![]() |
القسم الأول : أن يُمكن الجمْع بين الحديثيْن، ولا يتعذّر إبداء وجْهٍ يَنفي تنافيهما، فيتعيّن حينئذ المصيرُ إلى ذلك، والقولُ بهما معاً |
![]() |
القسم الثاني : أن يتضادّا، بحيث لا يمكن الجمْع بينهما |
![]() |
أن يُمكن الجمْع بين الحديثيْن، ولا يتعذّر إبداء وجْهٍ يَنفي تنافيهما، فيتعيّن حينئذ المصيرُ إلى ذلك، والقولُ بهما معاً. |
![]() |
ومثالُه: حديث: ((لا عَدْوى ولا طِيَرة)) مع حديث: ((لا يُورد مُمْرِضٍ على مُصِحّ)) وحديث: ((فِرَّ مِن المجذوم فِرارَك من الأسد)). فبعضُهم جعَله متعارضاً، وبعضُهم أدخله في النّاسخ والمنسوخ، كأبي حفص ابن شاهين. ولكنّ الصواب هو: الجمْع بينهما. ووجْه الجمْع بينهما عديد منها : |
![]() |
الأول: أنّ هذه الأمراض لا تُعدِي بطبْعها، ولكن الله -سبحانه وتعالى- جعل مُخالطةَ المريض بها للصحيح سبباً لإعدائه ومرَضه. ثم قد يتخلّف ذلك عن سببه، كما في سائر الأسباب؛ وهذا هو مسلك ابن الصّلاح. |
![]() |
والثاني: أنّ نفْي العدوى باقٍ على عمومه، والأمر بالفرار من باب سدِّ الذّرائع، لئلاّ يتّفق للّذي يُخالطه شيء من ذلك بتقدير الله -سبحانه وتعالى- ابتداءً لا بالعدوى المنفيّة، فيظنّ أنّ ذلك بسبب مخالطته، فيعتقد صحّة العدوى ويقع في الحرج. |
![]() |
والثالث: أنّ إثبات العدوى في الجُذام ونحوه مخصوص من عموم نفْي العدوى، فيكون معنى قوله: ((لا عَدْوى)) أيْ: إلاّ مِن الجذام ونحوه . |
![]() |
والرابع: أنّ الأمْر بالفرار رعاية لخاطر المجذوم، لأنه إذا رأى الصحيح تَعظُم مُصيبتُه، وتزداد حسْرتُه، ويؤيِّده حديث: ((لا تُديموا النّظر إلى المَجذومِين))، فإنه محمول على هذا المعنى. |
![]() |
قد صنّف فيه الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-، وهو أوّل مَن تكلّم فيه. ولم يقصد استيفاءه ولا إفرادَه بالتأليف؛ بل ذكَر جملة منه في كتابه "الأم"، نبّه بها على طريق الجمع في ذلك. |
![]() |
ثم صنّف فيه ابن قتيبة، فأتى فيه بأشياء حسَنة وأشياء غير حسَنة، قصُر فيها باعُه، لكوْن غيرها أوْلى وأقوى منها، وترَك معظَم المختلِف. |
![]() |
ثم صنّف في ذلك ابن جرير، والطحاوي كتابه "مشكل الآثار". وكان ابن خزيمة مِن أحسن الناس كلاماً فيه، حتى قال: "لا أعرف أنه رُوي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- حديثان بإسناديْن صحيحيْن متضادّيْن. فمن كان عنده، فليأتِني به لِأُؤَلِّف بينهما". ومن جمع ما ذكرنا من الحديث، والفقه، والأصول، والغوْص على المعاني الدقيقة، لا يُشكل عليه من ذلك إلاّ النّادر في الأحيان. |
