١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


نظام القضاء

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتولى القضاءَ بنفسه في "المدينة"، ثم أَذِن لبعض أصحابِه بالقضاء بين الناس لما انتشر أمرُ الدعوةِ الإسلامية في شبه الجزيرة العربية، وكثُرت القضايا والخصومات. وكانوا يَقْضُون على أساسِ القرآن الكريم والسنة النبوية، والاجتهادِ فيما لم يردْ فيه نص من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
ومن الصحابة الذين كانوا يتولَّوْن القضاءَ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم "عُمر بن الخطاب" و"عليُّ بن أبي طالب"، و"معاذ بن جبل"، و"عبد الله بن مسعود" وغيرهم.
ولما بُويِع "أبو بكر الصديق رضي الله عنه" بالخلافة، وانشغل بمحاربة المرتدين وتوجيه الجيوش لفتح "العراق" و"الشام"، وكثُرت عليه أعباءُ الدولة؛ خصَّ "عمرَ بن الخطاب" بالقضاء في "المدينة".
وفي عهد "عمر بن الخطاب" اتسعت الدولةُ اتساعًا كبيرًا، فعيَّن قضاةً على الولايات، مثل "كعب بن سُور" على قضاء "البصرة"، و"شُرَيْح" على قضاء "الكوفة". ومن أشهر من تَولَّوا القضاءَ في عهد "عمر" رضي الله عنه: "أبو موسى الأشعري" رضي الله عنه، الذي كتب له "عمر" رسالة مشهورة، وبيَّن له فيها أهمَّ الأسس والمبادئ التي ينبغي للقاضي أن يسير عليها.

١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


وقد استمر "عثمان" و"علي بن أبي طالب" في تعيين القضاة من قِبَلِهم على الولايات.
وسار الأمويون على سنة الراشدين في تعيين القضاة على الأقاليم، وحَرصَوا على أن يكون قضاتُهم من أهل الاجتهاد والورع والتقى، ولم يتدخلوا في عملهم، وخضعوا لأحكامهم مِثْلَ غيرهم من عامة الناس.
وقد اتسعت دائرةُ عملِ القُضاة في العصر الأموي، نظرًا إلى اتساع مساحة الدولة، وكثرة المشكلات والمنازعاتِ بين الناس، مما أدَّى إلى اتساع دائرةِ الفقه الإسلامي، لأنَّ كثيرًا من أحكام القُضاة في تلك المدة أصبحت قواعدَ فقهيةً عند تدوين الفقه بعد ذلك، وكان بعضُ القضاة يسجل أحكامه في القضايا التي يفصل فيها، وأول من فعل ذلك قاضي "مصر" "سُليم التجيبي" في عهد "معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه".
ومن أشهر القضاة في العصر الأموي "أبو إدريس الخولاني، وعبد الرحمن بن حُجَيْرة"، و"أبو بُردة بن أبي موسى الأشعري"، و"عبد الرحمن بن أذينة"، و"هشام بن هُبيرة"، و"عامرُ بن شراحبيل الشَّعْبي"، و"عبد الله بن عامر بن يزيد اليحصبي"، وكثيرون غيرهم.


١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


قضاء المظالم

وهو نوع من أنواع القضاء المُسْتَعْجَل، ويتطلب البتَّ السريع في القضايا التي لا تَحتمل الانتظارَ. ويبدو أن الذي أدَّى إلى استحداث هذا النوع من القضاء هو وقوع خصوماتٍ بين أطرافٍ غيرِ متكافئة، كأن يكون أحدُ طرفي الخصومة أميرًا أو واليًا أو من عِلْية القوم، والطَّرَف الثاني من عامة الناس وبسطائهم، الأمرُ الذي يتطلب حزمًا وشدة، لردع الخَصم المتعالي.
ولم يُعمَل بهذا النوع من القضاء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا في عصر الخلفاء الراشدين؛ لأنَّ الناس كانوا في الغالب لا يتعالى أحدُهم على خَصمه؛ على حين تغيَّر الحالُ بعضَ التغيُّر في العصر الأموي، ولم يَعُد الوازعُ الديني كما كان في العهد النبوي وعصر الراشدين، ولم يَعُدْ القضاءُ العاديُّ كافيًا للفصل في جميع المنازعات، لمجاهرة بعضِ الناس بالظلم والتعالي على الخصوم، فدعت الضرورةُ إلى إنشاء هذا النوع المسمى بقضاء المظالم، وكان له ديوان يعرف بديوان المظالم، وكانت سلطته أعلى من سلطة القاضي.
ونظرًا لأهمية هذا القضاء وما يتطلبه من الحزم والهيبة، فقد كان بعضُ خلفاء "بني أمية" يتولَّونه بأنفسهم، وأولُ من جلس منهم لقضاء المظالم هو "عبد الملك بن مروان".

