٢.٦ حكم العمل بخبر الآحاد
حكم العمل بخبر الآحاد
الرسول -صلى الله عليه وسلم- أُرسل بالقرآن الكريم والسنة المطهرة معًا. قد أطلق عليها الحكمة في القرآن الكريم, وقد فسر العلماء الحكمة أنها السنة المطهرة.
المراد بالحكمة في آيات القرآن الكريم، هي السنة المطهرة، قال الله تعالى: ((وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا)) [النساء: من الآية: ١١٣]. وذلك لأن الله تعالى ذكر الكتاب، والمراد به القرآن الكريم، وعطف عليه الحكمة.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى-: ففرض الله على الناس اتباعَ وحيه، وسننَ رسوله. ثم ذكر الإمام الشافعي الآياتِ التي قرَنَ الله فيها الحكمة بالقرآن الكريم، ثم قال -رحمه الله-: فذكر الله الكتاب وهو القرآن الكريم، وذكر الحكمة، فسمعتُ من أرضَى من أهل العلم بالقرآن، يقول: الحكمةُ سنةُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهذا يشبه ما قال، والله أعلم.
وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مبينة عن الله معنَى ما أراد، دليلًا على خاصه وعامه، ثم قرن الحكمة بكتابه، فأتبعها إياه، ولم يجعل هذا لأحد من خلقه غير رسوله -صلى الله عليه وسلم.
٢.٦ حكم العمل بخبر الآحاد
ثانيًا: النقطة الثانية: عَلاقة السنة المطهرة بالقرآن الكريم:
ولما كان القرآن الكريم والسنة المطهرة مصدرهما واحد، وهو الله تعالى -كما سبق- وجب علينا أن نبين علاقة السنة بالقرآن.
أولًا: تأكيد ما ورد في القرآن الكريم:
ورد في السنة المطهرة أحاديث كثيرة تؤكد ما جاء في القرآن الكريم من الأوامر التي أمر الله بها، والنواهي التي نَهَى الله المسلمين عنها، وذلك كثير. كتأكيد الأمر بالصلاة والزكاة والصيام والحج.
ثانيًا: السنة المطهرة هي المبينة والشارحة لِمَا أجمل في القرآن الكريم؛ وذلك لأن الله تعالى وكَلَ إلى نبيه -صلى الله عليه وسلم- تبيين القرآن الكريم بنص القرآن الكريم، وتبيينُ القرآن إنما هو في السنة المطهرة، قال الله تعالى: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ))، (النحل: من الآية: ٤٤).
مثال ذلك: أمر الله تعالى بالصلاة في كتابه الكريم، وتكرر ذلك كثيرًا، غير أن الله تعالى لم يبين في كتابه الكريم عدد الصلوات في اليوم والليلة، ولا عدد الركعات لكل صلاة، ولا كيفية الصلاة.
٢.٦ حكم العمل بخبر الآحاد
ثالثًا: السنة المطهرة تخصص عام القرآن الكريم:
تعريف العام: هو اللفظ الذي يدل بحسب وضعه اللغوي على شموله واستغراقه لجميع الأفراد ، مثل لفظ: كل، ولفظ: جميع، وكذلك المفرد المعرف بـ"أل" تعريف الجنس، كالسارق، والزاني، وغير ذلك.
تخصيص العام في اصطلاح الأصوليين: هو تبيين أن مراد الشارع من العام ابتداءً بعض أفراده لا جميعها. مثال ذلك:
قال الله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) [المائدة: ٣٨]. هذا العموم الوارد في الآية الكريمة خصصته السنة المطهرة، حيث جعلت القطع خاصًّا بمن سرَقَ نصابًا قيمته ربع دينار فصاعدًا، وأن يكون المسروق من حِرز مثله، وألا يكون السارق مضطرًّا ليحفظَ نفسه من الهلاك، فليس كل سارق تُقطع يدُه، عن عائشة- رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: {{تقطع اليد في ربع دينار، فصاعدًا}} أخرجه الإمام مسلم في صحيحه.
رابعًا: السنة المطهرة تقيد مطلقَ القرآن الكريم:
تعريف اللفظ المطلق: هو ما دَلَّ على فرد غير مقيد لفظًا بأي قَيْد مثل: مِصري.
تعريف اللفظ المقيد: هو ما دل على فرد مقيد لفظًا بأي قيد مثل: مصري مسلم.
