٢.٢ آداب طالب الحديث


إنّ أوّل ما ينبغي لطالب الحديث أن يتحلّى به مِن أخلاق: أن يُصحِّح النِّيّة، وأن يُخلِص لله -سبحانه وتعالى- في طلَب هذا العلْم، وأن يَحْذَر من التّوصّل به إلى أغراض الدنيا؛ فقد روى أبو داود وابن ماجة، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: ((مَن تعلّم عِلْماًَ مِمّا يُبتغَى به وجْهُ الله -سبحانه وتعالى-، لا يتعلّمه إلاّ لِيُصيب به عَرَضاً من الدّنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجَنّة يوم القيامة)).
ولْيجِدَّ الطالبُ في طلَبه، فعن يحيى بن أبي كثير أنه قال: "لا يُنال العلْم براحة الجسد".
قال الإمام بن الصلاح: "ويبدأ بالسّماع مِن أرجح شيوخ بلَده إسناداً، وعلْماً، وشهرةً، ودِيناً، وغير ذلك، إلى أن يفرغ منهم".
قال الخطيب: "ينبغي لطالب الحديث ومَن عُني به: أن يبدأ بكتْب حديث بلده ومعرفة أهله منهم، وتفهّمه وضبطه، حتى يعلم صحيح الأحاديث من سقيمها، ويعرف مَن أهل الحديث بها وأحوالهم معرفة تامة، إذا كان في بلده علْم وعلماء، قديماً وحديثاً. ثم يشتغل بَعْدُ بحديث البلدان والرحلة فيه؛ فعن أبي عبيدة -رحمه الله تعالى- أنه قال: "من شغَل نفسَه بغيْر المُهمّ أضرّ بالمُهمِّ".
وقال الخطيب: "المقصود بالرحلة في الحديث أمران:
أحدهما: تحصيل علوّ الإسناد، وقِدم السماع.

٢.٢ آداب طالب الحديث


والثاني: لقاء الحُفّاظ، والمذاكرة لهم، والاستفادة عنهم.
فإذا كان الأمران موجودَيْن في بلد الطالب ومعدومَيْن في غيره، فلا فائدة في الرحلة.
قال ابن الصلاح: "ولا يَحملنّه الحرص والشّره على التّساهل في السّماع والتّحمّل والإخلال، فيُخِلّ بشيء من شروطه".
وقال الخطيب: "لِيعلمِ الطالبُ أنّ شهوةَ السّماع لا تنتهي، والنّهْمة من الطلب لا تنقضي، والعلْم كالبحار المتعذِّر كيْلُها، والمعادن التي لا ينقطع نيْلُها؛ فلا ينبغي له أن يشتغل في الغربة إلاّ بما تستحقّ لأجْله الرِّحلة".
ولْيستعْملِ الطالبُ ما سمِع من الحديث في فضائل الأعمال، فذلك زكاة الحديث، وسبب حِفْظِه.
وقد روي في حديث علي -رضي الله عنه- : ((أنّ رجلاً قال: يا رسول الله. ما يَنْفي عني حجّة الجهل؟ قال العلْم. قال: ما يَنْفِي عنّي حُجّة العلْم؟ قال: العمل)) .
وروي عن بشر بن الحارث، أنه قال: "يا أصحاب الحديث، أدّوا زكاة هذا الحديث. اعملوا من كلِّ مائتَيْ حديث بخمسة أحاديث".
وروي أيضاً عن عمرو بن قيس، أنه قال: "إذا بلَغك شيء من الخير فاعملْ به ولو مرة؛ تكُن من أهله".