![]() |
أحدهما: أن يظهر كوْن أحدِهما ناسخاً، والآخَر منسوخاً؛ فيُعمل بالناسخ، ويُترك المنسوخ. |
![]() |
والثاني: أن لا تقوم دلالة على الناسخ والمنسوخ ؛ فيُفزع حينئذ إلى التّرجيح، ويُعمل بالأرجح منهما والأثبت، كالترجيح بصفات الرواة مثلاً. |
![]() |
أحدها: كثرة الرواة، كما ذكر ابن الصلاح، لأنّ احتمال الكذب والوهْم على الأكثر أبعَدُ من احتماله على الأقلّ. |
![]() |
ثانيها: قِلّة الوسائط، أي: عُلوّ الإسناد حيث الرِّجال ثقات، لأنّ احتمال الكذب والوهْم فيه أقلّ. |
![]() |
ثالثها: فقْه الراوي، سواء كان الحديث مروياً بالمعنى أو اللفظ، لأنّ الفقيه إذا سمع ما يَمتنع حمْلُه على ظاهره بحَث عنه حتى يَطّلع على ما يزول به الإشكال، بخلاف العامِّيّ. |
![]() |
رابعها: علْمه بالنحو، لأن العالِم به يتمكّن من التّحفظ عن مواقع الزلل ما لا يتمكّن منه غيره. |
![]() |
خامسها: حِفْظُه، بخلاف مَن يعتمد على كتابه. |
![]() |
سادسها: أفضليّته في أحَد الثلاثة، بأن يكونا فقيهيْن أو نحويّيْن أو حافظَيْن، وأحدُهما في ذلك أفضل من الآخَر. |
![]() |
سابعها: زيادة ضبْطه، أي: اعتناؤه بالحديث واهتمامُه به. |
![]() |
ثامنها: شُهرته، لأنّ الشّهرة تمنع الشخص من الكذب، كما تمْنعُه من ذلك التّقوى. |
![]() |
تاسعها إلى العشرين: كونُه ورِعاً، أو حسَن الاعتقاد، أو غير مبْتدع، أو جليساً لأهل الحديث أو غيرهم من العلماء، أو أكثر مجالسة لهم، أو ذكَراً، أو حُرّاً، أو مشهور النّسَب، أو لا لَبْس في اسمه بحيث يُشاركه فيه ضعيف وصعُب التمييز بينهما، أو له اسم واحد ولِذلك أكثر ولم يختلط، أو له كتاب يرجع إليه. |
![]() |
حادي عشرَيْها: أن تَثبت عدالتُه بالإخبار، بخلاف من تَثْبُت بالتّزكية، أو العمل بروايته، أو الرواية عنه، وإن قلنا بهما. |
![]() |
ثاني عشرَيْها إلى سابع عشرَيْها: أن يعمل بخبره مَن زكّاه، ومُعارضه لم يَعمل به مَن زكّاه، أو يُتّفق على عدالته، أو يُذكَر سبب تعديله، أو يَكثر مُزكّوه، أو يكونوا علماء، أو كثيري الفحص عن أحوال الرِّجال. |
![]() |
ثامن عشرَيْها: أن يكون صاحبَ القصّة، كتقديم خبَر أمِّ سلمة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصوم لِمَن أصبح جُنباً على خبَر الفضل بن عباس في منْعه، لأنها أعلَم منه.