١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


وكما كان (قاضي المظالم) يقضي بين الأفراد عامة، فإنه كان يقضي بين الأفراد وكبار المسئولين، الذين يحيدون عن طريق العدل والإنصاف من الولاة وعمال الخراج.

الحسبة

"الحسبة" نظام إسلامي يقوم بالإشراف على المرافق العامة، ومنع أي انحراف، وعقابِ المذنبين، وهو وظيفة دينية شبه قضائية، عَرَفها التاريخ الإسلامي من بدايته. وتقوم هذه الوظيفة على فكرةِ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، امتثالًا لقوله تعالى: ((وَلْتَكُن مِنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)) [آل عمران: ١٠٤].
والأصلُ في هذا النظام الإسلامي هو قيامُ الناس جميعًا بهذا الواجب الذي هو من فروض الكفاية، لكنَّ الدولةَ الإسلاميةَ لم تَدَعْ ذلك الأمرَ للأفراد، خوفًا من حدوث فتن ومشاحنات، وإنما نظَّمْته، وجعلْته وظيفةً خاصةً، لها مسئولُ، ويعاونه عددُ كبيرُ من الناس.
ولا يعني تنظيمُ الدولة لوظيفة "الحسبة" مَنْعَ الأفراد من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ بل من واجبهم القيامُ بهذا، بشرط أن يكون القائمُ به عالمًا فقيهًا، وألا يؤدّى أمرُه بالمعروف إلى منكر، ونهيُه عن المنكر إلى منكرٍ أشد، وأن يكون عملُه عن طريق النصيحة.

١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


ولما لم يكن من طبيعة الناس كلِّهم الاستجابةُ إلى النصح بالتي هي أحسن، فقد نشأت وظيفة "المحتسب"، واشتُرط فيمن يتولى هذه الوظيفة أن يكون من أهل الهيبة، ليضرب بقوة على أيدي العابثين بأمن المجتمع، والذين لا يراعون أصول الشريعة ومبادئها في سلوكهم ويضايقون الناسَ بأقوالهم وأفعالهم.
ولم يقتصر عملُ "المحتسب" على ضبط سلوك العامة، ومراقبة أعمالهم، وإنما شمل كبارَ موظفي الدولة، لحَمْلهم على أداءِ عملِهم على أفضل ما يكون، ومَنْعِهم من الفساد والتعدّي على الناس وقَبول الرشوة، وغير ذلك.
وبدأ نظام الحسبة مع بداية الدولة الإسلامية، مثل غيره من النُّظُم التي سبق الحديثُ عن بعضها، فقد ثبت أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم كان أول من باشر عملَ "المحتسب" بنفسه، مما يدل على أهميته فقد روى مسلم في صحيحه عن "أبي هريرة" رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على رجل يبيع القمح في سوق "المدينة" وأمامه صبرة -كومة كبيرة- فأدخل فيها يده الشريفة، فأصابت بِلَلًا، فقال: ((ما هذا يا صاحبَ الطعام؟)). فقال: أصابتْه السماءُ يا رسول الله. فقال صلى الله عليه وسلم: ((أفلا جعلتَه فوق الطعام كي يراه الناس؟ مَنْ غَشَّ فليس منَّا)).
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يُعيِّن من الصحابة مَن يقومُ بهذا العمل ويراقب الأسواقَ لمنْع الغشِ في كل شيء، فكلَّف "عمرَ بن الخطاب" بمراقبة سوق "المدينة المنورة"، وعيَّن "سعيدَ بنَ العاص" لمراقبة سوق "مكة" بعد فتحها.