٢.٢ آداب طالب الحديث


وروي عن وكيع أنه قال: "إذا أردت أن تحفظ الحديث، فاعملْ به".
وروي عن إبراهيم بن إسماعيل، أنه قال: "كنا نستعين على حفْظ الحديث بالعمل به".
وعلى الطالب أيضاً: أن يُبجِّل شيخَه؛ فقد روي عن مغيرة أنه قال: "كنا نهاب إبراهيم كما نهابُ الأمير".
وعن البخاري أنه قال: "ما رأيت أحداً أوقر للمُحدِّثين من يحيى بن مَعين".
ولْيحذرِ الطالب من التثقيل على شيْخه، لئلاّ يُضجِره أو يُمِلَّه، قال الخطيب: "وإذا حدّثَه، فيجب أن يأخذ منه العفو ولا يُضجِرَه".
فالإضجار يُغيِّر الأفهام، ويُفسد الأخلاق، ويُحيل الطِّباع. وقد كان إسماعيل بن أبي خالد من أحسن الناس خُلُقا، فلم يزالوا به حتى ساء خُلُقُه.
ولْيستشِر الطالب شيخَه في أموره التي تَعرِض له، وما يشتغل فيه وكيفية اشتغاله، وعلى الشيخ أن ينصَحَه في ذلك.
ولْيحذر الطالبُ أن يَمنعَه التّكبّر أو الحياء عن طلب العلْم ممّن هو دونه في النّسب أو السِّنّ.
فقد روى البخاري عن مجاهد، أنه قال: "لا ينال العلْم مُستحٍ ولا مُستكبِر".

٢.٢ آداب طالب الحديث


ولْيجتنِبِ الطّالب أن يظفر بشيخ أو بسماع لشيخ، فيكتمه لينفرد به عن أضرابه؛ فذلك لؤمٌ مِن فاعِله، فيُخاف على كاتِمه عدمُ الانتفاع؛ فإن من بركة الحديث: إفادته، ونشْره يُمْن.
وعن مالك -رضي الله عنه- أنه قال: "مِن بَركة الحديث: إفادةُ بعضِهم بعضاً".
ولْتكُنْ هِمّة الطالب: تحصيلَ الفائدة، سواء وقعت له بعلوٍّ أو بنزول. ولا يأنف أن يكتب عمّن هو دونه ما يستفيدُه؛ فعن سفيان ووكيع أنهما قالا: "لا يكون الرّجل من أهل الحديث حتى يكتب".
وقال وكيع: "لا يكون عالِماً حتى يأخذَ عمّن هو فوقه، وعمّن هو دونه، وعمّن هو مثله".
ولْيحذَرِ الطالبُ أن تكون همّته: تكثير الشيوخ لِمجرّد اسم الكثرة وصِيتها؛ فقد قال ابن الصلاح: "ليس بمُوفّق مَن ضيَّع شيئاً من وقته في ذلك".
وينبغي للطالب أن يَسمع ويكتب ما وقع له من كتاب أو جزء على التمام، ولا ينتخبه، فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شيء منه لم يكن فيما انتخبه منه، فيندم.
فعن ابن المبارك أنه قال: "ما انتخبت على عالِم قط، إلاّ نَدِمْتُ".

٢.٢ آداب طالب الحديث


ولا ينبغي للطالب أن يقتصر على سماع الحديث وكَتْبه، دون معرفته وفهْمه؛ فيكون قد أتعب نفسَه من غير أن يظفر بطائل ولا حصول في عداد أهل الحديث؛ فعن أبي عاصم النبيل قال: "الرياسة في الحديث بلا دراية، رياسة نذْلة"، أي: فيها نذالة أو ندالة.
قال الخطيب: "هي اجتماع الطلبة على الراوي للسماع عند علوِّ سِنِّه، فإذا تميّز الطالب بفهم الحديث ومعرفتِه، تعجّل بركة ذلك في شبيبته".
وينبغي للطالب أن يقدّم قراءة كتاب في علوم الحديث حفْظاً أو تفهّماً، ليعرف مصطلحَ أهل الحديث".
قال الخطيب: "ومِن أوّل ما ينبغي أن يستعملَه الطالب: شدّةُ الحرص على السّماع والمسارعة إليه، والملازمة للشيوخ. ويبتدئ بسماع أمّهات الكُتب: كُتب أهل الأثر والأصول الجامعة للسُّنن.
وأحق هذه الكتب بالتقديم: "الصحيحان" للإماميْن الجليليْن: البخاري ومسلم، وممّا يتلو الصحيحيْن: "سُنن" أبي داود، والنسائي، والترمذي، وكتاب ابن خزيمة.

٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث



٢.٢ آداب طالب الحديث