٣.٤ الاحتجاج بالسنة، وموقف أهل الزندقة وأصحاب الأهواء منها


مقدّمة عن حُجِّيَّة السُّنّة
سبق أنْ ذكرنا نصوصاً كثيرة تدلّ على مكانة السّنّة في الإسلام، ووجوب طاعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعناية السّلف بالسّنّة النبوية؛ فظهر بذلك كله: أنّ السّنّة الصحيحة حُجّة يجب العمل بها، وأنها الأصل الثاني بعْد القرآن مباشرة، ومَن أنكر حُجِّيّتها كان خارجاً عن الإسلام.

قال ابن حزم -رحمه الله-:
"ولو أنّ امرأً قال: "لا نأخذ إلاّ ما وجدْنا في القرآن"، لكان كافراً بإجماع الأمّة، ولكان لا يلزمه إلاّ ركعة ما بيْن دلوك الشمس إلى غسق الليل، وأخرى عند الفجر، لأنّ ذلك هو أقلّ ما يقع عليه اسم: "الصلاة"، ولا حدّ للأكثر في ذلك، وقائل هذا كافر مشرك، حلال الدم والمال".


٣.٤ الاحتجاج بالسنة، وموقف أهل الزندقة وأصحاب الأهواء منها


الطوائف المعادية للسنة
ومع بيان ذلك وظهوره، فقد شذّت طائفة ممّن ينتسبون إلى الإسلام، وهي: التي تنبّأ النبي -صلى الله عليه وسلم- بظهورها، وأنكرت حُجِّيّة السّنّة، وقالوا: "حَسْبنا كتاب الله! فما وجدْنا فيه مِن حلال أحللناه، وما وجدنا فيه مِن حرام حرّمناه".
وذهبت طائفة أخرى إلى القول بأنّ السّنّة لا تُقبل إلاّ إذا وافقت القرآن.
وانطلقت فئات أخرى مُغْرضة تُشكِّك في صدْق بعض الصحابة، وتطعن بهم الطعن الفاحش. وممّن استُهدف منهم: الصاحبيُّ الجليل راوية الإسلام: أبو هريرة -رضي الله عنه-.
كما أنّ الحركات الهدّامة المعادية للإسلام استهْدفت السُّنّة، تُحاربها وتُشكِّك فيها؛ وقد اتخذت ذلك سلاحاً من أسحلتها المتعدِّدة التي تريد بها القضاء على الإسلام، أو تحريفه وتشويهه.

ما سبب هذه الحملة الشرسة على السنة دون القرآن؟


٣.٤ الاحتجاج بالسنة، وموقف أهل الزندقة وأصحاب الأهواء منها


الطوائف المعادية للسنة
وسبب هذه الحملة الشرسة على السنة دون القرآن هو:

أنّ هذه الحركات الهدّامة ما كان لها أن تنال من القرآن، ولا أن تُثير حوله الشكوك؛ فلقد كان إعجازه وتواتره وحفْظ الله له يقف سداً منيعاً أمام أهوائهم ورغباتهم؛ لذلك فقد ظنّت هذه الحركات أنها تستطيع أنْ تجِد بُغيتَها في هدْم الدِّين عن طريق التشكيك في السّنّة، فانطلقت حملاتها المسعورة بهذه الدعاوى الزائفة التي لا تقف على قدميْها أمام الحُجّة الساطعة، والنِّقاش العلميّ السليم.

الطوائف المعادية للسنة
فزعم بعضهم:
أنّ الكتاب المجيد شمل كلّ ما يحتاج إليه المسلمون جملةً وتفصيلاً، فلا مجال لإقحام السُّنّة في مصدرية التشريع وأخْذ الأحكام، وأنها لم تكن وحياً منزلاً، ولا يَسَع المسلم إلاّ اتباع ما أنزله الله، وأنّ التحاكم إلى السّنّة والقضاء بوفقِها يؤدِّي إلى الاشتراك في الحُكم، وقد نهى الله عنه: ((إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ))، وأنها لم تكن شرعاً عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد فهمها الصحابة على هذا الأساس، لذا نُهُوا عن كتابتها.

٣.٤ الاحتجاج بالسنة، وموقف أهل الزندقة وأصحاب الأهواء منها


وأنّ الحديث تكيَّف بظروف البعثة، فكان إرشاداً لِمَن شاهد الرسول وعاينه، وأنّ الأحاديث قد انتُقدت سنداً ومتناً، وأنّ المحدِّثين قدحوا في رجالها ومتونها؛ وما كان كذلك ودخله آراء الرجال، لا يصلح دِيناً. كما أنّ السّنّة تزرع الفُرْقة بين المسلمين، وتنزع الوفاق من صفوفهم، والقرآن يحضّ على الوحدة وجمْع شمل الأمّة. فما عاق دون تحقيق آمْر القرآن يَجب نفْيُه... إلى آخر هذه المزاعم الباطلة...

الطوائف المعادية للسنة
كما لجأ بعض أولئك الأعداء إلى التّظاهر بالإٍسلام وإبطان خلافه، ثم أخذوا يثيرون الشّبُهات، ويبثّون الشكوك بين المسلمين عن طريق الطعن في السّنّة أو بعضها.

وكان مِن بين أولئك الذين تظاهروا بالإسلام، وكان لهم أثر كبير في إثارة الشكوك والشبُهات حول السنة المطهرة ورواتها:
عبد الله بن سبإ اليهودي، وأمْره معروف مشهور.
سوسن النّصرانيّ: الذي تلقى عنه معبد الجهني بدْعة القدَر.
إبراهيم النّظّام المعتزليّ: ذكر الإمام الذهبي عن بعض علماء الإسلام: أنه كان يُخفي برهمِيّته بالاعتزال ليُفسد دِين الإسلام.

٣.٤ الاحتجاج بالسنة، وموقف أهل الزندقة وأصحاب الأهواء منها


بشر المريسي: ذكَر الخطيب البغدادي في ترجمته: أنه ابن يهوديّ كان يصنع الكوافي في الكوفة. وكان يُخفي زندقته بالاعتزال.
الجهم بن صفوان: الذي أخذ آراءه عن السمنية والهنود، وقد أفسد هذا الرجل في دين الإسلام ما لم يُفسده غيره.

موقف أهل الزندقة وأصحاب الأهواء من السنة
بحسب التّتبّع، فقد وجدتُ أن جهود هؤلاء الأعداء في مجابهة السّنّة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:
رفض السّنّة وإنكارها كلّها.
إنكار أخبار الآحاد منها.
الطّعن في طائفة مِن الأحاديث ذات موضوع معيَّن، كأحاديث الرؤية، وأحاديث الصّفات، ونحوها...
الطّعن في حديث من الأحاديث الصحيحة، كحديث الذّباب، أو حديث سحْر النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونحو ذلك....
الطّعن في مصدر من مصادر السنة، كـ"صحيح" البخاري مثلاً.

٣.٤ الاحتجاج بالسنة، وموقف أهل الزندقة وأصحاب الأهواء منها


الطّعن في راوٍ أو أكثر مِن رواة السّنة، لا سيما الصحابة -رضوان الله عليهم-.
وضْع أحاديث على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإلصاقها بالسّنّة؛ وهذه الأحاديث إما أنها تناقض السّنّة نفسها، أو تناقض العقل الصريح، أو الحسّ المعلوم بالضرورة؛ وذلك ليُعاد باللاّئمة على السّنّة أو على رواتها.