| أولا | ثانيا | ثالثا |
![]() |
وكان بعْدَهم التابعون يسألون عن الإسناد ويلتزمونه. ويُخبرنا الإمام محمد بن سيرين عن ذلك، فيقول: "لم يكونوا يَسألون عن الإسناد، فلمّا وقعت الفتنة، قالوا: سَمُّوا لنا رِجالَكم؛ فيُنظَر إلى أهل السُّنّة فيُؤخَذ حديثُهم، ويُنظَر إلى أهل البِدَع فلا يُؤخَذ منهم". |
![]() |
وكان التابعون وأتباعهم يتواصَوْن بطلب الإسناد. قال هشام بن عروة: "إذا حدّثك رجلٌ بحديث، فقُل: عمَّن هذا؟"، وكان الزهري إذا حدّث أتى بالإسناد، ويقول: "لا يصلح أن يرقى السطح إلا بدرجِه". وقال الأوزاعي: "ما ذهاب العلْم إلا ذهاب الإسناد". وقال سفيان الثوري: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل؟". ويقول عبد الله بن المبارك: "الإسناد مِن الدِّين، ولولا الإسناد لقال مَن شاء ما شاء". وعنه أنه قال: "بيننا وبين القوم: القوائم" يعني: الإسناد. |
![]() |
وقد أتقن التابعون الإسناد، وبرزوا فيه كما برزوا في غيره مِن علوم الحديث. وفي هذا يقول أبو داود الطيالسي: "وجدْنا الحديث عن أربعة: الزهري، وقتادة، وأبي إسحاق، والأعمش. فكان قتادة أعلمَهم بالاختلاف، والزهري أعلمَهم بالإسناد، وأبو إسحاق أعلمَهم بحديث علي وابن مسعود. وكان عند الأعمش من كل هذا...". |
![]() |
كان الصحابة والتابعون وأتباعهم يتثبَّتون في قبول الأخبار: فكان أحدهم لا يروى الحديث إلاّ بعد الاستيثاق مِن ضبْط حروفه وفهْم معناه. وكان الواحد منهم إذا سُئل يودّ لو أنّ أخاه كفاه مؤونة السؤال، حتى إنّ بعضهم كان يأبى أن يروي شيئاً عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، مخافة الزيادة والنقصان. |
![]() |
وكما روى بعض الصحابة الحديث باللّفظ وبعضهم بالمعنى، نرى التابعين أيضاً قد نهجوا نهج الصحابة -رضوان الله عليهم-؛ ولكن ممّا لا شك فيه: أن جميع الصحابة حرصوا على أداء الحديث كما سمعوه من الرسول -عليه الصلاة والسلام-، حتى إن بعضهم ما كان يرضى أنْ يبدِّل حرفاً بحرف، أو كلمة مكان كلمة، أو يُقدِّم كلمة على أخرى وردت في الحديث قبْلها. وقد ُروي عن عمر -رضي الله عنه-، أنه كان يقول: "مَن سمِع حديثاً فحدّث به كما سمع، فقد سلِم". ورُوي نحوه عن عبد الله بن عمر، وزيد بن أرقم. |
![]() |
وقد تشدّد بعض الرواة في المحافظة على نصّ الحديث بألفاظه، فمَنع زيادة حرف واحد، أو حذْفه، وإن كان لا يغيِّر المعنى. ومن هذا: ما رواه سفيان، قال: حدّثنا الزهري: أنه سمع أنس بن مالك يقول: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدّبّاء والمُزفَّت أنْ يُنتبذ فيه"، فقيل لسفيان: أنْ يُنبذ فيه؟ فقال: لا! هكذا قاله لنا الزّهري: "يُنتبَذ فيه". وكان بعض الرواة شديدي الحِرص على اللفظ الذي سمعوه، فلا يخفِّفون حرفاً ثقيلاً، ولا يثقلون حرفاً خفيفاً، ولا يبدلون حركات الحروف التي يسمعونها، بل يروونها كما سمعوها، وإن كان ذلك التّغيير لا يبدِّل معناها، نحو: ((نمَى))، ((نمّى)) في حديثه -صلى الله عليه وسلم-: ((ليس الكاذب مَن أصلح بيْن الناس، فقال خيراً أو نمّى خيراً)). قال حماد: "سمعت هذا الحديث مِن رجُليْن، فقال أحدهم: ((نمَى خيراً -خفيفة-))، وقال الآخر: ((نمَّى خيْراً -(مثقّلة-)). |
![]() |
وبلَغ مِن حرْص بعض المحدِّثين على لفظ الحديث: أنهم لم يكونوا يحدِّثون طُلاّبهم إلا إذا كتبوا عنهم؛ إذ كانوا يكرهون أنْ يحفظوا عنهم، خوفاً مِن الوهْم عليهم. من هذا: ما يرويه الخطيب البغدادي بسنده، عن ابن عيينة، قال: قال محمد بن عمرو: "لا والله! لا أحدِّثكم حتى تكتبوه! إني أخاف أن تكذِبوا عليّ!" وفي رواية: "أخاف أن تغلطوا عليّ!". |
![]() |
وقد أدرك ابن عون ثلاثة ممّن يُشدِّدون في رواية الحديث على حروفه، وهم: القاسم بن محمد بالحجاز، ومحمد بن سيرين بالبصرة، ورجاء بن حيوة بالشام. وكان إبراهيم بن ميسرة وطاوس يحدِّثان الحديث على حروفه. وكان طاوس يعُدّ الحديث حرفاً حرفاً. ويُروى عن ابن عيينة قوله: "محدثو الحجاز: ابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وابن جريج، يجيئون بالحديث على وجهه". وكان مالك بن أنس يحرص على أداء حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حروفه. |
![]() |
وإلى جانب هذه الأخبار، نرى أخباراً أخرى تدلّ على أنّ بعض الصحابة والتابعين روَوْا بعض الأحاديث بمعانيها، أو أنهم أجازوا إبدال كلمة بأخرى عند الضرورة. وكان أحدهم إذا اضطرّ إلى هذا، أشار إلى أنّ ما يرويه ليس لفْظه -صلى الله عليه وسلم-؛ لذلك نرى بعض الصحابة يتورذعون كثيراً عند ذكر حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خشية الخطإِ. |
![]() |
ومنهم مَن كان لا يُبيح لِمن يسمع أنْ يكتب عنه الحديث، حتى لا يظنّ أنّ ما رواه لفظ الرسول -صلى الله عليه وسلم-. فكان عمرو بن دينار يحدِّث على المعنى ويقول: "أحرِّج على مَن يكتب عنِّي". |