٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


أنواع كُتب "المسانيد"
كُتب "المسانيد" على خمسة أنواع:
كُتب "المسانيد" التي أُلِّفت على الأصل.
كُتب سُمِّيت بـ"المسانيد" وهي ليست كذلك، لأنها مرتَّبة على الأبواب الفقهية، كـ"صحيحَيِ" البخاري -"الجامع الصحيح المسنَد"- ومسلم الذي قال: "صنّفتُ هذا "المسنَد الصحيح"، و"سنن" الدارمي، و"مستخرج" أبي عوانة على مسلم.
كُتب سُمِّيت بـ"المسانيد"، لكنها لم تكن على ترتيب المسنَد فحسب، بل جَمعت إلى ذلك الترتيب على الأبواب الفقهية، كـ"مسند" بقيّ بن مخلد.
كُتب هي في الأصل والتّرتيب: "مسانيد"، ولكن لم يُسمِّها أصحابُها بذلك؛ كـ"المعجم الكبير" للطبراني، و"العلل" للدارقطني.
كُتب سُمِّيت بـ"المسنَد" وهي ليست كذلك، وليست على ترتيب مُعيَّن، كـ"مسنَد" علي بن الجعد، فإنه غير مرتّب.

التعريف بـ"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


أ-طريقة ترتيبه
رتّبه -رحمه الله- على قدْر سابقة الصحابيّ في الإسلام ومحلِّه مِن الدِّين؛ فبدأ بالعشرة، مقدِّماً الخلفاء على غيرهم، ثم أهل بدْر، ثم أهل الحديبية، وهكذا...هذا هو المشهور.

ب- مكانته
قول حنبل قول أبو موسى

قال حنبل -هو ابن إسحاق، ابن عمّ الإمام أحمد-: جمعَنا أحمد بن حنبل -أنا، وصالح، وعبد الله- وقرأ علينا "المُسنَد"، وما سمعه غيرُنا، وقال: "هذا الكتاب جمعتُه وانتقيْتُه من أكثر مِن سبعمائة ألْف حديث وخمسين ألْف، وما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فارجعوا إليه، فإنْ وجدتموه وإلاّ فليس بحُجّة".


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


وقال أبو موسى محمد بن أبي بكر المديني: "وهذا الكتاب أصل كبير، ومرجع وثيق لأصحاب الحديث، انتُقي من حديثٍ كثيرٍ ومسموعاتٍ وافرة؛ فجعله إماماً ومعتمَداً، وعند التنازع ملجأً ومستنداً".

التعريف بـ"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل
ج- السبب في عدم ترتيب "المُسنَد"
أن الإمام أحمد قطع الرواية قبل تهذيب "المسند"، ولم يُقرأ عليه بعد الانقطاع.
لعلّه يكون قد نسِيَ بعض الأحاديث، أو لمْ تكن على شرطه، ثم تحقَّق فيها الشرط بعْد ذلك.
أنّ أحمد لمّا جمَع "المسند" لم يُرتِّب مسانيد المُقِلِّين، فرتّبها ولده عبد الله، فوقع فيه إغفال كثير مِن جعْل المدنيّ في الشام ونحو ذلك؛ ذكره ابن حجر.
أنّ الخلل قد وقع مِن رواة "المسند" عن عبد الله، وهُم: أحمد بن جعفر القطيعي، وتلميذه الراوي عنه: ابن المُذْهِب التميمي؛ ولذا قال الذهبي: "الظاهر من ابن المذهب أنه شيخ ليس بالمُتقِن، وكذلك شيخه ابن مالك القطيعي".

قلت: ولعلّ قول القطيعي أقرب، لأنه روى "المسند"، ولعله عدّه أثناء روايته له.

٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


التعريف بـ"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل
د- عدد أحاديث "المسنَد"

قال الحافظ أبو موسى المديني:
"فأما عدد أحاديثه، فلم أزلْ أسمع من أفواه الناس أنها: أربعون ألفاً، إلى أن قرأتُ على أبي منصور بن زريق القزاز -بزايين- ببغداد
قال: حدثنا أبو بكر الخطيب، قال: حدثنا ابن المنادي، قال: لم يكن أحد في الدنيا أروى عن أبيه منه -يعني: عبد الله بن أحمد
بن حنبل-، لأنه سمع "المسند"، وهو ثلاثون ألْفاً، والتفسير وهو مائة وعشرون ألْفاً... إلخ. فلا أدري هل الذي ذكَره ابن المنادي أراد
به ما لا مُكرَّر فيه وأراد غيرُه مع المكرَّر، فيصبح القولان جميعاً، أو الاعتماد على قول ابن المنادي دون غيره. ولو وجدنا فراغاً
لعددناه إن شاء الله تعالى".



٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


التعريف بـ"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل
هـ- عدد الصحابة المُخرّجة مسانيدهم في "المسنَد":

قال أبو موسى:
"فأمّا عدد الصحابة، فنحو سبعمائة رجُل، ومِن النساء مائة ونيّف...".

وقال ابن الجزري:
"قد عددتُهم فبلغوا ستمائة ونيّفاً وتسعين، سوى النساء. وعددت النساء فبلغْن ستاً وتسعين. واشتمل "المسند" على نحو ثمانمائة من الصحابة، سوى ما فيه ممّن لم يُسمّ مِن الأبناء والمُبهَمات وغيرهم. فأما الأبناء فيه فثمانية، منهم اثنان عرف اسمهما".


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


التعريف بـ"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل
و- شرْط الإمام أحمد

قال الحافظ أبو موسى المديني:
"لم يُخرج أحمد في "مسنده" إلاّ عمّن ثبت عنده صِدقُه وديانته، دون مَن طُعن في أمانته".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية:
"... شرْط "المسند" أقوى مِن شرْط أبي داود في "سُننه"، وقد روى أبو داود عن رجال أعرض عنهم أحمد في "المسند"؛ ولهذا كان الإمام أحمد لا يروي في "المسند" عمّن يعرف أنه يكذب، مثل: محمد بن سعيد المصلوب، ونحوه. ولكن قد يروي عمّن يُضعّف لسوء حفظه؛ فإنه يكتب حديثه ليعتضد به، ويعتبر به".


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


التعريف بـ"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل
ز- درجة أحاديث "المسند":
قال الحافظ أبو القاسم التميمي -رحمه الله-: "لا يجوز أنْ يقال: فيه السقيم؛ بل فيه الصحيح والمشهور، والحسَن، والغريب".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد تنازع الناس: هل في "مُسنَد" الإمام أحمد حديث موضوع؟ فقال طائفة من الحفّاظ كأبي علي الهمداني وغيره: ليس فيه موضوع. وقال بعض العلماء كأبي الفرج ابن الجوزي: فيه موضوع".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولا خلاف بيْن القوليْن عند التحقيق؛ فإن لفظ: "الموضوع" قد يُراد به: المُختَلَق المصنوع الذي يتعمّد صاحبُه الكذب؛ وهذا ممّا لا يُعلم أنّ في "المسند" منه شيئاً. ويراد بـ"الموضوع": ما يُعلم انتفاء خبَره، وإن كان صاحبه لمْ يتعمّد الكذِب، بل أخطأ فيه، وهذا الضرب في "المسند" منه؛ بل وفي "سُنن" أبي داود والنسائي...".
وقال الحافظ في "مقدمة تعجيل المنفعة": "ليس في مسند أحمد حديثاً [هكذا] لا أصل له، إلا ثلاثة أحاديث أو أربعة، منها: حديث عبد الرحمن بن عوف: أنه يدخل الجنة زحفاً، والاعتذار عنه: أنّه ممّا أمَر الإمام أحمد بالضرب عليه، فتُرك سهواً".


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


التعريف بـ"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل
ش- أقسام أحاديث "المسند" المطبوع
قال الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي: "بتتبُّعي لأحاديث "المسند"، وجدتُها تنقسم إلى ستّة أقسام:
القسم الأول القسم الثاني القسم الثالث القسم الرابع
القسم الخامس القسم السادس القسم الآخر

ما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه، سماعاً منه، وهو المُسمَّى: "مسنَد" الإمام أحمد، وهو كبير جداً يزيد عن ثلاثة أرباع الكتاب.

