٣.٢٢ الحالة العلمية والنهضة الثقافية


الحالة العلمية

كانت الحركةُ العلميةُ بمختلَف اتجاهاتِها في العصر الأموي امتدادًا للحركة العلمية التي بدأتْ منذ عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم، ونَمتْ في عهد الخلفاء الراشدين، وأخذت العلوُم تتمايز وتنفرد عن بعضها، ويصبح لكل منها مدارسُه ورجالهُ، بعد أن كانت العلومُ ممتزجةً ومتداخلة بعضُها في بعض، فالرسولُ صلى الله عليه وسلم كان يُعلِّم المسلمين أمورَ دينهم ودنياهم، ويفسِّرُ لهم ما أُلهِم عليهمِ من القرآن الكريم، وبعد وفاته أصبح أصحابُه همُ المعلمين للتابعين.
ولم يكن الصحابةُ –رضوان الله عليهم– على درجة واحدة من العلم والفقه، بل كانوا متفاوتين في ذلك، ولعل أفضلَ ما صوَّر اختلاف الصحابة وتباينهم في درجات العلم قول "مسروق" (المتوفى ٦٢ هـ) وهو أحد التابعين: "جالست أصحابَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فوجدتُهم كالإخاذ –أي مثل غدير الماء– فالإخاذُ يروي الرجلَ والإخاذُ يروي الرجلين، والإخاذ يروي العشرة، والإخاذ يروي المائة، والإخاذ لو نزل به أهل الأرض صَدَرَهم" أى لرواهم جميعًا.
وهذا يعنى أن الصحابة ليسوا جميعًا على درجة واحدة من العلم والفقه، وإنما كان بعضهم أعلم من الآخر، ويكون عند بعضهم من العلم والفقه ما ليس عند البعض الآخر.

٣.٢٢ الحالة العلمية والنهضة الثقافية


وقد اشتَهَر عدد من كبار الصحابة بالعلم دون غيرهم، كالخلفاء الراشدين الأربعة، وأمِّ المؤمنين "عائشة"، و"ابن عباس"، و"ابن مسعود"، و"زيد بن ثابت الأنصاري"، و"أَبي الدرداء"، و"أَبي هريرة"، و"معاذِ بن جبل" رضوان الله عليهم جميعًا. غير أن هؤلاء الصحابةَ بقي بعضُهم في "المدينة المنورة" و"مكةَ المكرمة"، وتفرق بعضُهم الآخرُ في الأمصار والأقاليم المفتوحة، ولم يكن الواحد منهم يُعلِّم علمًا واحدًا، وإنما يتكلّم في علوم كثيرة، وربما تحدث في جلسة واحدة في الفقه، والحديث، والتفسير والسيرة والمغازي، والأدب شعرِه ونثره.
وكانت المراكزُ الرئيسةُ للحركة العلمية عندئذ هي المساجد، ثم نشأت المكاتب لتحفيظ الصبيان القرآن الكريم، وتعليمهم مبادئَ العلوم الإسلامية، ثم بدأت العلومُ يمتاز ويتميز بعضُها عن بعض، وعُرِف رجالٌ بالتفسير، وآخرون بالحديث، واختُصَّ غيرُهم بالفقه. ولا يعني هذا أنَّ المفسرَ أو الفقيهَ لا يَعرِفُ غيرَ ما تخصص فيه من العلم واشْتُهِر به، وإنما يوضع الرجل بين رجال العلم الذي تميز فيه، وأصبح حجةً وإمامًا، فالإمام "مالك بن أنس" (ت ١٧٩ هـ) اشتهر بالفقه، وصار صاحبَ مذهبٍ فقهي معروف، لكنه من رجالِ الحديث الكبار، ويعرف التفسير؛ فلو لم يكن كذلك ما استطاع أن يضعَ القواعدَ الفقهيةَ ويستنبطَ الأحكام من أدلتها التفصيلية؛ لأنَّ الفقهَ يقوم على الاستنباط من القرآن والسنة.


٣.٢٢ الحالة العلمية والنهضة الثقافية


تدوين العلوم

ثم خطت الحركة العلمية خطوة كبيرة في ذلك الوقت، ببدء حركة تدوين العلوم، ولم يكن المسلمون يفعلون ذلك من قبل، وإنما اعتمد الصحابةُ على الذاكرة في الحفظ، والذين عُرف عنهم أنهم دَوَّنوا بعضَ أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم من الصحابة عدد قليل، كأبي هريرة، و"عبد الله بن عمرو بن العاص" الذي سمح له النبي صلى الله عليه وسلم بتدوين أحاديثه؛ فدوَّنها في صحيفة كان يقول عنها: "الصادقة"، وهذه الصحيفة اشتملت على ألف حديث. وكان عبد الله بن عمرو يفخر أن ليس بين الرسول وبينه فيها أحد.
ومنذ منتصف القرن الأول للهجرة تقريبًا بدأت حركة التدوين بداية متواضعة، فيُروى أن "معاوية بن أبي سفيان" (المتوفى سنة ٦٠ هـ) أمر بتدوين ما يرويه له في مجلسه "عُبيد بن شَريّة" من تواريخ ملوك "اليمن" القدامى وغيرهم، وكان "معاوية" مولعًا بمعرفة تواريخ الأمم السابقة، وأن "عبد العزيز بن مروان" الوالي على "مصر" (٦٥ - ٨٥ هـ) أرسل إلى "كثير بن مرة الحضرمي" أن يكتب له ما سمع من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا أحاديث "أبي هريرة رضي الله عنه " فإنها موجودة عنده.
ثم جاءت الخطوة الحاسمة في التدوين، حين أمر "عمر بن عبد العزيز" أثناءَ خلافته (٩٩ - ١٠١ هـ) "أبا بكر بن حزم" الوالي على "المدينة" –وكان من العلماء– أن يدوِّن أحاديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، خوفًا من ضياع العلم وذَهَابِ العلماء، ثم تتابعت...

