٣.٦ أدلة وجوب العمل بخبر الآحاد
أدلة وجوب العمل بخبر الآحاد
لقد تواتر عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي لا حجة لقول أحد من البشر مع قوله أو عمله- أنه عمل بخبر الواحد، كما تواتر ذلك أيضًا عن الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم، أنهم عملوا بخبر الواحد في وقائع لا تكاد تحصى، وسوف نذكر بعض الأدلة على ذلك. لذلك لا يجوز لمسلم أن يرد خبر الآحاد؛ لأنه خبر آحاد بحالٍِ من الأحوال، وذلك لأن العمل بخبر الآحاد من المعلوم من الدين بالضرورة.
وقال الإمام البخاري -رحمه الله تعالى- في صحيحه: باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق في الآذان، والصلاة، والصوم، والفرائض، والأحكام، وقول الله تعالى: ((فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ)) [التوبة: من الآية: ١٢٢] ويسمَّى الرجل طائفة؛ لقوله تعالى: ((وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا)) [الحجرات: من الآية: ٩] فلو اقتتل رجلان دخل في معنى الآية، وقوله تعالى: ((إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)) [الحجرات: من الآية: ٦]، وكيف بَعَثَ النبي -صلى الله عليه وسلم- أمراءَه واحدًا بعد واحدٍ، فإن سَهَا أحد منهم رُد إلى السنة.
ثم ساق الإمام البخاري في هذا الباب أربعة عشرة حديثًا، استدل بها على أن العمل بخبر الواحد واجب، وأن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يتوقفوا في العمل بخبر الواحد، بل عملوا به فَوْرَ سماعهم إياه. وسنذكر بعض هذه الأحاديث إن شاء الله تعالى.
٣.٦ أدلة وجوب العمل بخبر الآحاد
قال الإمام النووي: خبر الواحد، وهو ما لم يوجد فيه شرط المتواتر، سواء كان الراوي له واحد أو أكثر، واختُلف في حكمه. فالذي عليه جماهير المسلمين من الصحابة والتابعين، فمن بعدهم من المحدثين والفقهاء وأصحاب الأصول: أن خبر الواحد الثقة حجةٌ من حجج الشرع يلزم العمل بها، وأن وجوب العمل به عرفناه بالشرع لا بالعقل.
وسنذكر -بحول الله وقوته- بعض ما استدل به العلماء على حجية خبر الآحاد، ووجوب العمل به:
عن عبد الله بن مسعود، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: {{نَضَّرَ الله عبدًا سمِعَ مقالتي، فحفظها ووعاها، فأدَّاها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه أداه إلى ما هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب مسلم؛ إخلاص العمل لله، والنصيحة للمسلمين، ولزوم جماعتهم، فإن دعوتهم تحيط من ورائهم}}، الحديث أخرجه الإمام الشافعي، واللفظ له، وأخرجه أبو داود والترمذي.
قال الإمام الشافعي في التعقيب على هذا الحديث: فلما ندب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى استماع مقالته، وحفظها، وأدائها، دل على أنه لا يأمر أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدي إليه؛ لأنه إنما يؤدَّى عنه حلال يؤتَى، وحرام يجتنب.
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: "كنت أسقي أبا طلحة الأنصاري، وأبا عبيدة بن الجراح، وأبي بن كعب، شرابًا من فضيخ -وهو تمر- فجاءهم أتٍ، فقال: إن الخمر قد حُرمت، فقال أبو طلحة: يا أنس، قم إلى هذه الجرار، فاكسرها. قال أنس: فقمت إلى مِهراس لنا، فضربتها بأسفلها حتى انكسرت".
٣.٦ أدلة وجوب العمل بخبر الآحاد
قال الحافظ ابن حجر في حديث أنس هذا: وهو حجة قوية في قبول خبر الواحد؛ لأنهم أثبتوا به نسخ الشيء الذي كان مباحًا، حتى أقدموا من أجله على تحريمه والعمل بمقتضى ذلك.
وبعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر واليًا على الحج في سنة تسع، وحضره الحج من أهل بلدان مختلفة، وشعوب متفرقة، فأقام لهم مناسكهم، وأخبرهم عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بما لهم وما عليهم.
وبعَثَ في دهر واحد اثني عشر رسولًا إلى اثني عشر ملكًا، يدعوهم إلى الإسلام، ولم يبعثهم إلا إلى مَن قد بلغته الدعوة، وقامت عليه الحجة فيها، وألا يكتب فيها دلالات لمن بعثهم إليه على أنه كُتُبهم، وقد تحرى فيهم ما تحرى في أمرائه من أن يكونوا معروفين. فبعث دحية إلى الناحية التي هو فيها معروف، ولم تزل كُتُب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تنفذ إلى ولاته بالأمر والنهي، ولم يكن لأحد من ولاته ترك إنفاذ أمره، ولم يكن ليبعث رسولًا إلا صادقًا عند من بعثه إليه.
هذه بعض الأدلة التي ساقها الإمام الشافعي وغيره من الأئمة الأجلاء، على أن خبر الواحد الثقة حجة يلزم من بلغه العمل به، ولا حجة لأحد في تركه.