![]() |
لقد كَثُرتْ الكتب والمصادرُ التي تحدثت عن الشئون الاقتصادية والمالية، مثل كتاب "الخراج" لأبي يوسف المتوفى سنة (١٨٢ هـ)، وكتاب "الأموال" لأبي عُبيد القاسم بن سلام المتوفى سنة (٢٢٤ هـ)، غير أن هذه المصادر لا تقدم لنا إحصاءاتٍ عن الدخل المالي للدولة الإسلامية في العصر الأموي، ولا شيئًا من ميزانياتها، وإنما هي أبحاث فقهية على درجة العموم، تبحث في مسائل الغنائم والجزية والخراج وغير ذلك. |
![]() |
ويمكن أن نكوِّنَ فكرةً عن الأحوال الاقتصادية في ذلك العصر، من خلال دراسة مستوى المعيشة التي كان يحياها الناس على اختلاف مستوياتهم، واحتفالاتهم في مناسباتهم الاجتماعية، كالأعياد وحفلات الزواج، ومن خلال الحركة العمرانية الكبيرة التي شهدت ذلك العصر، من بناء المدن والمساجد وتعبيد الطرق وغيرها من المنشآت، بالإضافة إلى الخدمات المجانية التي تقدمها الدولة للناس، كالعلاج وإعانة المحتاجين. وكل هذه المشروعات لم تكن لِتُقامَ إلا إذا كانت مواردُ الدولةِ الماليةُ تسمح بذلك، كما أن السياسةَ المالية التي اتبعها "عمرُ بن عبد العزيز" قضت على الفقر في ربوع الدولة، إلى الحدّ الذي كان لا يجد فيه عمالُ الصدقات فقراء لتحريرهم. |
![]() |
ويأتي الخراجُ على رأس موارد الدولة في العصر الأموي، وكانت تلك الأراضي مملوكةً للدولة الإسلامية منذ الفتوحات الأولى في عهد "عمر بن الخطاب" رضي الله عنه الذي اجتهد وقرر بعد استشارة كبار الصحابة عدمَ تقسيم الأرض المفتوحة على المجاهدين وجَعْلِها مِلْكًا للدولة، وأبقاها في أيدي أهلها يزرعونها، مقابلَ إيجار يدفعونه للدولة، وهذا الإيجارُ أو الخراج تُنفِقُ منه الدولةُ على الجيش والموظفين، وتقيم المرافق التي يحتاج الناسُ إليها. |
![]() |
وكان هذا اجتهادًا عظيمًا من "عمر"، لأنَّه أبقى الأرضَ في أيدي أصحابها، وهم من أهل الخبرة في فلاحتها، وضمن في الوقت نفسه موردًا ماليًّا ضخمًا وثابتًا. |
![]() |
ثم أقدم "عمر" على خطوةٍ عظيمةِ الأهميةِ دلالةٍ كبيرة على فطنته الاقتصادية، فقد أمر بإعادة مساحة الأرض المفتوحة، وقسَّمها على حسب إنتاجيتها إلى ثلاثة أنواع، وفرض على كل نوع الخراجَ الذي يناسبه؛ لئلا يُظلَم الفلاحون، وليبذلوا طاقتَهم في تحسين الإنتاج. |
![]() |
اهتمَّ العربُ الفاتحون بالزراعة اهتمامًا عظيمًا، واستفادوا في ذلك من خبرات أبناء البلاد المفتوحة، فعندما تم فتح "مصر" أمر "عمر بن الخطاب" واليَه "عَمرو بن العاص" أن يسأل أهلَها عن أفضل الطرق للنهوض بها وباقتصادها، فأخبر أن أفضلَ طريقة للنهوض بها هي الزراعة؛ لأنَّها المورد الرئيس لاقتصاد البلاد، وهذا يتطلب العنايةَ بالنيل والتُّرَعِ المتفرعة عنه، وكذلك فعل "عمر بن الخطاب" في "العراق" و"الشام". |
![]() |