٣.٢٢ الحالة العلمية والنهضة الثقافية


...حركة التدوين، فدوَّن "محمد بن مسلم بن شهاب الزُّهْري" (ت ١٢٤ هـ) و"يزيد بن أبي حبيب المصري" وغيرهما، وانتقل التدوين إلى العلوم الأخرى، فدوِّن علمُ الفقه والتفسير وغيرهما.
وشجع الخلفاء الأمويون الحركة العلميةَ بصفة عامة، وحركةَ التدوين بصفة خاصة، وبدأ في عصرهم ظهورُ طبقة المعلمين؛ لأنَّ الخلفاءَ أنفسَهم كانوا مهتمين بتعليم أولادهم، وبخاصة العلومَ الإسلامية، فاختاروا لهذه المهمة أصلحَ المعلمين الذين كانوا يسمون أيضًا بالمؤدبين، ولم تكن مهمتهم تعليمية فحسب، بل كانت تربوية أيضًا.
ومن أشهر هؤلاء المعلمين: "دِغْفَلُ بن حَنظلة الشيباني"، اختاره "معاويةُ بن أبي سفيان" لتعليم ابنه "يزيد" وتهذيبه. و"الضحاكُ بن مُزاحم" (المتوفى ١٠٢ هـ) و"عامرُ بن شَراحبيل الشَّعْبي" (المتوفى ١٠٤ هـ) و"إسماعيلُ بن عُبيد الله بن أبي المهاجر" (المتوفى ١٣٢ هـ)، وهؤلاء الثلاثةُ من كبار علماء التابعين، واختارهم "عبد الملك بن مروان" لتعليم أولاده وتأديبهم. وقد حذا أشرافُ الناس والأغنياء حَذْوَ الخلفاء في تعليم أولادهم على أيدي مربين ومؤدبين، مما أعطى دفعةً للحركة العلمية في ذلك العصر.
وعلى الرغم من ضياع المدوَّناتِ والمؤلفاتِ التي كُتبت في العصر الأموي، فإن معظمَ محتوياتها وصلت إلينا في المؤلفات الكثيرة التي ألفت في العصر العباسي الذي يبدأ سنة ١٣٢ هـ فمرويات "الطبري" (ت ٣١٠ هـ) عن غزوات الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرتِه...

٣.٢٢ الحالة العلمية والنهضة الثقافية


...أخذها ممن رواها عن كُتَّاب المغازي والسيرة الأوائل الذين ضاعت مؤلفاتهم، كـ "أبان بن عثمان بن عفان" (ت ١٠٥ هـ)، و"عروة بن الزبير" (ت ٩٣ هـ)، وغيرهما.
العلوم التي تطورت في عهد الأمويين؛ منها علم التفسير، وعلم الحديث النبوي، والفقه، وعلوم اللغة العربية، وعلم السيرة النبوية والمغازي والتاريخ.

علم التفسير
هو العلم الذي يبحث في بيان معاني آيات القرآن وأسلوبه وبيانه، إلى غير ذلك مما حفلت به كتب التفسير من مصطلحات هذا العلم؛ كالمجمل والمفصّل، والمحكَم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، وأسباب النزول. ومع كون الصحابة –رضوان الله عليهم– أقدرَ الناسِ على فهم القرآن الكريم، فإنهم اختلفوا في فهمه على حسب اختلاف قُدراتهم العقلية، واشتهر منهم بالتفسير وفهم القرآن الكريم: الخلفاء الراشدون، و"ابنُ مسعود" و"ابنُ عباس"، و"أبيُّ بن كعب"، و"زيدُ بن ثابت" -رضي الله عنهم.
وعن هؤلاء وغيرهم تلقى التابعون، وعلى رأسهم: "مجاهدُ بن جبر" (ت ١٠٢ هـ) و"عطاءُ بن أبي رَباح"، و"عِكْرمةُ مولى ابن عباس"، و"سعيد بن جُبَيْر" (ت ٩٥ هـ)، و"سعيدُ بن المسيِّب" (ت ٩٣ هـ)، و"الحسنُ البصري" (ت ١١٠ هـ)،و"محمد بن سيرين" (ت ١١٠ هـ)،...
والخلاصة: أنه لم يصل إلينا كتابٌ في التفسير يرجع إلى العصر الأموي، وأولُ كتاب في التفسير وصل إلى أيدي الناس هو كتاب "معاني القرآن" للفرَّاء المتوفى سنة (٢٠٧ هـ)، ثم توالت بعده مُطوَّلات كُتب التفسير، لعل من أشهرها تفسير الإمام "الطبري" المتوفى سنة (٣١٠ هـ)، المعروف باسم "جامعُ البيان عن تأويل آي القرآن".

