٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه


مراحل علوم الحديث
قد مرّت علوم الحديث بمراحل؛ فقبْل عصر التدوين الذي كان في آخِر القرن الأوّل، لم تكن مباحث هذا الفنّ وقواعده مدوّنة، وإنما كانت منقوشة في الصّدور، وعلى صفحات القلوب، شأنها في ذلك شأن معظم الأحاديث قبل التّدوين.
وبعد هذا العصر، كان عصر التدوين. فلمّا دُوِّنت الأحاديث تدويناً عاماً ودُوِّنت كُتب أخرى في علوم أخرى، وجدنا الكثير من قواعد هذا العلْم وأصوله مُفرَّقةً في أثناء كُتبهم المؤلّفة في متون الأحاديث، أو المؤلّفة في الفقه وأصوله. ووُجد في بعض هذه المصنَّفات حُكم على بعض الأحاديث، وقول في عِلَل المعلول، ونقْد لبعض الرواة. وجُمِع في تلك المُصنّفات أقوالُ العلماء في الإسناد، كما جُمع ما بها من اصطلاحات المتقدِّمين، فمِن ذلك: ما نجِده في أثناء مباحث كتابَي: "الرسالة" و"الأم" للإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-، وما نقَله تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل في أسئلتهم له ومحاورتهم معه، وما كَتَبه مسلم بن الحجّاج في مقدّمة "صحيحه"، وهي مقدّمة قيِّمة، وتُعتبر من المحاولات الجِدِّيّة في تدوين هذا العلْم. ولولا أنّها مقدّمة لِـ"الصّحيح" لاعتبرها الكثيرون أوّل ما دُوِّن في أصول الحديث والرواية، بالمعنى الفّنِّيِّ الدّقيق.
وكذلك أيضاً: ما ذكَره الإمام أبو داود السجستاني في رسالته إلى أهل مكّة، في بيان طريقته في كتابه "السُّنن" المشهور، وما ذكَره أيضاً الإمام الترمذي في ثنايا كتابه "الجامع"، من تصحيح للأحاديث، وتحسين ...

٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه


...وتضعيف، ونقْد للرواة وتعديل وتجريح، وما أثبته في كتاب "العِلَل" الذي هو في آخِر "جامعه"، وكتابه "العِلَل" الذي ألّفَه أيضاً على سبيل الاستقلال.
وكذلك أيضاً: ما ذكَره الإمام البخاري في "تواريخه" الثلاثة .

المؤلّفات في أنواع علومه
وأُلِّفت في أنواع علومه المؤلَّفات؛ فأُلِّفتْ في أحوال الإسناد في الرِّجال: كُتبُ التاريخ، والطّبقات، والوفيّات، ومعرفة الوحدان، ورواية الأكابر عن الأصاغر، وأصناف المدلِّسين والكذابين.
وأُلِّف في أحوال الخَبَر: كُتب العِلَل، وألفاظ مراتب القبول والرّدّ، وتفسير ألفاظ الجَرح والتعديل من الحُفّاظ والمُحدِّثين.
وتعدّدت أنواع علْم أصول الحديث، حتى إنه نُقل عن ابن الملقّن: أنّ أنواعه تزيد على المائتيْن. فأُلِّفت في علوم الحديث كُتب كثيرة في بعض أنواعه -كما سبَق أن ذكرنا-. فمنهم من أفرد بالتأليف غريب الحديث. ومنهم من أفراد بالتأليف البحث عن أحكام الرِّجال، وهي كثيرة. ومنهم من أفرد بالتأليف الناسخ والمنسوخ. ومنهم من ألّف في مختلف الأحاديث. ومنهم من ألّف في عِلَل الحديث.

٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه


فقد رأى بعض الأئمّة بعْد هذه المؤلّفات القيِّمة المتفرِّقة: أن يجمعوا ما تفرّق من بحوث هذا العلْم في كتاب واحد، يكون جامعاً لأصول هذا الفنّ ورؤوس مسائله.

أسماء هذا العلْم
وأمّا عن أسماء هذا العلْم، ولكوْن هذا العلْم خلاصةَ علوم متعدِّدة ومعارف متنوِّعة -على ما سبَق أن ذكَرْنا-، فقد سمّاه بعض العلماء: "علوم الحديث" -بالجمْع- لمْحاً للأصل.
ولكون هذا العلْم أصلاً لِعلْم الحديث رواية، وهو منه بمنزلة أصول الفقه من الفقه، سُمِّيَ: "علْم أصول الحديث".
ولكوْن أصوله وقواعده تَغلُب عليها الاصطلاحات الفنِّيّة، سُمِّيَ: "علْم مُصطلَح الحديث".
ولكوْن هذا العلْم يقابل علْم الحديث رواية، سُمِّيَ: "علْم الحديث دراية".
ولمّا كانت المائة الرابعة، وفيها نضجت العلوم، واستقر الاصطلاح، ألَّف القاضي الرامهرمزي من علماء أهل السنة، المتوفّى سنة (٣٦٠)، فجَمَع في ذلك العلْم كثيراً من أنواعه، وذلك في كتابه "المُحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي".

٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه


ثم جاء بعد الرامهرمزي: الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، محمد بن عبد الله، المتوفّى سنة (٤٠٥)، فألّف كتابه "معرفة علوم الحديث".
وذكَر فيه خمسين نوعاً، ولم يستوعبْ ولم يُهذّب، كما قال ابن حجر.
ثم تلاه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتابه "حلية الأولياء"، و"المستخرَج على البخاري"، فعمل على كتاب الحاكم مستخرَجاً زاد فيه أشياء على ما في كتابه، لكنه أبقى أشياء لم يذكُرها، فتداركها من جاء بعده.
ثم جاء الخطيب البغدادي، أبو بكر أحمد بن علي، المتوفّى سنة (٤٦٣)، فصنّف كتابه "الكفاية في قوانين الرواية"، وكتاب "الجامع لآداب الشيخ والسامع" في آداب الرواية، وكُتباً مُفرَدة في أكثر فنون الحديث. وكان كلّ مَن جاء بَعْده عيالاً على كُتبه في ذلك، كما قال ابن نقطة.
ثم جاء القاضي عياض بن موسى اليحصبي، المتوفى سنة (٥٤٤)، فجمَع في ذلك كتابه "الإلماع في ضبط الرواية وتقييد السّماع".
ثم جاء أبو حفص عمر بن عبد المجيد الميانجي، المتوفى سنة (٥٨٠)، فجمَع في ذلك رسالة مختصَرة، سمّاها: "ما لا يَسَعُ المُحدِّثَ جهْلُه".
وبعد كلّ هؤلاء وغيرِهم، جاء فارسُ هذا الميدان: الحافظ الفقيه تقيّ الدِّين أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري، المتوفى سنة (٦٤٣)، والمشهور بابن الصلاح، فصنّف كتابه "علوم الحديث" المشتهَر بـ"مقدّمة ابن الصلاح"، لمّا تولّى تدريس الحديث بالمدرسة الأشرفية، وجمَع فيه ما تفرّق في ...

٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه


...غيره من كُتب الخطيب وغيره، وذكَر فيه خمسةً وستِّين نوعاً، وأملاه شيئاً بعد شيء. ولهذا لم يَحصل ترتيبه على الوضع المناسب .
وقد شرح كتابَ ابن الصلاح الحافظُ العراقيّ، وهو شرح نفيس قيِّم، له فيه عليه إيضاحات وتفسيرات، وتقييدات وزيادات، وقد سماه: "التقييد والإيضاح لِما أُطلِق وأُغْلِق من علوم ابن الصلاح".
فقد شرح كتاب ابن الصلاح الحافظ العراقي، وهو شرح نفيس قيِّم، له فيه عليه إيضاحات وتفسيرات، وتقييدات وزيادات، وقد سماه: "التقييد والإيضاح لِما أُطلِق وأغلِق من علوم ابن الصّلاح".
وقد اعتنى العلماء بكتاب ابن الصّلاح وسار في فلَكه جُلُّ مَن ألّف بَعده في علوم الحديث؛ فمنهم مَن نَظَمه، ومنهم مَن اختصره، ومنهم مَن اقتصر على بعض ما جاء فيه، ومنهم مَن استدرك عليه بعضَ ما فاته، ومنهم مَن انتصر له ونافح عنه.
فمَن نَظَمه: الحافظ أبو الفضل عبد الرّحيم بن الحسين العراقي، المتوفى سنة (٨٠٦)، في كتابه "ألفيّة الحديث"، وشرَحها هو أيضاً بنفسه، وكذلك شرَحها بَعْده الحافظ السخاوي في شرح جيّد، وهو من أحسن شروحها.

٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه


وممّن اختصره: الإمام الحافظ أبو زكريا محيي الدِّين النووي، في كتاب سمّاه: "الإرشاد". ثم اختصر المختصَر في كتاب سمّاه: "التّقريب". وقد شرَحه شرْحاً وافياً الإمامُ السيوطي، المتوفى سنة (٩١١) في كتاب سمّاه: "تدريب الرّاوي". ويُعتبر شرحاً لِـ"التقريب" على الخصوص، ثم لكتاب ابن الصلاح وغيره مِن كُتب الفن على العموم .
وممّن اختصَره أيضاً: الإمام الحافظ الفقيه، المفسِّر المؤرِّخ: عماد الدين إسماعيل بن كثير الدمشقي، المتوفّى سنة (٧٧٤) في كتاب سماه: "اختصار علوم الحديث"، وله فيه على ابن الصلاح استدراكات مفيدة، وتعقّبات مُهمّة، وزيادات وتوضيحات قيِّمة.
ومِن أنفع الكتب المختصَرة: "نخبة الفِكَر في مصطلح أهل الأثر" للحافظ الكبير ابن حَجر العسقلاني، وقد شرحها في "نزهة النّظر".
وهناك كتب أخرى، منها الوَسَط، ومنها المختصَر، ومنها المُطوّل، للأحياء من علماء الأزهر، ومن غيرهم من علماء الإسلام في الأقطار الإسلامية الأخرى، ندَع الحديث عنها للتاريخ وخشْية التطويل.

٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه



٣.٢ مراحل تدوين علوم الحديث ، وبيان أسمائه ، وأهم من ألف فيه