١.٢٢ تأسيس المدن الجديدة والعناية بالطرق وتعمير البلدان


تأسيس المدن الجديدة

كانت المدنُ العربيةُ الإسلامية من ثمراتِ النهضة الشاملة التي أرسى دعائِمَها الإسلامُ، ودليلًا على السَّبْقِ في ميدان العمارة، وبرهانًا على ما بلغه المسلمون من تقدمٍ علمي وحضاري. وقد ظهرت في الدولة الإسلامية مدن وحواضرُ تمتعت بأهمية كبيرة، إداريةٍ ودينيةٍ واقتصاديةٍ وسياسيةٍ، وكانت هذه المدن مراكزُ إشعاعٍ حضاريةً وعلميةً تَشِعُّ نورَ العلمِ والمعرفةِ إلى مختلِف جهات العالم، وبمثابةِ القلبِ النابضِ الذي يمدُّ البشريةَ بمادةِ الحياةِ والبقاء.
وفي هذه المدن برز علماءُ ومفكرون ذاعَ صِيتُهم عبر الزمان والمكان، بفضل مساهماتهم في مسيرةِ العلم والإيمان. وإليها كانِ يفِدُ طلابُ العلمِ والعلماء، والرَّحَّالةُ والتجار، يحملون في عودتهم إلى بلادهم حضارةَ الإسلام، ومشاعلَ العلم، وإنجازاتِ المسلمين. ومن الحقائق المسلَّم بها في تاريخ العمارة الإسلامية أن تشييدَ المدنِ العربيةِ الإسلاميةِ كان يسير وَفْقَ نظامٍ مدروسٍ وخُطط مُحكمة، وتصميمٍ دقيق، وشروطٍ مُحدَّدة، ليتسنى لها النموُّ والبقاءُ، كاختيار الموقع المناسب للمدينة، وتوفيرِ الحماية الطبيعية لها، ووسائلِ الدفاع عنها وتحصينِها إلى خُطط وأحياءَ، وطرقاتٍ وميادين، والعنايةِ بمرافقها العامة كالمساجدِ والأسواقِ والحمَّاماتِ والخانات، وتوصيلِ مياه الشربِ والرعايةِ الصحيةِ والاجتماعيةِ، وغير ذلك من أسسِ الإنشاء والعمارة.

١.٢٢ تأسيس المدن الجديدة والعناية بالطرق وتعمير البلدان


وقد ساهم الأمويون في تأسيس وإنشاء عدد من المدن الإسلامية في الشرق والغرب، لا يزال معظمها قائمًا ومعروفًا حتى اليوم، ومن أهمها:
(وتقع في الجمهورية التونسية) أسسها عقبة بن نافع الفهري في "إفريقية" (سنة ٥٠ - ٥٥ هـ) في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان (٤١ - ٦٠ هـ) وهو أحد القادة الفاتحين لبلاد المغرب. وقد أصبحت هذه المدينةُ عاصمة الشمال الإفريقي كلِّه في عهد الأمويين، ومركزًا من أعظم المراكز الحضارية الإسلامية.

١.٢٢ تأسيس المدن الجديدة والعناية بالطرق وتعمير البلدان


العناية بالطرق وتعمير البلدان

اهتمت الدولة الأمويةُ اهتمامًا كبيرًا بإنشاء الطرق لربط أجزائها التي امتدت في الصين شرقًا إلى الأندلس غربًا، ولتيسير الاتصالِ ببعضها، ولتحقيقِ كثيرٍ من الأغراض، منها ما هو عسكري لتيسير حركة الجيوش، ومنها ما هو اقتصادي لتيسير حركة التجارة، ومنها ما هو إداري لتسهيل وصول الأخبار عن طريق البريد، ومنها ما هو ديني لتسهيل وصولِ حُجَّاجِ بيت الله الحرام من كل أنحاء الدولة إلى مكةَ المكرمة، لأداءِ فريضة الحج، وإلى المدينة المنورة لزيارةِ مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وقد عُمِّرت هذه الطرق بالخانات والاستراحات ليستريح الناس من وعثاء السفر، فوق ما كانت تتمتع به من أمن وأمان.
ومن بين الخلفاء الأمويين الذين أعطوا اهتمامًا كبيرًا للتعمير والبناء: الوليد بن عبد الملك (٨٥ - ٩٦ هـ) فقد أنشأ عددًا من الطرق ومهَّدها، وبخاصة الطرقِ المؤدية للحجاز، كما حفر الآبارَ على طول هذه الطرق، ووظَّف لها مَن يهتم بها ويمدُّ الناسَ بمائها، واتجه بهمةٍ إلى بناء المساجد، وحَشَدَ لأعمالِ العمران آلافَ العمالِ الذين استقدمهم من مصر، ومن مناطقِ الشام المختلفة، ومن الهند وبلاد فارس.
وقد أولى الخلفاءُ وولاتُهم رعايةً كبيرةً لمشروعات الري وتطويرِها، كحفرِ الأنهار، وشقّ القنواتِ والجداول، وتوسيع شبكات الري، وإقامةِ السدود والقناطر، ومَسْحِ الأراضي الزراعية وإحيائها.

