبيّن التدوين في هذا القرن بما يلي:
تَجريد أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتمييزها عن غيْرها، بعد أن كانت قد دُوِّنت في القرن الثاني ممزوجةً بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين.
الاعتناء ببيان درجة الحديث من حيثُ الصِّحة والضعْف.
تنوّع المصنَّفات في تدوين السُّنة، حيث ظَهرت الأنواع التالية:
كُتب "المسانيد" التي تُعْنى بجمْع أحاديث كلّ صحابيّ على حِدة، كـ"مسند" الإمام أحمد، وغيرِه...
كُتب "الصِّحاح" و"السُّنن" التي تُعْنى بتصنيف أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على الكُتب والأبواب، مع العناية ببيان الصحيح من غيره، كالكُتب السِّتة وغيرها...


٣.١٢ التّدوين في القرْن الثالث الهجري: تَطوّره، وأبرز مميّزاته


كتب مُخْتلف الحديث ومُشْكِلها، مثل كتاب: "اختلاف الحديث" للإمام الشافعي، وكتاب: "اختلاف الحديث" لعلي بن المَديني، وكذلك كتاب: "تأويل مَخْتلف الحديث" لابن قُتيبة، وغيرها...
وهناك الكثير مِن المُصنَّفات في هذا القرْن، نكتفي بذكر القليل منها إشارة إلى الكَثير.