![]() |
قد يحصل التواتر عند قوم ولا يحصل عند آخرين، لبلوغ طُرقه المفيدة له إلى من حصل عنده دون الآخرين. كما أنه قد يصحّ الخبر عند قوم ولا يصح عند آخرين، لوصوله إلى الأوّلين من طريق صحيحة أو طُرق، وعدم وصوله إلى الآخَرين منها، بل من طريق أخرى فيها ضعيف أو كذّاب. | ||
![]() |
وقد ذكر ابن الصلاح والنووي ومَن تبِعهما: أن مثال "المتواتر" على التفسير السابق يعزّ وجودُه. | ||
![]() |
وزعم ابن حبان والحارث: أنّه معدوم بالكلّية، لا يوجد له مثال. | ||
![]() |
قال ابن الصلاح: "إلاّ أنّ يُدّعى ذلك في حديث: ((مَن كَذب عليَّ))، فإنه رواه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أكثرُ مِن ستِّين نفْسا من الصحابة، منهم العشَرة، وليس في الدنيا حديث أجمع على روايته العشرة غيرَه". | ||
![]() |
وتعقّب عليه الحافظ العراقي بحديث مسْح الخفَّيْن، فقد رواه أكثر مِن ستِّين صحابياً، ومنهم العشَرة، وبحديث رفْع اليديْن في الصلاة، فقد رواه نحوُ خمسين منهم، ومنهم العشَرة أيضاً.
![]() قال الإمام السخاوي: "وكذا الوضوء مِن مسِّ الذّكَر، قيل: إنّ رواته زادت على ستِّين، وكذا الوضوء أيضا ممّا مسّت النار وعدَمه". |
|
![]() |
قال الحافظ ابن حجر: "إنّ ما ادّعاه ابن الصلاح مِن العزّة ممنوع، وكذا أيضا ما ادّعاه غيرُه من العدم، لأن ذلك نشأ عن قلّة الاطّلاع على كثرة الطّرُق، وأحوال الرِّجال، وصفاتِهم المقتضية لإبعاد العادة أن يتواطؤوا على الكذِب، أو يحصل منهم اتفاقا"ً. قال: "ومِن أحْسنِ ما يُقرَّر به كوْن "المتواتر" موجوداً وجودَ كثرة في الأحاديث: أنّ الكتب المشهورة المتداوَلة بأيدي أهل العلْم شرقاً وغرباً، المقطوع عندهم بصحة نسبتها إلى مُصنِّفيها، إذا اجتمعت على إخراج حديث وتعدّدت طُرُقه تعدداً تُحيل العادة تواطأَهم على الكذب إلى آخِر تلك الشروط، أفاد العلْم اليقينيّ بصحة نسبته إلى قائله، ومثل ذلك في الكتب المشهورة كثير. |
![]() |
وقال في "شرح التقريب"، عقِب نقْل كلام ابن حجر، ما نصّه: "وقد ألّفتُ في هذا النوع كتاباً لم أُسبَقْ إلى مثْله، سمّيْتُه: "الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة"، مرتَّباً على الأبواب، أوردْتُ فيه كلّ حديث بأسانيد مَن خرّجه، وطُرقَه. ثم لخّصتُه في جزء لطيف سمّيتُه: "قطف الأزهار"، واقتصرت فيه على عزْو كلِّ طريق لِمَن أخرجها من الأئمة، وأوردت فيه أحاديث كثيرة. |
![]() |
قال الشيخ الكتاني: "وقد نهضت لِجمْع ما وقفْتُ عليه من الأحاديث المتواترة في بطون الدفاتر ومقيَّدات الإخوان ، ولمّا خِفتُ عليها من الدّروس والضّياع، جمعْتُها في مقيّد للانتفاع، وسميته بـ"نظم المتناثر من الحديث المتواتر. |
![]() |
وقد قال السخاوي في مبحث "المتواتر" من "شرح الألفية"، ما نصّه: "وقد أُفرِد ما وصف بذلك -يعني: بالمتواتر- في تأليف، إمّا للزركشي أو غيره... |
![]() |
فأفرده بالتأليف بعد السّخاوي جماعةٌ، ومنهم أيضاً: الشيخ الإمام الحافظ شمس الدِّين أبو عبد الله محمد بن محمد بن علي بن طولون، الحنفي الدمشقي الصالحي، المتوفّى سنة (٩٥٣)، له كتاب سماه: "اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة". |
![]() |
ومنهم أيضاً: الشيخ أبو الفيض محمد مرتضى الحسيني الزبيدي المصري، المتوفّى عام (١٢٠٥)، سمّى كتابه: "لقْط اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة". |
![]() |
ومنه أخذ السيد صديق بن حسن بن علي القنوجي البخاري الحسيني الأربعين التي جمَعها ممّا بلغ حدّ التواتر، وسمّاه: "الحرز المكنون من لفظ المعصوم المأمون -صلى الله عليه وسلم-". |
![]() |
وقال ابن الجوزي: "تتبّعتُ الأحاديث المتواترة فبلغت جملة، منها: حديث الشفاعة، وحديث الحساب، وحديث النظر إلى الله تعالى في الآخِرة، وحديث غسْل الرِّجليْن في الوضوء، وحديث عذاب القبر، وحديث المسح على الخفّيْن. |
![]() |
فالتواتر بجملته كثير جداً، إلاّ أن أغلب تواتره معنوي، وأكثر الأمور المعلومة من الدِّين ضرورة متواترة معنىً. ومراد العلماء: حصْر اللفظي، لأن الثاني لا يكاد ينحصر، ولكن نحن نشير في هذا المجموع الذي لا يخلو -بحوْل الله تعالى- عن نكات جمّة زائدة، إلى كثير من المتواترات معنىً، ممّا وقفت على النص بتواتره، تكميلاً للفائدة. ثم الغالب أني لا أذكر مَن روى الحديث من الأئمة المُخرجين، وإنما أعدِّد رواته من الصحابة فقط، أو مع بعض التابعين، وتارة أستوعب وتارة لا بحسب التيسير. |
![]() |
وأمّا عن حديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- : ((إنّما الأعمال بالنِّيّات، وإنما لكلِّ امرئٍ ما نوى))، فقد جعَله بعضُهم مثالاً لـ"المتواتر"، وردّه ابن الصلاح في "مقدِّمة علوم الحديث" له، فقال: "وحديث الأعمال بالنّيّات ليس من ذلك السبيل -أي: سبيل "المتواتر"-، وإن نقله عدد التواتر وزيادة، لأن ذلك طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله -على ما سبق ذِكْره-". |
![]() |
وفي "التقريب" للنووي ما نصه: "وحديث: ((مَن كذَب عليَّ مُتعمِّداً، فليتبوّأْ مقعَدَه من النار)) متواتر، لا حديث: ((إنّما الأعمالُ بالنِّيَّات))". |
![]() |
أي: فليس بمتواتر أيضاً، لأن شرْطه: وجود عدّة التواتر في جميع طبقاته، بأن يرويه جمْع يؤمَن تواطؤهم على الكذب، عن جمْع كذلك، إلى أن ينتهي إلى المُخبَر عنه -صلى الله عليه وسلم-؛ وليس ذلك بموجود هنا، إلاّ أن يراد "التواتر المعنوي"، فيصحّ لأنه متواتر معنىً، لكونه ورد في طلب النِّيّة في العمل أحاديثُ كثيرة. |