٤.١٢ "صحيح" الإمام البخاري


تعريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
أ- مكانته
يُعْتبر كتاب: "الجامع الصحيح المُسنَد المختصر من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-" للإمام محمد بن إسماعيل البخاري: أصحَّ كِتاب بعد كتاب الله -عز وجل- عند جُمهور المحدِّثين.
قال أبو إسحاق الإسفراييني: "وأهلُ الصَّنعة مُجْمعون على: أنّ الأخبار التي اشتمل عليها "الصحيحان" مَقْطوع بصحّة أصولِها ومُتونها، ولا يَحْصل الخِلاف فيها بحال، وإنْ حصَل فذاك اختلاف في طُرقها ورُواتها".
واستثنى ابن حجر ما وَقع التجاذب بين مَدلوليْه حيث لا تَرجيح لأحدهما على الآخر ولا يمكن الجمْع، وما عدا ذلك فالإجْماع حاصل على تَسليم صحَّته.

٤.١٢ "صحيح" الإمام البخاري


ووقوع الإجْماع على أصحّيّة ما في "الصحيحيْن" ليس معناه أصحِّيّة كلِّ حديث فيها بالنسبة لما في سِواهما، بل أصحية الجُملة إلى الجُملة وتقدُّمها عليها، كما في تَقْديم "صحيح" البخاري على "صحيح" مسلم؛ فليس المقْصُود منه: أنّ كل حديث في "صحيح" البخاري أصحَّ من كلّ حديث في "صحيح" مسلم؛ بل المقْصُود: أنَّ جُملة ما في "البخاري" أصحّ؛ وعلى هذا، فلا يُستدلّ بكون حديث معيَّن في "الصحيحيْن" أصحّ من سائِر "الصِحاح" إلاّ بعد تَبيُّن وجوه الأصحّيّة في ذلك الحديث بعيْنِه.

تعريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
أ- مكانته
وقد انتقى البخاري "صحيحه" مِن ستمائة ألْف حديث، ولا شك أنّ مُعْظم هذه الأحاديث كانت مُدوَّنة في كُتب "المسانيد" و"المصنَّفات" الحديثيّة الأخرى التي دوَّنها عُلماء القرن الثاني الهجري، وسمِعها البخاري عن شيوخِهم بأسانيدهم إلى مصنِّفيها؛ لذلك يُعبَّر عن كَيفية التَّحمّل بألفاظ السماع.
ومَكث البخاري في تَصنِيفه ستّ عشرة سنة، واقْتصر فيه على الحديث الصحيح. وهو أوّل مَنْ أفردَ الصحيح، لكنه لمْ يَستَوعِب الصحيح؛ فَقد صرَّح بأنّ ما ترَكه من الحديث الصحيح أكثرُ ممّا أثبت، لئلاّ يَطول الكتاب. ولا يدخل ما فيه مِن التعاليق والمتابعات والشواهد ضِمْن الصحيح.

فلو أنّ الرواة عن الإمام ابن شِهاب الزُّهري يُقسَّمون من حيث الحِفظ والإتقان وطول صحبتهم له إلى خمس طبقات، فإنّ البخاري يُخرج لمن هم في الطبقة الأولى من الرواة عن الزهري، فهم شرطه. وقد يخرج من حديث أهل الطبقة الثانية ما يعتمده من غير استيعاب. ومعظم حديث الطبقة الثانية يخْرجه تعليقاً، وربما أخرج اليسير من حديث الطبقة الثالثة تعليقاً؛ وهذا ينطبق على المُكْثرين مِن الرواة، أمّا غيرهم فقد اعتمد في تَخْريج أحاديهم على الثِّقة والعَدالة وقِلّة الخطإ.

وبذلك يتبيّن أنّ شرط البخاري أعلى مِن شرط مسلم. وكذلك فإنّه يَترجّح على "صحيح مسلم" من حيث علوّ توثيق رواته، واتصال أسانيده، وسلامته مِن العِلل.

٤.١٢ "صحيح" الإمام البخاري


تعريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
ب- شرط الإمام البخاري
وقد استقرأه العلماء ليتبيّنوا شرط البخاري في تخريج أحاديثه، فوجدوه يشترط إلى جانب عدالة رجال سلسلة إسناده إلى الصحابيّ واتصال إسناده:

أن يكون الرّاوي اللاحق في الطبقة الأولى من الرواة عن شيخه؛

تعريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
ب- شرط الإمام البخاري
وقد اشترط البخاري أيضاً في العنعنة:

المعاصرة واللّقْيا، مقتفياً أثر شيخه علي بن المَديني، في حين اكْتفى مسلم بشرط المُعاصرة.


٤.١٢ "صحيح" الإمام البخاري


تعريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
ج- الرجال الذين أخرج لهم البخاري:
وقد انفرد البخاري بالإخراج لـ(٤٣٥) رجل دون مسلم، المتكلَّم فيهم بالضعف: ثمانون رجلاً، بينما انفرد مسلم بالإخرج لِـ(٦٢٠) رجل دون البخاري، المتكلَّم فيهم بالضعف: مائة وستون رجلاً.

