٣.٥ المحكم ومختلف الحديث


تعريف الحديث المحكم: هو الحديث المقبول المعمول به، السالم من المعارَضة.
مثال:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{من كَذب عليّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار}} الحديث أخرجه الإمام البخاري ومسلم في صحيحيهما، وهو حديث متواتر.
فهذه الأحاديث من الأحاديث المحكَمة؛ حيث لا يوجد نص آخر من القرآن الكريم أو السنة المطهرة يعارض هذه النصوص، ولو من حيث الظاهر.
تعريف الحديث المختلف: هو الحديث المقبول المعمول به المعارَض بالمقبول؛ بحيث يمكن الجمع بينهما من غير تعسُّف أو تكلُّف.
مثال ذلك: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا عدوى، ولا طِيَرة، ولا هامة، ولا سفر، وفِرّ من المجذوم كما تفر من الأسد) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه.
ويحدث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (لا يورد ممرض على مصح)، قال: قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يحدثهما كلتيهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: "لا عدوى" وأقام على "ألا يورد ممرض على مصح"، الحديث أخرجه الإمام مسلم.
هذان الحديثان متعارضين وقد جمع بينهما أهل العلم على النحو التالي.

٣.٥ المحكم ومختلف الحديث


لقد أمر بالفرار من المجذوم كما في هذا الحديث خوفًا من انتقال المرض من المريض إلى الصحيح، مع هذا نجده -صلى الله عليه وسلم- ينفي وقوع العدوى أو انتقالها من المريض إلى الصحيح, بل جاء الأمر بالفرار من المجذوم مع نفي العدوى في حديث واحد، كما في هذا الحديث، وهو حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- وليس في ذلك تعارض حقيقي؛ لأن العدوى المنفية غير العدوى المثبتة، فالعدوى التي نفاها النبي -صلى الله عليه وسلم- هي ما كان يعتقدها العرب من أن الأمراض تنتقل بطبعها سواء أراد الله ذلك أم لا، فالعرب كانوا يعتقدون أن ارتباط النتائج بأسبابها إنما هو ارتباط عقلي، لا يمكن أن يتخلف بحال من الأحوال، فإذا وجدت أسباب الشيء وانتفت الموانع فلابد من وجوده.
وإذا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر بالفرار من المجذوم فإن ذلك من باب الأخذ بالأسباب التي أمر الله بها فقط؛ لأن المسلم لا يدري ما قَدَّر الله له، وقد تكون هذه مما قدره الله له، والمسلم يعتقد أنه وإن أخذ بالأسباب كاملة فإن ما أراده الله وقدره سيكون لا محالة مهما احتاط لنفسه وأخذ بالأسباب.

٣.٥ المحكم ومختلف الحديث


المختلف قسمان:
أحدهما: يمكن الجمع بينهما فيتعين ويجب العمل بالحديثين جميعًا، ولا يُصار إلى النسخ مع إمكان الجمع؛ لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما لا يعمل به.
الثاني: أن يتضاد -أي: الحديثين- بحيث لا يمكن الجمع بوجه، فإن علمنا أن أحدهما ناسخٌ قدمناه، وإلا عملنا بالراجح منهما كالترجيح بكثرة الرواة وصفاتهم وسائر وجوه الترجيح.
المصنفات في علم مختلف الحديث:
أفرد جماعة من الأئمة علم مختلف الحديث بالتأليف، وهذا العلم لم يتكلم فيه إلا الأئمة الجامعون بين الحديث والفقه والأصول؛ من هؤلاء الأئمة الإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعي -رحمه الله تعالى- وما كتبه في هذا الموضوع إنما هو جزء ضمن كتابه (الأم) تحت عنوان: اختلاف الحديث، كتاب اختلاف الحديث للإمام الشافعي طُبع في آخر كتاب الأم.
الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة، المتوفى في سنة ستٍّ وسبعين ومائتين من الهجرة، صنف كتابه المعروف بـ(تأويل مختلف الحديث)
أيضًا الإمام الجليل أبو جعفر أحمد بن محمد الطحاوي، صنف كتابه المعروف بـ(مشكل الآثار).