![]() |
فقد أمر الوليدُ ابن عمه عمرَ بن عبد العزيز -وكان واليًا على المدينة النبوية (من ٨٧ – إلى ٩٣ هـ) أن يهدَم المسجدَ النبوي، ويعيدَ بناءَه وتوسعتَه، وأرسل إليه أموالًا كثيرةً لهذا الغرض، وثمانين عاملًا من عمال البناء، من الشام وقِبْط مصر، وكمياتٍ كبيرةً من الفُسيفساء، وقد عَهِد عُمَرُ بالإشراف على البناء إلى واحد من كبار الفقهاء التابعين، وهو "صالح بن كيسان" (المتوفى في حدود ١٤٠ هـ) وكان مؤدبًا لعمر بن عبد العزيز ثم لأولاده، وكان ثقةً، صالحًا، فقيهًا، مُحدثًا. |
![]() |
روى ابن جرير الطبري في أحداث (سنة ٨٧ هـ) أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي، وإضافة حُجَر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه، وأن بوسعه من قبلته وسائر نواحيه، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، وقال له "فمن باعك ملكه فاشتره منه، وإلَّا فقومه له قيمة عَدْل ثم اهدمه، وادفع إليهم أثمان بيوتهم، فإن لك في ذلك سَلَفَ صدق "عمر وعثمان". |
![]() |
ويروى أن سعيد بن المسيب -رحمه الله- أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد، "كأنه خشي أن يُتخذ القبرُ مسجدًا" كما يقول الحافظ ابن كثير. |
![]() |
وقد استمر العملُ في البناء نحو ثلاث سنوات. وفي سنة ٩١ هـ حج الخليفة الوليد بن عبد الملك، وزار المسجد النبوي، فلما قرب من المدينة، أمر عمرُ بن عبد العزيز أشراف المدينة أن يتلقوه، فرحب بهم وأحسن إليهم، فلما دخل المدينة أخلى له المسجد النبوي ليتجول فيه. وفي يوم الجمعة خطب الوليد على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انصرف من صلاته فرَّق على الناس من أهل المدينة ذهبًا كثيرًا، وفضةً كثيرة -أي دنانير ودراهم- ثم كسا المسجد النبوي من كسوة الكعبة التي معه، وكانت من ديباج غليظ. |
![]() |
ومن أعظم المساجد التي أنشأها الوليدُ بنُ عبد الملك هو "المسجد الأموي" في دمشق. "ولا يُعرف في الآفاق أحسنَ بناءً منه"، كما يقول المؤرخ ابن كثير في تاريخه وقد شرع في بنائه في ذي الحجة من سنة (٨٦ هـ)، واستمر في بنائه وتحسينه مدة خلافته (٨٦ - ٩٦ هـ) وهي عشر سنين، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته. |
![]() |
وقد كان موضعُ هذا المسجد كنيسةً يقال لها: كَنيسة يوحنا، فلما فتح الصحابةُ دمشق (١٣ هـ) جعلوها مناصفةً، فأخذوا منها الجانبَ الشرقي، فحوَّلوه مسجدًا، وبقي الجانب الغربيّ كنيسةً بحاله، منذ سنة أربع عشرة إلى سنة ٨٦ هـ، فعزم الوليدُ على أَخْذ بقية الكنيسة منهم، وعوَّضهم عنها كنيسةَ مريم، وقيل: عوَّضهم عنها كنيسة تُوما، وهدم بقية هذه الكنيسة، وأضافها إلى مسجد الصحابة، وجعل الجميعَ مسجدًا واحدًا على هيئة بديعة، لا يعرِفُ كثيرٌ من الناس أو أكثرُهم لها نظيرًا في البنيان والزينات والآثار العمارات. |
![]() |
وقد بُني المسجدُ الأموي مستطيلَ الشكل، له ثلاثةُ مداخل، وأربعُ مآذن، وفي وسطه صحنٌ مكشوف، تُحيطُ به أربعةُ أَرْوِقة، أكبرُها رُوَاقُ القبلة، وغُطِّيتْ أرضيتُه بالرُّخام والمرمر، وكذلك جدرانهُ وأعمدته إلى قامة الإنسان وفوق الرخام زخارفُ من الفُسَيْفُساء المذهَّبة، وجُعِل سَقْفُه من الرُّصاص، وبه ستمائةُ سلسلة من الذهب تتدلى منها قناديلُ للإنارة. وقد أُنفِقَ على بناء الجامع (خمسةُ ملايين وستمائة ألف دينار) وقيل: (أحد عشر مليون ومائتا ألف دينار) وقيل: (أكثر من ذلك بكثير). |
![]() |