١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


وقد استمر الخلفاء الراشدون يباشرون عمل "المحتسب" بأنفسهم أحينًا، وينيبون غيرهم للقيام به في أحيان أخرى. ولما اتسعت الدولةُ الإسلامية في عصر "بني أمية"، عجز الخلفاء عن القيام بعمل "المحتسب" بأنفسهم؛ لانشغالهم بمهامٍ كثيرةٍ سياسية وإدارية وعسكرية، وخصصوا لهذا العمل مَنْ يقوم به، وأصبح نظامُ "الحسبة" ووظيفةُ "المحتسب" مِن أهم النُّظُمِ الإسلامية التي تعمل على راحة الناس وسلامة المجتمع، وتنقيته من كل المفاسد.
وقد امتدَّ عملُ "المحتسب" إلى كل مجالات الحياة تقريبًا، وقد لخَّص "ابنُ خَلدون" في (مقدمته) اختصاصات "المحتسب" فقال: ويبحث المحتسب عن المنكرات، ويُعزِّز ويؤدب على قدرها، ويَحْمِلُ الناسَ على المصالح العامة في المدينة، مثل المنع من المضايقة في الطرقات، ومنع الحمَّالين وأهل السفن من الإكثار في الحمل، لئلا تغرق السفينة بمن فيها، والحكمِ على أهل المباني المتداعية للسقوط بهدمها، وإزالة ما يتوقَّع من ضررها على السابلة -أي المارة في الطريق- والضرب على أيدي المعلّمين في المكاتب وغيرها في الإبلاغ -أي المبالغة- في ضربهم للصبيان المتعلمين وله النظر والحكم فيما يصل إلى علمه من ذلك، ويرفع إليه، وفيما يتعلق بالغشِّ والتدليس في المعايش وغيرها، وفي المكاييل والموازين، وله أيضًا حمل المماطلين على الإنصاف، وأمثال ذلك مما ليس فيه سماع بيِّنة، ولا إنفاذ حكم، وكأنها أحكام ينزَّه القاضي عنها لعمومها، وسهولة أغراضها، فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها، فَوضْعُها على ذلك أن تكون خادمة لمنصب القضاء".

١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


وإذا نظرنا إلى عمل "المحتسب" في ضوء النظم الحكومية المعاصرة نجده موزعًا بين العديد من الوزارات والهيئات، مثل وزارة التموين، والصحة، والصناعة، والتعليم، والزراعة، والداخلية، والنيابة العامة، ومصلحة الدمغة، والموازين، والمرافق بمختلف أنواعها.

الشرطة

يُعدُّ جهاز "الشرطة" من أقدم الأجهزة في الدولة الإسلامية، فقد عُرِف منذ عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم، وكان له "صاحبُ شرطة" -أي رئيس لها- فروى البخاري عن "أنس بن مالك" أنه قال: "كان قيسُ بن سعد بن عبادة من النبي صلى الله عليه وسلم بمنزلة صاحب الشرطة من الأمير".
ومن الذين عُرِفوا بالقيام بوظيفة الشرطي في "المدينة" في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم: "سعد بن أبي وقاص"، و"بُدَيْل بن ورقاء".
واستمرَّ الخلفاءُ الراشدون في الاستعانة ببعض الصحابة للقيام بعمل الشرطي؛ حتى يستقر الأمن، ويُحفظ النظام، وتعقبًا للجناة والمفسدين في الأرض، وتنفيذًا للأحكام والحدود التي يَحْكمُ بها القضاةُ.

