٧.٦ موقف الصحابة من العمل بخبر الآحاد
الشبهة الثالثة: قالوا: قد رُوي عن عدد من الصحابة أنهم لم يعملوا بخبر الآحاد
الشبهة الثالثة: قالوا: قد رُوي عن عدد من الصحابة أنهم لم يعملوا بخبر الآحاد، فقد رد أبو بكر خبر المغيرة في ميراث الجدة حتى انضم إليه خبر محمد بن مسلمة، ورد عمر خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى انضم إليه أبو سعيد، وكان عليٌّ لا يقبل خبر أحد حتى يحلِّفه سوى أبي بكر، وردت عائشة خبر عمر -رضي الله عنه- وابنه عبد الله في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، إلى غير ذلك.
وقبل الجواب عن كل شبهة من هذه الشبه التي نُسبت إلى كل صحابي على حِدة، نذكر المنهج العام الذي اتبعه الصحابة في رواية الحديث الشريف.
تثبت الصحابة في الحديث:
إذا كان الصحابة -رضي الله عنهم- قد حرَصوا حرصًا منقطع النظير، واهتموا اهتمامًا عظيمًا بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحملًا وأداءً، وأثنى ربنا عليهم في كتابه العزيز، وهو العليم بحقيقة أمرهم وما انطوت عليه صدورهم، وماذا سيكون منهم في مستقبل أمرهم، إلى أن يلقوا ربهم، تبارك وتعالى.
٧.٦ موقف الصحابة من العمل بخبر الآحاد
لذلك رأينا الخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- يضعون منهجًا للتثبت من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فلقد اتجه الخلفاء الراشدون -رضي الله عنهم- إلى نقد متون السنة وتمحيصها؛ لحرصهم على سلامة حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى لا يدخل فيه ما ليس منه، أو يُحرف، وكان ذلك في فترة مبكرة جدًّا، فوضع الخلفاء الراشدون -رضي الله عنهم- منهجًا لقبول الرواية، وكان الغاية من ذلك إنما هو التثبت والاحتياط، خوفًا من الخطأ أو النسيان، وحتى لا يجترئ غير الصحابة فيتقوَّلوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
لقد وضع الخليفة الراشد والإمام العادل خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منهجًا لقبول الحديث، فإن حدثه أحد بما لا يعرف طلب منه البينة على ما يقول، وليس ذلك للشك في الصحابي الذي يحدثه، بل من أجل التثبت والاحتياط؛ خوفًا من النسيان أو الخطأ الملازم للبشرية.
قال الحافظ الذهبي: كان أبو بكر الصديق أول مَن احتاط في قبول الأخبار.
قال المشككون في العمل بأخبار الآحاد: توقف أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجدة حتى انضم إليه محمد بن مسلمة، فشهِدَ أنه سمع ما أخبر به المغيرة بن شعبة من الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأمضاه أبو بكر الصديق.
٧.٦ موقف الصحابة من العمل بخبر الآحاد
نص الحديث: عن قبيصة بن ذؤيب، قال: "جاءت الجدة إلى أبي بكر تسأله ميراثها، قال لها: مالك في كتاب الله شيء، ومالك في سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شيء، فارجعي حتى أسأل الناس، فسأل الناس، فقال المغيرة بن شعبة: حضرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعطاها السدس، فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة، فقال مثلما قال المغيرة بن شعبة، فأنفذه لها أبو بكر. قال: ثم جاءت الجدة الأخرى إلى عمر بن الخطاب تسأله ميراثها، فقال: ما لك في كتاب الله شيء، ولكن هو ذاك السدس، فإن اجتمعتما فيه، فهو بينكما، وأيتكما خلت به فهو لها".
الحديث أخرجه الإمام الترمذي.
ولم يكن توقف أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- في خبر المغيرة بن شعبة شكًّا في المغيرة أو ردًا لخبره، بل توقَفَّ إلى أن يأتي ما يؤيده ويزيده يقينًا بوجود هذا التشريع في الإسلام، وهو إعطاء الجدة السدس.
وهل شهادة محمد بن مسلمة بأنه سمع حديث المغيرة بن شعبة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أخرجت الخبر عن كونه آحادًا؟
إن الخبر وإن جاء عن محمد بن مسلمة والمغيرة بن شعبة، فهو آحاد، ومع ذلك عمل به أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- فدل ذلك على أن أبا بكر يعمل، وعَمِلَ بخبر الآحاد ولم يرده، غاية الأمر أنه أراد التثبت والاحتياط من الخبر؛ لأنه لا يعرفه.
٧.٦ موقف الصحابة من العمل بخبر الآحاد
لقد سلك أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- مسلك سلفه الصالح، فاستحلف من يحدثه عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما لم يعرف.
قال الحافظ الذهبي عن علي -رضي الله عنه-: كان إمامًا عالمًا متحريًا في الآخذ، بحيث إنه يستحلف مَن يحدثه بالحديث.
عن أسماء بن الحكم الفِزاري، قال: "سمعت عليًّا -رضي الله عنه- يقول: كنت رجلًا، إذا سمعت من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حديثًا نفعني الله منه بما شاء أن ينفعني، وإذا حدثني أحد من أصحابي استحلفته، فإذا حلَفَ لي صدقته، قال: وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر -رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: {{ما من عبد يذنب ذنبًا، فيحسن الطهور، ثم يقوم فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له}}، ثم قرأ هذه الآية: ((وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللَّهُ)) [آل عمران: من الآية: ١٣٥] الحديث أخرجه أبو داود والترمذي.
وكان الهدف في هذه الفترة المباركة من نقد المتون وتمحيص المرويات: الخوف من الخطأ والنسيان، أو أن يجترئ غير الصحابة، فيتقولوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإلا فالرواة عدول يأخذ الصحابة الحديث عن بعضهم، ويأخذ التابعون عن الصحابة، وكانت الثقة متبادلة بين الصحابة -رضي الله عنهم- وكذلك لم يكن التابعون يتوقفون في قبول أي خبر يسمعونه من الصحابة.
٧.٦ موقف الصحابة من العمل بخبر الآحاد
أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- تتثبت في الحديث، وتنتقد المرويات:
ردت عائشة -رضي الله عنها- خبر عمر وابنه عبد الله -رضي الله عنهما- في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وهذا مما احتج به المخالفون لأهل الحق الذين يردون أخبار الآحاد.
لماذا ردت عائشة خبر عمر وابنه عبد الله؟
لأنها علمت سبب ورود الحديث، والمناسبة التي قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيها الحديث، ومعرفة سبب ورود الحديث والظروف التي قيل فيها الحديث، له دخلٌ كبير في فهم الحديث فهمًا صحيحًا، كمعرفة سبب نزول الآية القرآنية، ولَمَّا لَمْ يتذكر عمر وابنه -رضي الله عنهما- سبب ورود الحديث، والمناسبة التي قيل فيها الحديث، واقتصرا على رواية جزء من الحديث، ظنَّا أن الحديث على إطلاقه، وقد ردت عائشة -رضي الله عنها- ذلك إلى النسيان أو الخطأ في السماع؛ ولأن هذا الحديث يعارض القرآن الكريم.