١.٤ الرحلة في طلب الحديث: أهميتها، نشأتها، وأسبابها
نشأة الرحلة في طلب الحديث
نشأة الرحلة
١.٤ الرحلة في طلب الحديث: أهميتها، نشأتها، وأسبابها
ولقد كانت الرّحلة في طلب الحديث قائمة في عهده -صلى الله عليه وسلم-؛ فكان بعض مَن يسمع بالرسالة الجديدة، يُسافر إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام- ليسمع القرآن الكريم، ويتفهّم تعاليم الإسلام، ثم ينصرف إلى قومه بعْد أنْ يُعلن إسلامه، كما فعل ضمام بن ثعلبة.
فالرحلة في عهد الرسول كانت عامّة مِن أجْل معرفة تعاليم الدِّين الجديد.
أمّا في عهد الصحابة، فقد رحل الصحابة إلى الصحابة آخر ليسأله عن حديث سمِعَه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم.
وممّا يُروى في رحلة الصحابة: ما حدّث به عطاء بن أبي رباح أن أبا أيوب الأنصاري قد خرج إلى عقبة بن عامر يسأله عن حديث سمِعَه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم..
وأمّا في عهد التابعين ، فقد تمّت رحلات كثيرة من العلماء في طلب الحديث خاصّة، وكثيراً ما كانوا يقطعون المسافات الطويلة لسماع حديث، أو التأكد من حديث وضبْطه، أو للالتقاء بصحابيّ وملازمته للأخذ عنه، لأن الصحابة في عهد التابعين توزّعوا في البلدان، ونقلوا في صدورهم الحديث النبوي؛ فكان لا بدّ لِمن أراد أنْ يجمع حديث محمد -صلى الله عليه وسلم- مِن أن ينتقل من بلد إلى آخر، وراء الصحابة الذين سمعوا منه ورأوه وأخذوا الأحكام عنه.
١.٤ الرحلة في طلب الحديث: أهميتها، نشأتها، وأسبابها
عن المؤمل بن إسماعيل، قال: "حدثني ثقة بفضائل سُوَر القرآن الذي يُروى عن أبيّ بن كعب، فقلت للشيخ: مَن حدَّثك؟ فقال: حدّثني رجل بالمدائن، وهو حي. فصرت إليه، فقلت: مَن حدّثك؟ فقال: شيخ بواسط، وهو حي. فصِرتُ إليه، فقال: حدّثني شيخ بالبصرة. فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان. فصرت إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتاً، فإذا قوم مِن المتصوِّفة ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدّثني. فقلت: يا شيخ! مَن حدثك؟ فقال: لمْ يُحدِّثني أحَد، ولكنّا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث ليَصرفوا وجوههم إلى القرآن".
أخرج الحافظ ابن حبّان بإسناده إلى أبي نصر بن حماد الوراق البجلي، قال: "كنا بباب شعبة بن الحجاج، ومعي جماعة نتذاكر السّنّة، فقلت: حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن توضّأ فأحسن الوضوء، دخَل مِن أيِّ أبواب الجنّة شاء)).
١.٤ الرحلة في طلب الحديث: أهميتها، نشأتها، وأسبابها
فخرج شعبة وأنا أحدِّث بهذا الحديث، فصفعني، ثم قال: يا مجنون، سمعتَ أبا إسحاق يحدّث عبدَ الله بن عطاء، عن عقبة بن عامر؟ فقلتُ: يا أبا إسحاق، سمعت عبد الله بن عطاء يحدِّث عن عقبة بن عامر. قال: سمعتُ عبد الله بن عطاء؟ قلتُ: عبد الله بن عطاء سمع عقبة بن عامر. فقال: اسكت! فقلت: لا أسكت! فالتفت إليّ مسعر بن كِدام فقال: يا شعبة، عبد الله بن عطاء حيّ بمكة. فخرجت إلى مكة، فلقيت عبد الله بن عطاء، فقلت: حديث الوضوء. فقال: عقبة بن عامر. فقلت: يرحمك الله، سمعتَ منه؟ قال: لا، حدثني سعد بن إبراهيم. فأتيت مالك بن أنس -وهو حاجّ- فسألته عن سعد بن إبراهيم، فقال لي: ما حجّ العام. فلما قضيتُ نسكي، مضيت إلى المدينة، فلقيت سعد بن إبراهيم فقلت: حديث الوضوء. فقال: مِن عندكم خرَج. حدثني زياد بن مخراق. فانحدرت إلى البصرة، فلقيتُ زياد بن مخراق، وأنا شاحب اللون، وسِخ الثياب، كثير الشَّعر. فقال: مِن أين؟ فحدثتُه الحديث، فقال: ليس هو مِن حاجتك، قلت: فما بدّ. قال: لا، حتى تذهب تدخل الحمّام وتغسل ثيابك، ثم تجيء فأحدِّثك به. قال: فدخلت الحمّام وغسلت ثيابي، ثم أتيتُه، فقال: حدَّثني شهر بن حوشب، عن أبي ريحانة. فقلت: هذا حديث صعد ثم نزل، دمّروا عليه، ليس له أصل!".