١.٥ تاريخ ظهور القول بردّ خبر الآحاد


موقف السلف من السنة في القرون الثلاثة الأولى
لم يكن خلاف بيْن أحَد مِن السّلف في القرون الثلاثة المفضَّلة في: وجوب العمل بالسُّنة دون تفريق بيْن ما سُمِّي فيما بعْد بـ"خبر الآحاد" وما سُمِّي بـ"المتواتر"، ولا ما يُسمَّى بأصول الدِّين وفروعه، وكلّها تقسيمات مُحدَثة مبتدَعة؛ بلْ لمّا بزغت بعض رؤوس الفتنة في عصور السلف الأولى، ورُدّت السّنّة أو بعضها، هبُّوا جميعاً في وجوههم، وحذّروا منهم.

فهذا أيوب السختياني يقول: "إذا حدّثتَ الرجل بالسّنّة، فقال: دعْنا مِن هذا، وحدِّثنا بالقرآن! فاعلمْ أنه ضالّ مُضِلّ".
وهذا الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يعقد فصْليْن في الرّدّ على هؤلاء المبتدعة الذين أحدثوا القول بِردّ السّنّة أو بعضها: الفصْل الأوّل في الردّ على الطائفة التي ردّت السّنّة مُطلقاً، وذلك في "كتاب: جامع العلْم" المطبوع ضمن كتاب "الأم" له، والآخَر في الرّدّ على مَن رَدّ خبر الخاصة -الآحاد-، وذلك في كتابه: "الرسالة".

وهكذا بقيّة السّلف كانوا يُحاصِرون هؤلاء في معاقلهم، ويحذِّرون المسلمين منهم ومِن بِدَعهم.


١.٥ تاريخ ظهور القول بردّ خبر الآحاد


ظهور بدعة القول برَدِّ خبر الآحاد
والمُتتبِّع لتاريخ ظهور بدعة القول برَدِّ خبر الآحاد يلاحظ الأمور التالية:

الأمر الأول الأمر الثاني الأمر الثالث الأمر الرابع

أنّ هذا القول لم يظهر إلاّ على يد المبتدعة وأصحاب الأهواء والمتَّهَمين في دينهم مِن جهميّة، أو معتزلة، أو مُتكلِّمين؛ وأغلب رؤساء هذه الطوائف، إمّا مُتَّهَم بالزندقة، أو بأخذ آرائه وعقيدته من أعداء الإسلام، أو على الأقل مُتَّهم برِقَّة دِينه، كما قال الإمام الذهبي عن الجاحظ: "كان ماجناً قليلَ الدِّين...".
وذكر الخطيب بإسناده إلى ابن أبي الذّيال: "أنّ الجاحظ كان لا يصلِّي".


أنّ حقيقة هذا القول هو: ردّ السُّنّة بِمجرّد العقل أو الهوى؛ إذْ ردّهم لخبر الآحاد لتجويزهم عقلاً أنْ يَكذب راويه أو يغلط؛ ثم إنهم يؤوِّلون المتواتر أو يُفوِّضونه لِمجرّد مخالفته لعقولهم التي هي مُختلفة ومتناقضة وقاصرة.


١.٥ تاريخ ظهور القول بردّ خبر الآحاد


أنّ هذا القول طوال القرون الثلاثة بل الأربعة الأولى، لم يُكتب له الانتشار والظهور كما حصل فيما بعْد؛ وهذا بفضل الله، ثم بفضل جهود السلف الذين هيَّأهم الله لحِفظ السُّنّة وتبليغها للأمّة، فكانوا يجاهدون لإحياء السّنن وقمْع البِدع في مهدها، رحمهم الله، وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خيْر الجزاء.
ولم يُكتب لهذا القول -فيما أعلم- الانتشار والظهور إلاّ في عصور الضّعف، وظهور البِدَع، وتسلُّط أصحاب الأهواء وأهل البِدَع على رقاب المسلمين، وذلك من أوائل القرن الخامس الهجريّ فما بعْده.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في مَعرض الرّدّ على أهل هذا الرأي مِن مُعاصريه: "وعُذرُهم: أنهم يرجعون في هذه المسائل إلى ما يَجِدونه مِن كلام ابن الحاجب، وإن ارتفعوا درجة صعدوا إلى السيف الآمدي، وإلى ابن الخطيب الرازي. فإنْ علا سنَدُهم صعدوا إلى الغزالي، والجويْني، والباقلاني؛ وإلاّ فالسّلف مُجمعون على: قبول خبر الآحاد والعمل به، دون تفريق بيْنه وبيْن غيره".



١.٥ تاريخ ظهور القول بردّ خبر الآحاد


انتشار القول بردِّ خبر الآحاد في القرن الخامس وما بعْده، وهي الفترة الزّمنية التي سيْطر عليها علْم الكلام، ومَنْطق اليونان على العلوم الإسلامية، وعلى كثير مِن علماء الأمّة في تلك الفترة مِن الزمن، فأفسد ذلك المنطق وعلْم الكلام أغلبَ العلوم الإسلامية؛ ولا أدلّ على ذلك مِن أنّ الوقت الذي سيطر فيه علْم المنطق وعلْم الكلام على الأمّة، والذي يبدأ من بداية القرن الخامس إلى نهاية القرن السابع تقريباً، هو وقت جمود الأمّة الإسلامية فِكرياً وعملياً، وهو وقت انتشار البدع وانتفاش الباطل وأهله مِن باطنيّة ومتفلسِفة ومتصوِّفة؛ وهذا الوقت هو الذي استغلّه أعداء الأمّة مِن الصَّليبيِّين والمغول، فهجموا عليها وأطاحوا بخلافتها.

ولم تستيقظ الأمّة مِن ذلك الركود والجمود، وتنفض غبار المَنطق وعلْم الكلام، إلاّ على يد تلك المدرسة السّلفيّة السائدة على منهج أهل السّنّة والجماعة -أهل القرون المُفضَّلة-، تلك هي: مدرسة شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه، وذلك في نهاية القرن السابع وبداية القرن الثامن من الهجرة.

وقد كان مِن أكثر العلوم الإسلاميّة تأثراً بعلْم الكلام: علْم أصول الفقه، ثم أصول الحديث بعد القرن الخامس.