![]() تاسع عشرَيْها: أن يُباشر ما رواه. |
![]() الثلاثون: تأخّر إسلامِه، وقيل: عكسه، لقوّة أصالة المتقدِّم ومعرفته. وقيل: إن تأخّر موتُه إلى إسلام المتأخِّر لم يُرجّح بالتأخير، لاحتمال تأخُّر روايته عنه. وإن تقدّم أو عُلِم أنّ أكثر رواياته متقدِّمة على رواية المتأخِّر رجح. |
![]() والحادي والثلاثون إلى الأربعين: كونه أحسَنَ سياقاً واستقصاءً لحديثه، أو أقربَ مكاناً، أو أكثر ملازمةً لشيخه، أو سمِع من مشايخ بلده، أو مُشافِهاً مُشاهِداً لشيخه حال الأخْذ، أو لا يجيز الرواية بالمعنى، أو الصحابي مِن أكابرهم، أو عليّ -رضي الله عنه- وهو في الأقضية، أو معاذ -رضي الله عنه- وهو في الحلال والحرام، أو زيد -رضي الله عنه- وهو في الفرائض، أو الإسناد حجازيّ، أو رواته مِن بلد لا يَرضَوْن التدليس. |
|
![]() |
أحدها: الوقت، فيرجّح منهم مَن لم يتحمّل بحديث إلاّ بعد البلوغ، على مَن كان بعضُ تحمّلِه قبْله أو بعضُه بَعْدَه، لاحتمال أن يكون هذا ممّا قبْله، والمحتمل بعْده أقوى لتأهُّله للضبط. |
![]() |
ثانيها وثالثها: أن يتحمّل بـ"حَدّثَنا" والآخَر عَرْضاً، أو عَرْضاً والآخَر كتابةً أو مُناولةً أو وجادة. |
![]() |
أحدها: تقديم المَحْكِيِّ بلفظه على المَحْكيِّ بمعناه، والمشكوكِ فيه على ما عُرف أنّه مرويّ بالمعنى. |
![]() |
ثانيها: ما ذُكر فيه سببُ وُروده على ما لم يُذكَرْ فيه، لدلالته على اهتمام الراوي به حيث عَرَف سبََبَه. |
![]() |
ثالثها: أن لا يُنكرَه راويه، ولا يتردّد فيه. |
![]() |
رابعها إلى عاشرها: أن تكون ألفاظه دالّة على الاتّصال كـ"حَدَّثَنا"، و"سمعْتُ"، أو اتُّفق على رفْعه أو وصْله، أو لم يُختلَفْ في إسناده، أو لم يَضطربْ لفظُه، أو رُوي بالإسناد وعُزي ذلك لكتاب معروفذ، أو عزيز والآخَر مشهور. |
![]() |
أحدها وثانيها: بتقديم المدنيّ على المكِّيّ، والدّالِّ على عُلوّ شأن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- على الدّالِّ على الضعف، كـ((بدأ الإسلام غريباً))، ثم شهرته، فيكون الدّالُّ على العلوِّ متأخِّراً. |
![]() |
ثالثها: ترجيح المتضمِّن للتخفيف، لدلالته على التّأخُّر، لأنه -صلى الله عليه وسلم- كان يُغلظ في أوّل أمْره، زجراً عن عادات الجاهلية، ثم مال للتخفيف؛ كذلك قال صاحب "الحاصل" و"المنهاج". ورجّح الآمدي، وابن الحاجب، وغيرُهما، عكسَ ذلك، وهو: تقديم المتضمِّن للتغليظ؛ وهو الحقّ، لأنه -صلى الله عليه وسلم- جاء أولاً بالإسلام فقط، ثم شُرعت العبادات شيئاً فشيئاً. |
![]() |
ورابعها: ترجيح ما تَحمّل بعد الإسلام على ما تَحمّل قبْله، أو شكّ بأنه أظهر تأخراً. |
![]() |
خامسها وسادسها: ترجيح غيرِ المؤرَّخ على المؤرَّخ بتاريخ المتقدِّم، وترجيح المؤرّخ بمقارب بوفاته -صلى الله عليه وسلم- على غير المؤرّخ. قال الرازي: "والترجيح بهذه السِّتة -أي: إفادتها للرّجحان- غير قويّة". |
![]() |
أحدها: تقديم الناقل على البراءة الأصليّة على المقرّر لها، وقيل: عكسه. |
![]() |
ثانيها: تقديم الدالِّ على التحريم على الدّالّ على الإباحة والوجوب. |
![]() |
ثالثها: تقديم الأحوط. |
![]() |
رابعها: تقديم الدّالِّ على نفْي الحدّ. |
![]() |
الترجيح بأمْر خارجيٍّ، كتقديم ما وافقه ظاهرُ القرآن، أو سُنّة أخرى، أو ما قبل الشرع، أو القياس، أو عمَل الأمّة، أو الخلفاء الراشدين، أو معه مرسَل آخَر، أو منقطع، أو لم يُشعِر بنوع قدْح في الصحابة، أو له نظير مُتّفَق على حُكمه، أو اتّفق على إخراجه الشيخان. |
![]() |
فهذه أكثر من مائة مرجِّح، وثّمّ مُرجِّحات أخرى لا تنحصر، ومثارها غلَبة الظن. |