٥.٦ حكم من يرد خبر الآحاد لا لأنه خبر آحاد، بل لسبب آخر
حكم من يرد خبر الآحاد لا لأنه خبر آحاد، بل لسبب آخر
إذا كان بعض الصحابة قد توقفوا في قبول بعض الأحاديث، وترك الأئمة العمل ببعض الأحاديث، فإن ذلك لا يرجع إلى أنهم لا يعملون بخبر الواحد أو بخبر الآحاد، وإنما يرجع لأسباب أخرى، فما من إمام إلا وأخذ من السنة وترك، إلا أنهم لم يجمعوا على ترك سنة ثابتة عنه -صلى الله عليه وسلم- فَهُم لا يدخلون مع مَن ينكر خبر الآحاد، بل إنهم أنكروا على من يرد أخبار الآحاد، وبينوا ضلالهم وهدفهم. والثابت عنهم أنهم عملوا بالسنة ، واستنبطوا منها الأحكامَ، كما يشهد بذلك واقعهم العملي، فكُتُبهم مليئة بأخبار الآحاد التي استنبطوا منها الأحكام الشرعية، وإذا رد أحدهم حديثًا أو أكثر فإنما يرد ما يرد لسبب آخر، غير أنه خبر آحاد.
ومن الأسباب التي رد الأئمة بعض الأحاديث بسببها ما يأتي:
أولًا: التثبت والاحتياط:
لقد توقف بعض الصحابة -رضي الله عنهم- في قبول بعض أخبار الآحاد، لا لأنها أخبار آحاد، ولكنهم أرادوا التثبتَ والاحتياط؛ حتى لا يجترئ الناس على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيتقوَّلون عليه.
٥.٦ حكم من يرد خبر الآحاد لا لأنه خبر آحاد، بل لسبب آخر
فلقد توقف أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في قَبول خبر المغيرة بن شعبة في ميراث الجَدة حتى انضم إليه محمد بن مسلمة، فشهِدَ بما قاله المغيرة بن شعبة. وتوقف أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في خبر أبي موسى الأشعري في الاستئذان حتى انضم إليه أبو سعيد الخدري، إلى غير ذلك.
فلقد أراد الخلفاء الراشدون -رضي الله عنهم- وغيرهم من الصحابة أن يضعوا منهجًا لقبول الأخبار؛ حتى لا يجترأ غير الصحابة فيتقولون على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
ثانيًا: قد لا يصح الحديث عند هذا الإمام الذي رده، فَلَمْ تتوفر فيه شروط القبول عند ذلك الإمام، خاصةً إذا كان ذلك الإمام تشدد في شروط القبول، وشرَطَ في الحديث المقبول الذي يحتج به شروطًا أكثرَ مما شرطه الجمهور، فإنما يرده؛ لأنه ضعيف عنده لا يصلح للاحتجاج به. فأبو حنيفة -رحمه الله تعالى- مثلًا: يشترط في الراوي -فضلًا عن الشروط التي شرطها الجمهور-: أن يكون فقيهًا؛ حتى إذا رَوَى بالمعنى لا يحيل الحلالَ حرامًا، أو الحرامَ إلى حلالٍ؛ لأن الأحكام إنما تؤخذ من ألفاظ الحديث.
ثالثًا: قد يَرُدُّ الإمام الحديث لوجود المعارض الأقوى منه في بابه، سواء كان ذلك المعارض من القرآن الكريم أو السنة الثابتة عنه -صلى الله عليه وسلم- وهذا ما يسمى بالحديث الشاذ.
٥.٦ حكم من يرد خبر الآحاد لا لأنه خبر آحاد، بل لسبب آخر
سادسًا: قد يكون الحديث الذي عمل الإمام بخلافه إذا لم يظهر له معارض أقوى منه، لم يصل إلى ذلك الإمام، وهو معذور مأجورٌ على اجتهاده -إن شاء الله تعالى-
سابعًا: قد يكون الحديث ظني الدلالة يُفهم منه أكثر من فهمٍ، فيفهمه إمام على وجه، ولا يفهمه غيره على هذا الوجه، فيظن مَن لا يعلم أن الإمام خالف الحديث ورده.
قال الإمام النووي في إبطال قول مَن رد خبر الواحد، وأنكر وجوب العمل به: وهذا قول باطل، فَلَمْ تزل كُتُب النبي -صلى الله عليه وسلم- وآحاد رسله، يُعمل بها، ويلزمهم النبي -صلى الله عليه وسلم- العمل بذلك، واستمر على ذلك الخلفاء الراشدون فمن بعدهم. ولم يزل الخلفاء الراشدون وسائر الصحابة فَمَن بعدهم من السلف والخلف، على امتثال خبر الواحد إذا أخبرهم بسنة، وقضائهم به، ورجوعهم إليه في القضاء والفُتية، ونقضهم به ما حكموا به على خلافه، وطلبهم خبر الواحد عند عدم الحجة ممن هو عنده، واحتجاجهم بذلك على مَن خالفهم، وانقياد المخالف لذلك. وهذا كله معروف لا شك في شيء منه، والعقل لا يحيل العملَ بخبر الواحد، وقد جاء الشرع بوجوب العمل به، فوجب المصيرُ إليه.
مما سبق يتبين: أن العمل بخبر الآحاد متواتر معلوم من الدين بالضرورة، لذلك لا يجوز لمسلم أن يترك العملَ به؛ لأنه خبر آحاد، بل يجب عليه أن يقبله، وأن يعملَ به؛ استجابة لله ورسوله.