وقد سار الأمويون على هذه السياسة، فاهتموا بنظام الري، وإقامة الجسور، وشقّ الترع وتطهيرها موسميًّا، وبخاصةٍ أن الدولةَ كان يجري على أراضيها أعظمُ الأنهار وأكثرُها طولًا، من "نهر النيل" في "مصر" إلى "دجلة" و"الفرات" وفروعهما في "العراق"، إلى أنهار الشام الرئيسة: "بَردَى" و"العاص" و"اليرموك"، إلى نهري "جيحون" و"سيحون" في بلاد "ما وراء النهر"، إلى الأنهار العديدة في "الأندلس"، بالإضافة إلى رقعة واسعة من أخصب الأراضي. |
![]() |
وقد عمل "الحجاجُ بن يوسف الثقفي" على إصلاح شئون الزراعة في أثناء ولايته على "العراق" والمشرق، فأصلح كثيرًا من الأراضي التي لم تكن مزروعة، وأمر بعودة الفلاحين إلى قراهم، بعد أن رأى ما أصاب الزراعة من ضررٍ ونقص في المحاصيل؛ نتيجة هجرتهم إلى المدن للعمل في الأعمال الحرفية المتعلقة بالصناعة والتجارة. |
![]() |
وهذه الخطوة التي أقدم عليها "الحجاج" لإصلاح الزراعة أساء الناس فهمها، وعدُّوها من أخطائه؛ لأنه تدخلُ في حرية الناس، لكنها عند النظر الصحيح خطوةُ إيجابية من حاكمٍ يفهم واجبات وظيفته، فأقدم على حل مشكلة خطيرة لا تزال كثير من الحكومات المعاصرة عاجزة عن حلّها. |
![]() |
وقد اقتدى "خالد بن عبد الله القسري" والي "العراق" في عهد "هشام بن عبد الملك" (١٠٥ - ١٢٥) بما فعله "الحجَّاج" في النهوض بالزراعة؛ فأصلح مساحات شاسعة في منطقة المستنقعات، وزرعها وأضافها إلى الرقعة الزراعية. |
![]() |
ويجدر بالذكر أنَّ الإسلامَ حث على تعمير الأرض واستصلاح البُور منها للزراعة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أحيا أرضًا ميتة فهي له" رواه البخاري. |
![]() |
والمقصود بالأرض الميتة: الأرض البور الصحراوية التي لم تكن مزروعة، فمن يصلحها تكن له، وقد حذا الصحابة حذو الرسول صلى الله عليه وسلم، والأمويون من بعدهم في تشجيع الناس على الزراعة وعاونوهم على ذلك. |
![]() |
ازدهرت في العصر الأموي الصناعاتُ الحربية التي تحتاج إليها الجيوشُ؛ من سيوف، ودروع، ورماح، وحِراب، وأُنشئَت الترسانات البحريةُ اللازمة لصناعة السفن في مدن الساحل. كالإسكندرية و"دمياط" و"رشيد" (في "مصر")، و"عكا" و"صور" و"صيدا" و"بيروت" (في "الشام")، وازدهرت كذلك الصناعات الخشبية اللازمة لأعمال بناء البيوت والمساجد والمستشفيات، وأثاث المنازل، وصناعات الخزف والأدوات المنزلية. |
![]() |
وعَرَفَ العصرُ الأموي صناعاتِ النسيج، وكانت أكثر الصناعات ازدهارًا في "مصر" و"الشام" و"العراق" و"فارس" وبلاد "ما وراء النهر"، وكانت تُصنع من الصوف والقطن والكتان والحرير، بالإضافة إلى صناعات المواد الغذائية القائمة على الإنتاج الزراعي والحيواني، وصناعات الجلود. |
![]() |
وأقام الأمويون دورًا لسك النقود؛ الدنانير الذهبية والدراهم الفضية في عهد "عبد الملك بن مروان" وما تلاه، وهذه الصناعة صعبة؛ لأنَّها تحتاج إلى استخراج الذهب والفضة من باطن الأرض، بعد استخلاصهما مما هو ممزوج بهما من رمال ومعادن أخرى، ثم صَهْرِه وتشْكيله حسب الحاجة. |
![]() |
وإذا كان الصناعات في عصر الأمويين بسيطة، ولا تُقَارن بما وصلتْ إليه في الوقت الحاضر، فإنها كانت كافيةً ووافيةً بمتطلبات الحياة والأحياء في زمانها. |
![]() |