ما رواه عبد الله عن أبيه وغيره، وهو قليل جداً".
قلت: هذا في الحقيقة غير مسلّم له؛ فإنها تزيد على (٩٠٠) حديث، وهي ليست بالقليل.


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


ما رواه عبد الله عن غير أبيه، وهو المُسمَّى عند المحدِّثين بـ"زوائد" عبد الله، وهو كثير بالنسبة للأقسام كلِّها عدا الأوّل.
قلت: وشيوخ عبد الله في هذه "الزوائد" بلغوا خمسة وتسعين شيخاً، منهم: تسعون مِن الثِّقات، والبقيّة ضعفاء. وقد شارك أباه في أحد عشر شيخاً مِن هؤلاء الشيوخ. وعدد هذه الزوائد: (٢٣٣) حديثاً وأثراً، منها: تسعون ما بيْن صحيح وحسَن، وغيرها في مرتبة الضعيف فما دون. وقد أفرد هذه الزوائد بتأليف خاصّ: الشيخ عامر حسن صبري.

ما قرأه عبد الله على أبيه، ولم يسمعه منه؛ وهو قليل".
قلت: وعدده: نحو سبعة أحاديث.

ما وجده عبد الله في كتاب أبيه بخطّ يده، ولم يقرأه ولم يسمعه، وهو قليل أيضاً".
قلت: وهو المسمى بـ"الوجادة"، وعدده: نحو مائتَيْ حديث.


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


ما رواه الحافظ أبو بكر القطيعي عن غير عبد الله وأبيه -رحمهما الله تعالى-، وهو أقلّ الجميع".
قلت: هذا القسم غير صحيح، وقد جزم بعدَم وجوده العلاّمة الألباني في: "صحيح الترغيب والترهيب"، وذكَر هناك أنّ له كتاباً اسمه: "الذبُّ الأحمد عن مسند الإمام أحمد" ردّ فيه على مَن طعن في صحة نسبته إليه، وزعم أنّ القطيعي زاد فيه أحاديث كثيرة موضوعة، حتى صار ضِعْفَيْه. وقد وهم في هذا كثير مِن الحفّاظ، ولعلهم اطّلعوا على شيء من ذلك، ولم نقِف عليه في الطبعة الموجودة لدينا.

ومما يستأنس به في ذلك: أن عامر حسن صبري وجد حديثاً من هذا القسم في المجلّد الخامس من "المسند"، إلا أني عند رجوعي إلى هذه الرواية وجدتها متابعة وليست أصلاً، فيبقى كلام الألباني هو المعتمَد.

قلت: وهناك قسم سابع لم يذكره الشيخ أحمد الساعاتي وهو: ما رواه الإمام أحمد في غير "مسنده"، ثم نقَلَه عبد الله إلى "المسند"، وهو قليل جداً في موضعيْن أو ثلاثة.


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


التعريف بـ"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل
ع- عناية العلماء بـ"المسند"
الأول الثاني الثالث الرابع
الخامس السادس السابع

رتّبَه على معجم الصحابة والرواة عنهمكترتيب كتب الأطراف: الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الله بن المحب الصامت، ولا يُعلم عنه شيء.

أخذ الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن كثير -رحمه الله تعالى- كتاب "المسند" بترتيب ابن المحب الصامت، وضمّ إليه الكُتب السِّتّة و"مسند" البزار، و"مسند" أبي يعلى الموصلي، و"معجم الطبراني الكبير"، ورتّبها جميعاً على نفس ترتيب ابن المحب للمسنَد، وسماه: "جامع المسانيد والسُّنن". وقد طُبع في سبعة وثلاثين مجلداً.


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


قال ابن الجزري: "وأجهد نفسه كثيراً، وتعب فيه تعباً عظيماً، فجاء لا نظير له في العالَم، وأكمله، إلاّ بعض مسند أبي هريرة، فإنه مات قبل أن يُكمله، لأنه عوجل بكفّ بصَره. وقال لي -رحمه الله-: لا زلت أكتب فيه في الليل والسراج يُنوْنص حتى ذهب بصري معه؛ ولعلّ الله أن يقيّض له مَن يُكمله مع أنه سهل؛ فإنّ "معجم الطبراني الكبير" لم يكن فيه شيء من مسند أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه-".

