٤.٥ الناسخ والمنسوخ من الحديث


تعريف النسخ لغة
الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل- إذا أزالته، ويطلق النسخ أيضًا على النقل والتحويل، يقال: نسخت ما في الخلية من العسل.
تعريف النسخ اصطلاحًا:
رفع تعلُّق حكم شرعي بدليل شرعي متأخر عنه.
الناسخ: هو ما دل على رفع حكم شرعي سابق عليه، وهذه التسمية مجازية؛ لأن الناسخ في الحقيقة إنما هو الله تعالى، وليس الدليل المتأخر، قال الله تعالى: ((مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)).
تعريف المنسوخ:
هو الحكم السابق المرتفع بالدليل المتأخِّر.
متى نصير إلى النسخ؟
إذا تعارض حديثان أو نصان ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع المعروفة، وعرفنا التاريخ الذي قيل فيه كل نصٍّ، وعرفنا المتقدم من المتأخر- صار النصُّ المتأخِّر ناسخًا للنص المتقدم.
كيف يعرف النسخ؟

٤.٥ الناسخ والمنسوخ من الحديث


يُعرف النسخ بأمور منها:
أولًا: إذا نصَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- على إبطال أحد الدليلين المتعارضين المتعذِّر الجمع بينهما، وصرح بذلك.
مثال ذلك: عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا}} الحديث أخرجه الإمام مسلم رضي الله عنه.
ثانيًا: إذا نص صحابي من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأن أحد الأمرين كان هو المتأخر، وجزم بذلك:
مثال ذلك: عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: "كان آخر الأمرين من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ترك الوضوء مما مست النار" الحديث أخرجه أبو داود والنسائي.
ثالثًا: ما يُعرف بالتاريخ
إذا ورد نصان متعارضان، ولم يمكن الجمع بينهما بوجه من وجوه الجمع، وعُرف تاريخ كل نص فإن النص المتأخِّر يصير ناسخًا للنص المتقدم:
مثال ذلك: حديث شداد بن أوس مع حديث ابن عباس، عن شداد بن أوس رضي الله عنه {{أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم أتى على رجل بالبقيع وهو يحتجم، وهو آخذ بيده لثماني عشرة خلت من رمضان، فقال: أفطر الحاجم والمحجوم}} الحديث أخرجه الإمام البخاري مُعلّقًا، وأخرجه أبو داود، واللفظ له، وأخرجه الترمذي من حديث رافع بن خديج، وقال: حديث رافع حديث حسن صحيح.

٤.٥ الناسخ والمنسوخ من الحديث


الحديث الثاني: عن ابن عباس: {{أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو صائم محرم}}، الحديث أخرجه البخاري بلفظ: عن ابن عباس -رضي الله عنهما: {{أن النبي -صلى الله عليه وسلم- احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم}} وأخرجه أبو داود بلفظه، والترمذي، وقالا: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح.
قال الحافظ العراقي: ذكر الشافعي -رضي الله عنه- أن حديث شداد بن أوس منسوخ بحديث ابن عباس؛ لأن ابن عباس إنما صحبه -صلى الله عليه وسلم- مُحرِمًا في حجة الوداع سنة عشر، وفي بعض طرق حديث شداد: أن ذلك كان زمن الفتح، وذلك في سنة ثمانٍ من الهجرة، والله أعلم.
رابعًا: ما يُعرف نسخُه بدلالة الإجماع
إذا أجمع العلماء على نسخ حديث من الأحاديث صارَ منسوخًا، ولا يجوز العمل به.
مثال ذلك: عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{من شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه}} الحديث أخرجه أبو داود وأخرجه الترمذي أيضًا.
قال الحافظ السيوطي: قال الإمام النووي في (شرح مسلم) عن هذا الحديث: دل الإجماع على نسخه.
شروط النسخ:
الشرط الأول: أن يكون النسخ من النبي -صلى الله عليه وسلم- فلو كان من غيره -صلى الله عليه وسلم- فلا يكون نسخًا.

٤.٥ الناسخ والمنسوخ من الحديث


ثانيًا: أن يرفع المشرع حكمًا سابقًا.
ثالثًا: أن يكون المنسوخ متقدمًا والناسخ متأخرًا.
رابعًا: أن يُنسخ الحكم السابق بحكم لاحق.
مثال ذلك: عن قزعة قال: {{أتيت أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قلت: إني لا أسألكَ عما يسألك هؤلاء عنه، سألته عن الصوم في السفر فقال: سافرنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة ونحن صيام، قال: فنزلنا منزلًا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم قد دنوتم من عدوِّكم والفِطر أقوى لكم، فكانت رخصة، فمنا من صام، ومنا من أفطر، ثم نزلنا منزلًا آخر، فقال: إنكم مصبِّحو عدوكم، والفطر أقوى لكم فأفطروا، وكانت عزيمة، فأفطرنا. ثم قال: لقد رأيتنا نصوم مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك في السفر}} الحديث أخرجه الإمام مسلم، فالصوم بعد ذلك اليوم ليس بنسخٍ متأخر، وإنما المأمور به مؤقَّت، وقد انقضى وقته بعد ذلك اليوم المأمور بإفطاره.
منزلة علم الناسخ والمنسوخ:
لهذا العلم منزلةٌ رفيعة؛ لذلك عني به العلماء عناية فائقة، وأفردوه بالتصنيف، ورحلوا من أجل معرفته وتحصيله؛ لأنه يَتوقف على معرفته والإحاطة به عدم الخطأ في استنباط الأحكام الشرعية.

٤.٥ الناسخ والمنسوخ من الحديث


المصنفات في الناسخ والمنسوخ:
لقد اعتنى العلماء بهذا العلم لأهميته فقد صنف فيه جماعة من العلماء منهم.
الإمام الجليل أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني صاحب (السنن) المتوفى في سنة خمس وسبعين ومائتين، ألّف كتابه (الناسخ والمنسوخ).
الإمام الجليل الحافظ أبو بكر محمد بن موسى الحازمي، المتوفى في سنة أربع وثمانين وخمسمائة، ألّف كتابه النفيس في هذا العلم وسماه (الاعتبار في بيان الناسخ والمنسوخ من الآثار).