وقد قامت التجارةُ في أغلبها على جلب الحرير من "الصين"، والتوابل والبخور من "الهند"، وكانت هذه الموادُّ مطلوبةً على نطاق واسع في "أوروبا"، وكان العرب يقومون بدور فعَّال ونشِطٍ في عملية التجارة هذه، واستفادوا منها فائدةً كبيرة، بل إن بعضَهم مثل عَرَب "الحجاز" وبصفةٍ خاصة "قريش" كانت حياتُهم الاقتصاديةُ تقوم على التجارة، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في سورة قريش، فقال: ((لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ، إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ، فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ)). |
![]() |
وفي العصر الأموي لم يعد العربُ وسيطًا تجاريًّا، لنقل البضائع بين الشرق والغرب، وإنما أصبحوا سادةَ الموقف كله، بعد امتلاكِهم الطرقَ التجاريةَ البحريةَ والبريةَ، من "الصين" شرقًا إلى "الأندلس" غربًا، فبالإضافة إلى امتلاك المسلمين الطرق التجارية عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط وبحر العرب الذي يقع جنوب شبه الجزيرة العربية فقد بسط المسلمون سيادتَهم على الطريق الذي يبدأ من شمالي الصين، ثم يجتاز هضابَ وسَط آسيا وسهولها -بلاد "ما وراء النهر"- ثم يتفرع إلى عدة طرق، تنتهي كلها إلى موانئ "البحر الأسود" و"البحر المتوسط"، ويمر معظمُها في الأراضي الإسلامية، ثم تُنقلُ التجارةُ إلى "أوروبا الشرقية" والجنوبية، أمَّا "أوروبا الغربية" و"شمالي إفريقيا" و"الأندلس"، فكانت معظمُ تجارتِها تأتي من الطريق الأول عبر الموانئ المصرية. |
![]() |
وقد سيطر المسلمون على النشاط التجاري كله في تلك الرقعة الواسعة من الأرض، وأصبحت بلادُهم تُصدِّر البضائعَ والمنتجات إلى بلادِ الشرقِ والغرب. فتصدِّرُ إلى "الصين" المنسوجاتِ الصوفيةَ والقطنيةَ والكتانيةَ والمفروشات والمصنوعاتِ المعدنيةَ، وخامَ الحديد، وسبائكَ الذهب والفضة، كما كانوا يستوردون منها الحريرَ. |
![]() |
ولم تقتصر الأرباحُ الماليةُ التي كانت تَجنيها الدولةُ الأمويةُ على مجرد التبادلِ التجاري، بل كانت تحصُلُ على أموالٍ طائلةٍ من التجارة العابرة على هيئة رسوم جمركية، كما خَلَقَت هذه العمليةُ التجارية الواسعةُ فُرَصَ عملٍ لعشراتِ الآلاف من الناس، وبخاصةٍ في مدن الموانئ على سواحل جزيرة العرب الجنوبية والشرقية، مثل "عدن" و"حَضْرَ مَوْت" و"صُحار" و"هُرْمُز"، و"البحرين "، و"البصرة"؛ فازدهرت هذه المدنُ ازدهارًا كبيرًا، كما ازدهرت الموانئُ الأخرى المطلةُ على "البحر الأحمر"، كميناء "جدّة" و"السويس"، أو المطلة على "البحر المتوسط" من "أنطاكية" شمالًا حتى "غزة" جنوبًا، وكذلك موانيه الجنوبية في "مِصْرَ" و"شمالي إفريقيا"، مثل "دمياط" و"الإسكندرية" و"طرابلس الغرب" و"تونس". |
![]() |
وقد ساعد على ازدهار تلك الحركةِ التجاريةِ العالميةِ اهتمامُ الدولةِ الأمويةِ بإنشاء الطرق، وتعبيدِها وتأمينها، فكانت القوافلُ تسير في طرقٍ آمنةٍ، تنتشر على جوانبها الفنادق والاستراحاتُ والأسواق. |