وبسبب هذه الأموال الطائلة تعرض الوليد للانتقاد، وشاع بين الناس أنه أنفق بيوت الأموال في غير حقها، فأمر بأن يُجمع له الناس، فخطب فيهم قائلًا: "إنه بلغني عنكم أنكم قلتم: أنفق بيوت الأموال في غير حقها. ثم قال: يا عمرو بن مُهاجر، قم فأحضر أموال بيت المال"، فحُملت على البغال إلى الجامع، ثم بُسط لها الأنطاع تحت قبة النسر، ثم أفرغ عليها المال ذهبًا صبيبًا، وفضة خالصة، حتى صارت كومًا، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الرجلَ من الجانب الآخر، وهذا شيء كثير، ثم جيء بالقبانين (عمال الموازين) فوزنت الأموال، فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة -وفي رواية: ست عشرة سنة مستقبلة- لو لم يدخل للناس شيء بالكلية. فقال لهم الوليد: "والله ما أنفقت في عمارة هذا المسجد درهمًا من بيوت المال. وإنما هذا كله من مالي" ففرح الناس وكبروا، وحمدوا الله عز وجل على ذلك، ودعوا للخليفة وانصرفوا شاكرين داعين. |
![]() |
وقد استمر الخليفة سليمان بن عبد الملك (٩٦ - ٩٩ هـ) يعمل في تكملة الجامع الأموي بعد موت أخيه الوليد، وجدد مَقْصُورتَه. فلما ولي عمر بن عبد العزيز (٩٩ - ١٠١ هـ) رأى أنَّ الخليفة الوليد قد بالغ في الإنفاق على بناء المسجد، فعزم على أن يجرده مما فيه من الذهب، وأن يقلع السلاسلَ الذهبية، ويردَّ ذلك كلَّه إلى بيت المال، فشق ذلك على أهل دمشق، واجتمع أشرافُهم إليه، ونقل خالدُ بن عبد الله القَسري شكواهم، وقال له: يا أمير المؤمنين بلَغَنا عنك كذا وكذا. قال: نعم. فقال خالد: ليس ذلك يا أمير المؤمنين. قال: فلِمَ قلتَ ذلك ؟ قال: "لأنَّ غالبَ ما فيه من الرخام، إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم، وليس هو لبيت المال" فأطرق عمر -أي: سكت. |
![]() |
ويُعدُّ المسجد الجامع بدمشق من مفاخر بني أمية، ولما دخله الخليفة المهدي -العباسي (١٥٦ - ١٦٩ هـ) قال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري: "سبقنا بنو أمية بثلاث: بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله. وبنُبْل الموالي، وبعمر بن عبد العزيز، لا يكون –والله- فينا مثله أبدًا". فلما زار المهدي بيت المقدس ونظر إلى قبة الصخرة -وكان عبد الملك بن مروان هو الذي أمر ببنائها- قال: "وهذه رابعة". ولما دخل الخليفة المأمون العباسي (المتوفى ٢١٨ هـ) دمشق ونظر إلى جامعها -وكان معه أخوه المعتصم وقاضيه يحيي بن أكثم- قال: ما أعجبُ ما فيه؟ فقال أخوه: هذه الأذهاب. وقال يحيي: الرخام وهذه العُقد. فقال المأمون: "إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم". |
![]() |
والحاصل -كما يقول ابن كثير- "أن الجامع الأموي لما كمُل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسنَ منه، ولا أبهى ولا أجملَ منه، بحيث إنه إذا نظر الناظرُ إليه أو إلى جهةٍ منه، أو إلى بقعة أو مكانٍ منه تحيرَّ فيها نظرهُ لحسنه وجماله، ولا يملُّ ناظره، بل كلما أدمن النظرَ بانت له أعجوبة ليست كالأخرى". |
![]() |
هذا، وقد عقد ابن كثير في تاريخه فصلًا طويلًا -في أحداث سنة ٩٦ هـ وهي السنة التي تكامل فيها بناء الجامع الأموي بدمشق- فذكر قصة البناء، وتاريخ المكان الذي بُني عليه منذ عصر اليونان، ثم الرومان، إلى أن فتح المسلمون دمشق، وحوَّلوا النصف الشرقي من كنيسة يوحنا إلى مسجد، إلى أن جاء الوليد بن عبد الملك (٨٥ - ٩٦ هـ)، وأمر بتوسعته وبنائه، كما ذكر كيفيةَ بنائه، والأموالَ التي أُنفقتْ،... |
| ... والموادَّ التي استُخدمت في البناء، وقصَّ ما حدث من النصارى في مشهد هَدْم الجزء الغربي من الكنيسة وإدخالهِ في المسجد، وتعويضهم بديلًا عنها كنيسةً أخرى. وذكر جانبًا من أقوال العلماء والإخباريين عن روعة المسجد وبهائه، وما قيل في شأنه من أشعار ومدائح، كما أنه أرخ لبعض الوقائع التي تعرض لها المسجد، كالهدم والحرائق في سنوات لاحقة، مثل سنة ٤٦١ هـ، ٧٤٥ هـ، ٧٧٠ هـ وغيرها. وكذلك الإضافات التي أضيفت إليه وألحقت به. كما أنه أشار إلى الساعات المعلقة على بعض أبوابه وطريقة عملها، وما ورد في فضل هذا المسجد من الآثار والأخبار. |