١.٢٢ تأسيس المدن الجديدة والعناية بالطرق وتعمير البلدان


ففي خلافة معاوية (٤١ - ٦٠ هـ) قام زيادُ بن أبي سفيان -الوالي على البصرة- بحفر العديد من الأنهار فيها، منها: نهرُ مَعْقِل، ونهرُ أم حبيب، ونهرُ مُسْلم. وقد انتعشت الحياة الزراعية في البصرة بسبب ذلك، ووصلت وارداتها في ولاية زياد إلى ستين مليون درهم.
كما قام زياد بإنشاء قنطرة في الكوفة. وبذل الحجَّاج بن يوسف الثقفي (٧٥ - ٩٥ هـ) جهودًا كبيرة في هذا الميدان، فقد أتم حفر نهر الأنبار، وقام بحفر أنهارٍ عديدة في المنطقةِ الواقعة بين الكوفة وواسط والبصرة، مِثْلَ نهرِ الصين (نسبة إلى بليدة تقع جنوب واسط يقال لها الصينية) ونهرِ الزابي، وغيره من الأنهار.
ولما تولى خالدُ بن عبد الله القَسْري العراقَ (١٠٥ - ١٢٠ هـ) أظهر مواهبَه في استصلاح الأراضي، وشقّ الأنهارِ والتعميرِ والبناء، فحفر بالعراق أنهارًا عديدة، ومن أشهرها: نهرُ المبارك، ونهرُ خالد، ونهر الجامع وغيرها. كما قام ببناء أسواقٍ جديدة، وجعل لكل أهل حِرْفةٍ مكانًا خاصًّا بهم. وقد بلغت نفقات حفر نهر "المبارك" اثني عشر مليون درهم، وكان هذا النهرُ يَسْقي مساحاتٍ واسعةً من أراضي السواد، وهي المناطق الواقعة بين واسط والبصرة.
وكان أعظمَ إنجاز قام به مَسْلمة بن عبد الملك في منطقة الجزيرة الفراتية (شمال العراق) بناءُ أكبرِ مشروع إروائي على نهر "البُليخ" وهو الذي عُرِف بسدّ مَسْلمة، ويقع بين مدينتي "رأس العين" و"الرَّقَّة"، وكان الماءُ الذي يتجمع في هذا السدّ في كل سنة مرةً حتى يملأَه يكفي أهلَه بقيةَ عامهم.

١.٢٢ تأسيس المدن الجديدة والعناية بالطرق وتعمير البلدان


وفي مصر تولى عبدُ العزيز بن مروان أمرَها نحو عشرين عامًا (٦٤ - ٨٥ هـ) فكانت له فيها إنجازات واضحة، وأدخل ضروبًا من الإصلاح، وبنى مقياسًا للنيل؛ وزاد في جامع عمرو بن العاص من ناحية الغرب، وأدخل في شماله رَحْبةً فسيحةً، وأقام على خليج أمير المؤمنين قنطرةً بطرف الفسطاط سنة ٦٩ هـ. وبنى مدينة حلوان واتخذها عاصمةً لولايته سنة ٧٣ هـ بعد أن تفشى وباء الجذام بالفسطاط، ونقل إليها بيتَ المال، وأنشأ بها بِركةً كبيرةً ساق إليها الماءَ من العيون القريبة من جبل المقطم على قناطِرَ معلقةٍ مُشَيَّدةٍ على أعمدةٍ تصِل عيونَ الماء بالبركة، وغَرَسَ عبدُ العزيز في حلوان الأشجارَ والنخيل، وبنى بها المساجدَ وغيرَها من البنايات الفخمة، حتى قيل: إنه بذل في سبيل ذلك مليونَ دينار.
ومن آثار الأمويين الخالدة في دمشق مجاري مياهها، فقد بلغ نظامُ مجاري الماء من الدقة بحيث أصبح لكل دار في دمشق نافورة خاصة بها، وذلك بفضل القنوات السبع الرئيسة التي شقها الأمويون لتوصيل الماء إلى أنحاء المدينة، والقناطرِ الكثيرة المقامة على الأعمدة التي شيدوها لتوصيل ماء الشرب إلى البيوت.