٤.٥ جماع سلَف الأمة على: قبول أخبار الآحاد


نُقل عن الصحابة والتابعين مِن الآثار الدّالّة على اكتفائهم بخبَر الواحد، ما لا يُحصى إلاّ بكلفة؛ فنُشير إلى طرَف من ذلك:
ففي "الصحيحيْن" عن ابن عمر، قال: "بينما النّاس بقباء في صلاة الصُّبح إذ جاءهم آتٍ فقال: "إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أُنزل عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِر أنْ يَستقبل القِبلة، فاستقبلوها!". وكانت وجوهُهم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة". وقد رُويت هذه القصة عن البراء، وأنس، وابن عباس، وعمارة بن أوس، وعمرو بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد، وعثمان بن حنيف، وغيرهم، مِن طُرق كثيرة.
فانظرْ كيف اعتمدوا خبَر هذا الشّخص عن قبلةٍ كانت متحقّقة الثبوت عندهم؛ ولا شكّ أنْ قد اطّلع النبي -صلى الله عليه وسلم- على ذلك، ولم يُنقَل أنّه أنكر عليهم.
وفي "الصحيحيْن" أيضاً عن أنس، قال: "كنتُ أسقي أبا طلحة، وأبا عبيدة، وأبيَّ بن كعب شراباً من فضيخ، فجاءهم آت فقال: إنّ الخمْر قد حُرِّمت. فقال أبو طلحة: قُم يا أنس إلى هذه الجِرار فاكْسِرْها!". فقد أقدموا على إتلاف مالٍ محترَم تصديقاً لذلك المُخبر، وهم مِن أهل القدم في الإسلام، ولم يقولوا: نُبقي على حلِّها حتى يتواتر الخبر، أو نَلْقى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مع قُربِهم منه؛ ولم يُنقلْ أنْ أنكَر عليهم عدَمَ التثبّت.
وبالجملة، فعمَلُ الصحابة والتابعين بخبَر الواحد لا يُمكن إنكاره، بل إنهم يُشنِّعون على مَن ردَّه، ويُغلظون عليه في الإنكار.

٤.٥ جماع سلَف الأمة على: قبول أخبار الآحاد


ولم يُنقَل أنّ أحداً منهم قال: إنّ هذا خبَر واحد يمكن عليه الخطأ، فلا تقوم به الحجة حتى يتواتر. ولو قال أحد منهم ذلك لنُقل إلينا.
ولو كان اعتمادُهم على غيْر هذه الأخبار فقط، لنُقل إلينا. بل إنّ ممّا يُبطل هذه الاحتمالات: تصريح بعضهم بأنّ اعتماده لم يكن إلاّ على النصّ كما قال عمر: "لو لم نسمع هذا، لقضيْنا بغيره".