٢.٦ حكم العمل بخبر الآحاد
فالمطلق يُفهم على إطلاقه إلا إذا قام دليل على تقييده، مثال ذلك: قال الله تعالى: ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ))، فالآية الكريمة ورَدَ فيها قطع يد السارق بدون قيد، فهل تقطع اليد اليمنى أم اليسرى؟ وما القَدْرُ المقطوع؟ فلفظ اليد تطلق على الجارحة من رءوس الأصابع حتى الرسغ، وتطلق أيضًا على الجارحة من رءوس الأصابع حتى المِرفق، كما تطلق أيضًا على الجارحة من رءوس الأصابع حتى المنكب. فمن أي مكان تقطع؟
وقد استدل جمهور المجتهدين بالسنة العملية على تعيين المراد منها في الآية الكريمة من رءوس الأصابع إلى الرسغ في اليمنى.
خامسًا: السنة المطهرة تفسر القرآن الكريم، وتبينه:
فسرت السنة المطهرة كثيرًا من آيات القرآن الكريم وبينته. فمن ذلك بينت السنة المطهرة المراد بالمغضوب عليهم والضالين في قوله تعالى: ((غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ))؛ فبينت السنة المطهرة أن المراد بالمغضوب عليهم: هم اليهود، والمراد بالضالين: هم النصارى. عن علي بن حاتم، قال قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{إن المغضوب عليهم اليهود، وإن الضالين النصارى}} أخرجه الإمام أحمد والترمذي.
سادسًا: توضيح المشكل:
أوضحت السنة المطهرة مشكل القرآن الكريم، فإن كان للفظ أكثر من مدلول في لغة العرب، فإن السنة ترفع الإشكال وتبين المراد.
٢.٦ حكم العمل بخبر الآحاد
مثال ذلك:
عن علي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: "لما نزلت: ((حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ)) [البقرة: من الآية: ١٨٧] عمدت إلى عِقالٍ أسودَ، وإلى عقالٍ أبيضَ، فجعلتهما تحت وسادتي، فجعلت أنظر في الليل، فلا يستبين لي، فغدوت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فذكرت له ذلك، فقال: {{إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار}} الحديث أخرجه الإمام البخاري والإمام مسلم.
سابعًا: تبيين المُبهم:
السنة المطهرة بينت بعضَ ما أبهم في القرآن الكريم إن كان الأمر يحتاج إلى بيان.
ثامنًا: السنة المطهرة تؤسس الأحكامَ فيما ليس لله تعالى فيه نص كتاب:
مثال ذلك: حرمت السنة المطهرة الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها في نكاح واحد.
عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: {{نَهَى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها}} الحديث أخرجه البخاري ومسلم.
والصحيح الذي عليه جمهور الأصوليين: جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد؛ لأنه -صلى الله عليه وسلم- مبين للناس ما أُنزل إليهم من كتاب الله تعالى.
٢.٦ حكم العمل بخبر الآحاد
أيضًا: حرمت السنة بسبب الرضاع كلَّ ما حَرُم بسبب النسب:
عن عروة، عن عائشة -رضي الله عنها- أنها أخبرته: "أن عمها من الرضاعة يسمى "أفلح" استأذن عليها، فحجبته، فأخبرتْ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فقال لها: {{لا تحتجبي منه، فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب}} الحديث أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.
أيضًا: حرمت السنة المطهرة أكل لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطيور. تشريع زكاة الفطر. ميراث الجدة عند عدم الأم، إلى غير ذلك مما استقلت السنة المطهرة بحكمه.
لذلك، فإن الله تعالى قد هيأ للسنة المطهرة في كل عصر ومِصر رجالًا أطهارًا أبرارًا صالحين، أنار الله بصائرهم، ورزقهم الفهم الصائب، والحكمة، فبذلوا جهدًا عظيمًا يعجز عن وصفه، بذلوا النفس والنفيس، وضحوا بكل شيء من أجل المحافظة على سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وردِّ كيد أعداء الإسلام عنه، يسترضون بذلك ربهم -سبحانه وتعالى- وتحقق بجهدهم وجهادهم في سبيل المحافظة على دين الله -عز وجل- قول النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن طائفة من المسلمين سيثبتون على الحق.
عن ثوبانَ قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: {{لا تزال طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك}}.