١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث


معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه

"النّسخ" في اللغة
ممّا يتعلّق بالحديث الصحيح: معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه.
و"النّسخ" في اللغة: يُطلق على معانٍ بمعنى: الرفّع والإزالة.
والإزالة نوعان: إلى بدَل، وإزالة إلى غير بدل.
فالإزالة إلى بدل، وهي عبارة عن: إبطال شيء وإقامة آخَر مكانه، كـ"نسختِ الشمسُ الظِّلَّ" بأن أذهبَتْه وحلّت محلّه، وكـ"نسخ الشيْب الشباب".
والإزالة إلى غير بدل، وهي عبارة عن: رفْع الحكم وإبطاله من غير تعويض عن المنسوخ، كـ"نسختِ الريح آثَار القوم" بأن أبطلتْها وعفَتْ عليها. ومن هذا النوع: قوله -سبحانه وتعالى-: ((فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ)).

١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث


أو بمعنى: النّقل والتحويل، وهو إمّا نقْل مع بقاء الأوّل، كـ"نسخْت الكتاب" إذا نقلت ما فيه وبقي الأصل، ومنه: قوله سبحانه: ((هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ))، وإما تحويل مع بقاء الشيء في نفسه، ومنه تحويل المناسخات في المواريث؛ فإنها تُنقل من قوم إلى قوم مع بقائها في نفسها.

"النّسخ" في الاصطلاح
و"النّسخ" في الاصطلاح: له عدّة تعريفات، منها:
أنه: بيان انتهاء حُكم شرعيّ بدليل شرعيّ متراخٍ عنه.
أو أنه: رفْع حُكم شرعيّ بدليل شرعيّ متأخِّر عنه.
والفرْق بين التعريفيْن يرجع لكلمتَيْ: "بيان" و"رفْع"، مع اتّفاق باقي القيود. وهذا يرجع إلى أنّ النسخ فيه جهتان:
إحداهما بالنسبة إلى الله -سبحانه وتعالى-؛ فمَن راعى هذه الجهة عبّر بـ"البيان"، لأنّ النّسخ في حقِّه -سبحانه وتعالى- بيانُ مَحْضِ انتهاء مدّة الحُكم الأوّل، وليس فيه معنى الرفع، لأنه كان معلوماً عند الله -سبحانه وتعالى- أنه ينتهي في وقت كذا بالنسخ.

١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث


ثانيتهما: بالنسبة إلى البشَر؛ فمَن راعى هذه الجهة عبّر بـ"الرّفع"، لأنه زال عندهم ما كان ظاهرَ الثبوت، وخَلَفه شيءٌ آخَر.
وقد اختار ابن الصلاح: التعريف الثاني.

محترزات التعريف الثاني
وأمّا عن محترزات التعريف الثاني، وهو أنه: "رفْع حُكم شرعيٍّ بدليلٍ شرعيٍّ متأخِّر عنه"، فالمراد بـ"رفْع الحُكم": قطْع تعلّقه عن المكلَّفين، واحترز به عن بيان المُجمل، وبإضافته للشّارع عن إخبار بعضِ مَن شاهد النّسخ من الصحابة؛ فإنه لا يكون نسخاً، وإن لم يحصل التكليف به لِمن لم يَبلغْه قبل ذلك إلاّ بإخباره. واحترز بـ"الحُكم" عن رفع الإباحة الأصلية، فإنه لا يُسمَّى نسخاً. واحترز بقوله: "المتقدِّم" عن التخصيص المتّصل بالتكليف، كالاستثناء ونحوه. واحترز بقوله: "بحُكم متأخِّر" عن رفْع الحُكم بموت المكلَّف، أو زوال تكليفه بجنون ونحوه. واحترز بانتهائه -أي: بانتهاء الوقت- كقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنّكم مُلاقُو العدوّ غداً، والفِطْر أقوى لكم؛ فافطروا)). فالصوم بعد ذلك اليوم ليس نسخاً.


١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث


حكم تعَلُّمُ علْمِ النّاسخ والمنسوخ
وتعَلُّمُ علْمِ النّاسخ والمنسوخ فرْضُ كفاية، لِتوقّف بعضِ الأحكام عليه. وهو فنّ مُهمّ مستصعَب. وعن الزهري أنه قال: "ادعى الفقهاء، وأعجَزَهم أن يعرفوا ناسخَ الحديث من مَنسوخه. وكان للشافعي -رحمه الله تعالى- فيه يدٌ طولى وسابقة أولى".
وقال الزهري: "مَن لم يعْلم الناسخ والمنسوخ، خلَط في الدِّين". وأسند عن حذيفة: "أنه سئل عن شيء، فقال: إنما يُفتي مَن عَرف الناسخ والمنسوخ. قالوا: ومَن يعرف ذلك؟ قال: عمر".