١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


وقد ازدادت أهميةُ جهازِ الشرطة في الدولة الأموية، نظرًا إلى الظروف التي كانت تحيط بها، وكثرةِ الخارجين عليها والثائرين ضدها، فتوسَّعتْ في استخدام "الشرطة"، حتى أصبحَ جِهازًا من أكبر أجهزة الدولة، قادرًا على حفظ الأمن وتطهيرِ البلاد من عناصرِ الفساد والعبثِ بالنظام العامِ للمجتمع.
وحَرصَ الأمويون على اختيار رجال شرطتهم من أهل الشرف والبأس الشديد، والعِفّة والمروءة والحزْمِ، وأعطوا "صاحبَ الشرطة" الحريةَ التامة في اختيار معاونيه، ليؤدُّوا مُهمتَهم على الوجه الأكمل، فيُروى عن "الحجَّاج بن يوسف الثقفي" والي "العراق" والمشرق الإسلامي أنه قال: "دلوني على رجل للشرطة"، فقيل له: "أي الرجال تريد؟" قال: "أريده دائمَ العُبُوس -أي جاد في ملامحه- طويلَ الجلوس، سمين الأمانة أعجفَ الخيانة -أي لا يخون" فقيل له: "عليك بعبد الرحمن بن عُبيد التميمي"، فأرسل إليه يستعمله على "الشرطة"، فقال: "لستُ أقبلُها إلا أن تَكْفِيني عِيالَك وولدَك وحاشيَتَك"، فقال "الحجاج": "يا غلام نادِ في الناس: من طلب إليه منهم حاجةً فقد برئتْ منه الذمة".
ويعلِّق "الشَّعْبي" راوي هذا الخبر بقوله: "فوالله ما رأيتُ صاحبَ شرطة قط مِثْلَه، كان لا يحبس إلا في دينٍ -أي من أجل المخالفة لتعاليم الدين- وكان إذا أُتي برجل قد نقَّب على قوم وضع مِنْقَبَتَه في بطنه حتى تخرج من ظهره، وإذا أُتي بنبَّاش حفر له قبرًا فدفنه فيه، وإذا أُتي برجل قَاتَلَ بحديدةٍ أو شَهَر سلاحًا قطَعَ يده، وإذا أُتِي برجل قد أَحرق على قوم منزلَهم أحرقه، فكان ربما أقام أربعين ليلة لا يُؤْتَى بأحد -لخوف الناس منه لشدته وهيبته- فضم إليه الحجاج شرطةَ البصرة مع شرطة الكوفة".


١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


الحاجب

"وظيفة الحاجب" من الوظائف المهمة في الدولة الإسلامية، وهي وثيقة الصلة بدار الخلافة، واخْتُصَّ صاحبُها بدار الخليفة وحجابتها فينظم مواعيد الخليفة، ويعرض الأعمالَ عليه، وينظم دخولَ القادمين لمقابلته من كبار رجال الدولة والأمراء والوزراء والقادة، فهي أشبه بوظيفة "رئيس ديوان رئاسة الدولة" في النظم الحديثة والمعاصرة.
وهذه الوظيفة من مستحدثات الدولة الأموية، لأنَّها لم تكن معروفةً في عهد الخلفاء الراشدين. وأولُ من اتخذ الحُجَّاب معاويةُ بن أبي سفيان، وتبِعه بعد ذلك خلفاءُ بني أمية.
أما الدافعُ إلى إنشاء الحِجابة كما يقول ابن خلدون -فهو خوفُ الخلفاء على أنفسهم بعد حادث مقتل علي بن أبي طالب على أيدي الخوارج، ومحاولةِ الاعتداء على معاويةَ وعمرو بن العاص، ثم لازْدِحامِ ذوي الحاجات وشَغْلِهم السلطانَ عن النظر في شئون الدولة.
وقد حَرصَ خلفاءُ "بني أمية" أن يكون حُجَّابُهم من أهل بيتهم، أو من أقرب الناس إليهم من أهل الشرف والحسب والنسب، ومن ذوي الفقه والرأي، والثقافة العالية، والعلم الغزير؛ لأنهم اعتبروا "الحاجب" يمثل وَجْهَهَم الذي يطالعون به الناسَ، ولسانهم الذي يتحدثون به إليهم، كما حَرصوا أن يكون حُجَّاب ولاتِهم في الأقاليم على المستوى نفسه. ولم تلبث الحِجابةُ أن أصبحتْ مركزًا مهما؛ لأنَّ الحاجبَ...

١.٢١ نظم القضاء والحسبة والشرطة والحِجَابة في العصر الأموي


...كان له حقُّ التمييز بين الوافدين على الخليفة فيُقرِّب من يشاء، وإن كان من واجبه أن يراعي مقامَ الناس وأهميةَ أعمالهم. ولذلك كان بعضُ خلفاء بني أمية يحتاطون للأمر فينبهون على الحاجِبِ، كقول عبد الملك بن مروان لحاجبه: "لقد وليتُك حجابةَ بابي إلا عن ثلاثة: المؤذّنِ للصلاة، فإنه داعي الله، وصاحبِ البريد، فأمرُ جاء به، وصاحبِ الطعام لئلا يَفْسَدَ".