... ١.٣ عناية الصحابة بالسّنة النبوية، وطرق تلقِّيهم لها في حياته -صلى


عناية الصحابة بالسّنة النبوية
لقد كان الصّحابة يتعلّمون مِن النبي -صلى الله عليه وسلم- القرآن الكريم: آيات معدودات يتفهّمون معناها، ويتعلّمون فقهها، ويُطبِّقونه على أنفسهم. ثم يحفظون غيْرها.
وكان بعضُهم يُقيم عند الرسول -صلى الله عليه وسلم-، يتعلّم أحكامَ الإسلامِ وعباداتِه، ثم يعود إلى أهله وقومه يُعلِّمهم ويُفَقّهُهم.
وكان الصحابة يحرصون على حضور مجالس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حرصاً شديداً، إلى جانب قيامهم بأعمالهم المعاشيّة مِن الرعاية والتجارة وغيرها... وقد يعسر على بعضهم الحضور، فيتناوبون مجالِسه -عليه الصَّلاة والسلام-، كما كان يفعل ذلك عُمر -رضي الله عنه-.
وكان الصحابة يتذاكرون دائماً ما يَسمعون من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وفي ذلك يقول أبو عبد الرحمن السُّلمي: "حدثنا الذين كانوا يُقرئوننا القرآن، كعثمان بن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلَّموا من النبي -صلى الله عليه وسلم- عشْر آيات، لم يتجاوزوها حتى يتعلّموا ما فيها مِن العلْم والعمل... قالوا: فتعلّمنا القرآن والعلْم والعمل جميعاً".


... ١.٣ عناية الصحابة بالسّنة النبوية، وطرق تلقِّيهم لها في حياته -صلى


ومن هذا: ما أخرجه البخاري عن مالك بن الحويرث، قال: "أتينا النبي -صلى الله عليه وسلم-، ونحن شببة مُتقاربون، فأقمْنا عنده عشرين ليلة، فظن أنا اشتقنا أهلنا، وسألنا عمّن تركْنا في أهلنا، فأخبرناه. وكان رفيقاً رحيماً، فقال: {{ارجعوا إلى أهليكُم فعلِّموهم ومُروهم! وصلّوا كما رأيتموني أصلِّي. وإذا حضرت الصلاة، فلْيؤذِّن لكم أحدُكم، ثم لِيَؤمّكم أكبرُكم}}.

قال: "كنت أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أميّة بن زيد -وهي مِن عوالي المدينة-، وكنّا نتناوب النّزول على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ينزل يوماً، وأنزل يوماً. فإذا نزلتُ جئتُه بخبَر ذلك اليوم من الوحي وغيْره، وإذا نزَلَ فعَل مثْلَ ذلك"، رواه البخاري.

قال أنس بن مالك: "كنّا نكون عند النبي -صلى الله عليه وسلم-، فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظَه".

طرق تلقِّي الصحابة للسُّنّة في حياته -صلى الله عليه وسلم-
إلى جانب هذه المجالس، كان الصّحابة يتلقَّوْن السّنّة عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن وجوه كثيرة:
الوجه الأول الوجه الثاني الوجه الثالث الوجه الرابع الوجه الخامس


... ١.٣ عناية الصحابة بالسّنة النبوية، وطرق تلقِّيهم لها في حياته -صلى


ومنها: حوادث كانت تقع للرسول نفْسه، فيُبيِّن حُكمها، وينتشر هذا الحُكم بين المسلمين بمَن سمعوه منه. وقد يكون هؤلاء كثْرة، تُمكِّنهم كثرتُهم من إذاعة الخبَر بسرعة، وقد يكونون قلّة فيبعث الرسول الكريم -عليه الصلاة والسلام- مَن ينادي في الناس بذلك الحُكم.
مثال ذلك: ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه-: "أنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرّ بِرجُل يبيع طعاماً، فسأله: {{كيف تبيع؟}}، فأخبره. فأُوحي إليه: أدخِلْ يدك فيه. فأدخل يده، فإذا هو مبلول. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {{ليس منّا مَن غشّ}}.


وقد يرى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو يسمع صحابياً يُخطئ، فيُصحِّح له خطأه، ويُرشده.
من ذلك: ما رواه عُمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "أنه رأى رجلاً توضأ للصلاة، فترَك موضع ظُفر على ظهره قدمه، فأبصره النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: {{ارجِعْ فأحْسِنْ وضوءك!}}. فرجع فتوضّأ ثم صلّى".


ومنها: حوادث كانت تقع للمسلمين، فيسألون الرسول عنها، فيُفتيهم ويُجيبهم مُبيِّناً حُكم ما سألوا عنه.
من ذلك: ما يرويه علي بن أبي طالب قال: "كنتُ رجُلاً مذّاءً، فكنت أستحْيي أن أسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لِمكان ابنته؛ فأمرْتُ المقداد بن الأسود، فسأله. فقال: {{يَغسل ذكَره ويتوضّأ}}.



... ١.٣ عناية الصحابة بالسّنة النبوية، وطرق تلقِّيهم لها في حياته -صلى


وقد يختصم مسلمان في قضيّة أو حُكم، فيرجعان إلى رسول الله -عليه الصلاة والسلام- ليفصل بينهما ويبيِّن وجه الصواب.
من ذلك: ما رواه المسور بن مخرمة: أنّ عمر بن الخطاب قال: "سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة (الفرقان)، فقرأ فيها حروفاً لم يكن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- أقرأنيها. قال: فأردت أن أساوره وأنا في الصلاة. فلما فرغ قلت: من أقرأك هذه القراءة؟ قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. قلت: كذبتَ والله! ما هكذا أقرأك رسول الله -صلى الله عليه و سلم-! فأخذتُ بيده أقوده، فانطلقت به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: يا رسول الله، إنك أقرأتني سورة (الفرقان)، وإني سمعت هذا يقرأ فيها حروفاً لم تكن أقرأتنيها. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {{اقْرَأْ يا هشام!}}، فقرأ كما كان قرأ، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: {{هكذا أُنزِلت}}. ثم قال لي: {{اقرأْ}}. فقرأتُ، فقال: {{هكذا أُنزِلتْ. إنّ هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف؛ فاقرؤُوا ما تيسّر}}.



... ١.٣ عناية الصحابة بالسّنة النبوية، وطرق تلقِّيهم لها في حياته -صلى


ومنها: وقائع وحوادث شاهَد فيها الصحابة تصرّفات الرسول -صلى الله عليه وسلم-. وهذه كثيرة في صلاته، وصيامه، وحجِّه، وسفَره، وإقامته... فنقلوها إلى التابعين الذين بلّغوها إلى مَن بَعْدَهم؛ وهي تُؤلِّف جانباً كبيراً مّن السُّنّة، وخاصة هدْيه -صلى الله عليه وسلم- في العبادات والمعاملات، وسيرته...
وقد بلَغ مِن اقتدائهم به: أنهم كانوا يفعلون ما يفْعل، ويتْرُكون ما يتْرك، دون أن يعلموا لذلك سبباً، أو يسألوه عن علّته أو حِكمته.
أخرج البخاري، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-، قال: "اتَّخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاتماً مِن ذَهب، فاتّخذ الناس خواتيم مِن ذهَب. ثم نبَذَه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: {{إنِّي لن ألبسَه أبداً. فنبَذ الناس خواتيمَهم}}".