كما أنّ الذين انفرد بهم البخاري ممّن تُكلِّم فيهم لم يُكْثر عنهم الرواية، ثم هُم من طبقة شيوخه الذين يُميّز مَروياتهم جيِّداً، وليس لواحد منهم نسخة كبيرة أخرجها كلّها أو أكثر، إلاّ عِكرمة عن ابن عباس. بخِلاف مسلم فإنه أخرج أكثر تلك النسخ، كأبي الزبير عن جابر، وسُهيل عن أبيه، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وهُم مِن التابعين ومَن بعدهم وليسوا من شيوخه.

ثم إن البخاري خرَّج أحاديث الطبقة الثانية في التعليق وليس التعليق على شرطه. أمّا مسلم فخرّج أحاديث الطبقة الثانية في الأصول.


٤.١٢ "صحيح" الإمام البخاري


تعريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
د- عدد أحاديثه وترتيبه
وقد بلغ عدد الأحاديث المُنتقدة في "الصحيحيْن" معاً (٢١٠) حديث، منها أقلّ مِن (٨٠) حديثاً في "صحيح" البخاري، وبقيّتها أكثر من (١٣٠) حديث في "صحيح" مسلم.
وقد رتّب البخاري أحاديث "صحيحه" على الموضوعات والأبواب، واعتنى بالفوائد الفقهيّة، والنكات الحُكميّة، فاستخرج بفهْمه مِن المتون معاني كثيرة فرَّقها في أبواب الكتاب بحسَب تناسبها، ممّا يُيسِّر للفقهاء وطلاّبهم الرجوع إليها والاستنباط منها؛ وهي تُوضح سعة علْم البخاري بفقه الحديث.
وجميع ما في "صحيح" البخاري من الأحاديث الموصلة بلا تكرير: (٢٦٠٢) حديثاً. ومِن المتون المعلّقة المرفوعة التي لم يَصلْها في موضع آخر مِن الجامع: (١٥٩) حديثاً. وجميع أحاديثه بالمكرَّر سوى المُعلّقات والمتابعات: (٧٣٩٧) حديثاً. وجملة ما في الكتاب مِن التعاليق: (١٣٤١) حديثاً. وجملة ما فيه مِن المتابعات: (٣٤٤). فجميع ما في الكتاب على هذا بالمُكرّر: (٩٠٨٢) حديثاً. وهذا الرقم لا يشتمل على ما في الكتاب من الموقوفات على الصحابة والمقطوعات عن التابعين فمَن بعدَهم.


٤.١٢ "صحيح" الإمام البخاري


تعريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
د- عدد أحاديثه وترتيبه:
وقد بيّن الحافظ ابن حجر أنّ الإمام البخاري تركَ كتابه مُسوَّدة حين وفاته دون تبييض؛ لذلك تصرَّف الناقلون لكِتابه في تقديم بعض التراجم على بعض أحياناً: فلم يَقع في ترتيب أصحاب المناقب مثلاً، مراعاة الأفضليّة ولا السابقيّة ولا الأسنية، وهذه جهات التقديم في الترتيب؛ فلما لمْ يُراع واحداً منها، دلّ على أنه كتب كلّ ترجمة على حِدة، فضمّ بعض النَقلة بعضها إلى بعض حَسبما اتفق.

عريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
هـ- تلاميذ البخاري
وقد تحمّل تلاميذ البخاري من "صحيحه" عنه، وأبرزهم:
الفِرَبْري (ت: ٣٢٠ هـ).
وإبراهيم بن معقل النسفي (ت: ٢٩٥ هـ).


٤.١٢ "صحيح" الإمام البخاري


وحماد بن شاكر (ت: ٣١١ هـ).
وأبو طلحة منصور البزدوي (ت: ٣٢٩ هـ).
والحسين بن إسماعيل المحاملي (ت: ٣٣٠ هـ).

وقد اشتهرت رواية الفِرَبْري خاصّة، حيث تحمّلها اثنا عشر عالِماً، ممّا أكسبها انتشاراً في الآفاق.

تعريف موجز بـ"صحيح" الإمام البخاري
و- عناية العلماء بـ"صحيح" البخاري
وقد حظي "صحيح" البخاري بعناية فائقة من العلماء في سائر العصور، فاهتمّوا بشرحه؛ ومِن أجلِّ شُروحه: - "فتح الباري بشرح صحيح البخاري" للحافظ ابن حجر العَسْقلاني (ت: ٨٥٢ هـ).
كما قام الحافظ زين الدِّين أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الزبيدي، بحذْف المكرّر، وأخبار الصحابة، وكلّ ما لا علاقة له بالحديث من "صحيح" البخاري، وسمَّاه: "التجريد الصّريح".

٤.١٢ "صحيح" الإمام البخاري


"عُمدة القاري" لبدر الدِّين العَيني الحنفي (ت: ٨٥٥ هـ).
"إرشاد السّاري إلى صحيح البخاري" للقسطلاني (ت: ٩٢٢ هـ).

وكلها مَطبوعة.