١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث


شروط النسخ

وللنسخ شروط، منها:
أن يكون المنسوخ حُكماً شرعياً؛ فلا يدخل النسخ الأحكام العقليّة والاعتقادية، كوحدانيّة الله -سبحانه وتعالى-، ووجوب الإيمان به. ولا يدخل النسخ الأحكام الحِسِّيّة كإحراق النار، ولا يدخله أيضاً الأحكامُ المؤبَّدة بالنص أو بدلالته، كقوله -سبحانه وتعالى- في بيان حُكم قاذف المحصنات: ((وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً))، ولا يدخل النسخ أيضاً في الإخبار عن الأمور الماضية، أو المستقبلة، أو الحاضرة، كقوله -سبحانه وتعالى-: ((فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ)). أما الأخبار التي تتضمّن حُكماً شرعياً، فهي محلّ للنسخ باعتبار ما تضمّنتْه من حُكم شرعي.
ومن شروط النسخ: أن يكون الناسخ منفصلاً عن المنسوخ، متأخِّراً عنه؛ فإن المقترِن بالحُكم كالشرط، والصفة، والاستثناء، لا يُسمّى نسخاً، بل تخصيصاً.
ومن شروطه أيضاً: أن يكون النّسخ بشرْع؛ فلا يكون ارتفاعُ الحُكم بالموت نسخاً، بل سقوط تكليف.

١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث


ومن شروط النسخ أيضاً: أن لا يكون المنسوخ مقيَّداً بوقتٍ، وإلاّ فلا يكون انقضاء ذلك الوقت ناسخاً له، كقول الله -سبحانه وتعالى-: ((وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ)).
ومن شروط النسخ أيضاً: أن يكون الناسخُ مثلَ المنسوخ في القوّة أو أقوى منه.
ومِن شروطه أيضاً: أن يكون المقتضِي للمنسوخ غيرَ المقتضي للناسخ، حتى يلزم البداء.

علاماتٌ النسح

وللنسخ علاماتٌ يُعرف بها، فمِن طُرق معرفته:

أن يكون لفْظُ النبي -صلى الله عليه وسلم- صريحاً بالنسخ، نحو: قوله -صلى الله عليه وسلم-: ((كنت نهيْتُكم عن زيارة القبور، فزوروها. ونهيتُكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاثٍ، فأمسكوا ما بدا لكم. ونهيتُكم عن النبيذ إلاّ في سقاء، فاشربوا في الأسقية كلِّها، ولا تشربوا مُسكراً)).

١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث


ومن علامات النسخ أيضاً: أن يكون لفظُ الصحابي ناطقاً به، كحديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنه قال: ((كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمَرَنا بالقيام في الجنازة، ثم جَلس بعد ذلك، وأمَرَنا بالجلوس)).
وأمّا قول الصحابي: "هذا ناسخ لهذا"، فلم يَقْبلْه كثيرٌ من الأصوليِّين لأنه يرجع إلى نوع من الاجتهاد، وقد يُخطئ فيه. وقبِلوا قوله: "هذا كان قبل هذا" لأنه ناقِل، وهو ثقة مقبول الرواية.
قال الحافظ العراقي: أطلق ابن الصلاح أنّ النسخ يُعرف بقول الصحابي، لكن هل يُكتفى بقوله: "هذا ناسخ"، أو "هذا منسوخ"، أو لا بدّ من التصريح بأنّ هذا متأخِّر عن هذا؟ فالذي ذكَره الأصوليّون كصاحب "المحصول"، والآمدي، وابن الحاجب: أنه لا بدّ من إخباره بأن أحدهما متأخِّر، ولا يُكتفى بقوله: "هذا ناسخ"، لاحتمال أن يقوله عن اجتهاد.

١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث


noteit
وبهذا نكون قد ألقينا شيئًا من الضوء على مفهوم حقوق الإنسان وواجباته في القرآن والسنة.

١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث



١.١٠ معرفة الناسخ والمنسوخ من الحديث