٣.٢٢ الحالة العلمية والنهضة الثقافية


... وبعض هؤلاء ألفوا كتبًا في التفسير، لكنها ضاعت ولم تصل إلينا، كما ضاعت كتبُ التفسير أُلِّفت بعد عصر التابعين، ومنها ما نُسب إلى "سفيانَ بن عُيينة" (ت ١٩٨ هـ)، و"وكيع بن الجَرَّاح" (ت ١٩٧ هـ)، و"عبد الرزاق بن هَمَّام الصنعاني" (ت ١١١ هـ)، وكثيرٍ غيرهم.

علم الحديث
وقد حَرَص الصحابةُ على حفظ كل ما يسمعونه من النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا يٍسألونه ليبينَ لهم ما غَمُضَ عليهم
فَهْمُه من القرآن، وهذا من وظائفه لقوله تعالى: ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ))
[النحل: ٤٤]، وقد أمرهم الله تعالى باتِّباع النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يقول أو يفعل، لقوله تعالى:
((وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)) [الحشر: ٧]، وحذَّرهم من مخالفته صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:
((فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) [النور: ٦٣]، وسار المسلمون على نَهْج
الرسول صلى الله عليه وسلم، وتلقَّفُوا كلَّ ما يتلفظ به يحفظونه عن ظهر قلب، ويعملون به. وكان الحديثُ هو أولُ العلوم التي اشتغلوا بها، لكنهم لم يدوِّنوه في حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا القليل النادر ويُروى أنه هو نفسُه نهاهم عن ذلك، لئلا يختلطَ بالقرآن، فقال: ((لا تكتبوا عني، فمن كتب عنيَ غير القرآن فَلْيَمْحُه)). [صحيح مسلم]، بالإضافة إلى أن الصحابةَ أنفسَهم كانوا يتحرَّجون من الإكثار في رواية الحديث، تهيبًا وخوفًا من الخطأ والنسيان.

٣.٢٢ الحالة العلمية والنهضة الثقافية


وقد ظلت أحاديثُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتناقلها العلماءُ مشافهةً جيلًا بعد جيل حتى نِهايةِ القرنِ الأول الهجري، وإن دوَّن بعضُ الناس أحاديثَ رسولِ الله كعبد الله بن عمرو بن العاص الذي أذن له النبي صلى الله عليه وسلم بكتابة الحديث في حياته، وما رواه البخاري من أنَّ (أبا شاه اليمني)، التمس من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتبَ شيئًا من خطبته عام الفتح، فقال: ((اكتبوا لأبي شاه))، ثم أمر الخليفةُ "عمر بن عبد العزيز" بتدوين الحديث، خوفًا من ضياعه بموت العلماء الذين يحفظونه، فكتب إلى "أبي بكر بن حزم" (والي المدينة) وغيرِه من ولاة الأقاليم، وطلب منهم جَمْعَ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وتدوينهِا، ومن ثَمَّ بدأ المسلمون يُقْبِلون على ذلك، وبمُضِيِّ الزمن تضاعفتْ جهود العلماء في هذا الميدان، ومن أشهر الرجال الذين اشتغلوا بجمع الحديث وروايته وتدوينه في العصر الأموي: "محمدُ بن مسلم بن شهاب الزُّهْرِي" المتوفَّى سنة (١٢٤ هـ)، و"ابن جُرَيْج المكي" المتوفى سنة (١٥٠ هـ)، و"ابنُ إسحاق" المتوفى سنة (١٥١ هـ)، و"مَعْمَرُ بن راشد اليمني" المتوفى سنة (١٥٣ هـ)، و"سفيانُ الثوري" المتوفى سنة (١٦١ هـ)، و"مالكُ بن أنس" المتوفى سنة (١٧٩ هـ)، غير أن هؤلاء كلهم عدا "ابن شهاب الزهري" عاشوا صَدْرَ حياتهم في العصر الأموي وبقية حياتهم في العصر العباسي.

٣.٢٢ الحالة العلمية والنهضة الثقافية


لكنَّ الخطواتِ الحاسمةَ في تدوين الحديث، ووَضْع المنهجِ العلمي الدقيق لتوثيقه، وقَبول روايتهِ، وتصنيفه إلى صحيح وحسن وضعيف، ووَضْعِ علومه، وقواعدِ الجَرْح والتعديل -أي نقد رجال السند- جاء في القرن الثالث الهجري، بظهور أئمة الحديث كالبخاري، و"مسلم"، و"الترمذي"، و"النسائي"، و"أبي داود" وغيرهم، وذلك في العصر العباسي.