رتّبه الحافظ ابن حجر أيضاً على الأطراف، وسماه: "إطراف المُسنِِد -بكسر النون وضم الميم- المعتلي بأطراف المسنَد الحنبلي"، وقد طُبع طبعتيْن:
في مجلدة واحدة، وقد حُذفت من العنوان كلمة: "إطراف"، فاختلّ معناه.
بتحقيق زهير بن ناصر الناصر، في عشرة مجلدات، ثم ضمّه أيضاً مع الكتب العشرة في كتابه: "إتحاف السّادة المَهَرة الخيرة بأطراف الكتب العشرة".

ترجم لِرجاله الحافظ شمس الدين الحسيني، في كتابه: "الإكمال بمنْ في مسند أحمد من الرجال ممن ليس في تهذيب الكمال -للمزي-"، وقد طُبع في مجلّد في كراتشي، بتحقيق عبد المعطي أمين قلعجي، ثم ترجم لرجاله أيضاً ضِمْن كتابه: "التّذكرة برجال العشرة"، وهي: "الكتب الستّة"، و"موطأ" مالك، و"مسند" أحمد، و"مسند" الشافعي، و"مسند" أبي حنيفة. وقد اختصره الحافظ في: "تعجيل المنفعة" مقتصراً على رجال الأربعة.


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


رتّبه الشيخ أحمد بن عبد الرحمن الساعاتي على الكتب والأبواب، ليسهل بذلك على طلبة العلْم الاستفادة من "المسند"، وسماه: "الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني"، ثم عاد وشرحه، وخرّج أحاديثه في كتاب سماه: "بلوغ الأماني مِن أسرار الفتح الرباني"، وكلاهما مطبوع.

اعتنى بهذا "المسند" أيضاً: الشيخ أحمد بن محمد شاكر -رحمه الله تعالى-، فشرح غريبَه، وحكم على أحاديثه صحة وضعفاً بما أوصله إليه اجتهاده، ثم صنع له فهارس قسّمها -رحمه الله تعالى- إلى قسميْن: فهارس لفظية كفهارس الأعلام ونحوها، وفهارس علميّة كتلك التي صنعها في: "الرسالة" للشافعي. وقد توفي -رحمه الله تعالى- قبل أنْ يُكمله، إذ بلغ الربع تقريباً.
قلت: بل تجاوز الثلث، فعدد أحاديثه: (١٠٦٣٧) حديثاً.


تمّ إخراجه في طبعة مُنقّحة مُخرّجة من إصدار مؤسسة الرسالة في بيروت، في (٥٠) مجلّدة، كما أنّ جامعة أمّ القرى قد قامت بتحقيق بعض "المسانيد" في رسائل ماجستير ودكتوراه.


٢.١٢ أنواع "المسانيد"، و"مُسنَد" الإمام أحمد بن حنبل


هذه أهمّ الجهود التي وقفتُ عليها.
وهناك جهود أخرى اعتنت بـ"المُسنَد" من حيث مكانته وأهمِّيّته وبيان درجة أحاديث من أهمِّها:

"خصائص المسند" لأبي موسى المديني، -ط-.
"المصعد الأحمد". لشمس الدين ابن الجزري، -ط-.
"المسند الأحمد". لشمس الدين ابن الجزري، -ط-.
"القول المسدّد في الذَّبِّ عن مسند أحمد" للحافظ ابن حجر -رحمه الله-.
"عقود الزبرجد على مسند الإمام أحمد" للسيوطي، وهو في إعراب أحاديث "المسند"، وقد استغرق معظم الأحاديث، وأضاف إليها زيادات، وقد طُبع في مجلّديْن.
"ترتيب أسماء الصحابة الذين أخرج حديثهم أحمد في المسند" لابن عساكر، -ط-.
"الكواكب الدراري في ترتيب مسند أحمد على أبواب البخاري" لابن عروة الحنبلي، المشهور بابن زَكْنُون، وهو مخطوط، وقد شرحه في مائة وعشرين مجلّداً.