٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
|
...اللغة العربية ويشكل خطرًا يهددها، وبالتالي كان يُضْعِفُ من تكوين الدولة الإسلامية.
|
 |
وقد شَعُر عبدُ الملك بتعارضِ هذا الوضع مع شخصية الدولة العربية الإسلامية، التي كان يرأسها ويرعاها، وكان هو مهتمًّا بالإشراف على جميع شئون الدولة، وحريصًا على أن تبلغ الإدارةُ درجةً عالية من الكفاءة والدقة والانتظام، ووجد -من الناحية العلمية- أنَّ هذا لا يمكن أن يتمَّ ما دامَ هؤلاءِ الموظفون غريبين عن الدولة، وما دامت اللغاتُ التي يستعملونها في الأعمال والمكاتبات الرسمية هي لغاتٌ أجنبية، قرر عبدُ الملك إزالةَ هذا الوضع الشاذ، وأصدر أوامره بتحويل الدواوين إلى اللغة العربية، فتكونَ هي اللغةَ الرسميةَ الوحيدةَ في جميع الدواوين، وفي الدولة كلِّها. وهذه الحركةُ تسمى في كتب التاريخ بحركة: "تعريب الدواوين"، وكانت لها نتائجُ عظيمة بعيدةُ المدى.
|
 |
وكان رئيسُ ديوان الخراج بدمشق يُسمَّى "سَرْجون بن منصور الرومي"، وكان محتكرًا لهذا العمل منذ عهد معاوية، فأمر عبد الملك شخصًا عربيًّا هو "سليمان بن سعد الخشني" الملقب أبا ثابت، أن يقوم بتحويل الديوان من الرومية إلى العربية. فقام سليمان بذلك منذ (سنة ٨١ هـ)، وأتم التعريب بعد سنة، وكان عبد الملك قد جعل له خَراج الأردن مكافأةً له في مقابل هذا العمل. ولما أتم هذه المهمة، عزل الخليفة عبدُ الملك منصور بن سَرْجون وتولى سليمانُ رئاسةَ الديوان، وحينئذ قال منصور لُكتَّاب الروم: "اطلبوا المعيشة من غير هذه الصناعة". وأمر عبد الملك بتحويل جميع دواوين الشام على هذا النحو.
|
٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
 |
وكان رئيسُ ديوانِ العراق يسمى "زاذانَ فرُّوخ" -وهو فارسي- وكان محتكرًا لهذا العمل من أيام يزيد بن عبد الملك، وقُتل في أثناء فتنة عبد الرحمن بن الأشعث في عام (٨٢ هـ). وجاء قَتْلُه في الوقت الذي اتجهت فيه الدولةُ إلى تعريب الدواوين، وصدر الأمر بذلك من الخليفة عبد الملك. فعيَّن "الحجَّاجُ" بدلًا منه صالحَ بنَ عبد الرحمن، وأمره بتحويل ديوان العراق من الفارسية إلى العربية. وكان صالح يجيد اللغتين معًا، وحدَّد الحجاج له أجلًا لينهي عمله. فأتم مهمته بنجاح. وقد تخرج على يد صالح هذا أكثرُ كُتَّاب العراق، ولذا كان عبدُ الحميد الكاتب يقول: "لله دَرُّ صالح، ما أعظمَ مِنته على الكُتَّاب".
|
 |
وكذلك تم تحويلُ ديوانِ الخَراجِ أيضًا في مصر، من اليونانية والقبطية إلى اللغة العربية، ولكن في وقتٍ بعد هذا أمر بتحويله عبدُ الله بن عبد الملك بن مروان في آخر عهد أبيه. ثم تم تحويلُ جميع الدواوين في سائرِ أنحاءِ الدولة إلى اللغة العربية، في أوقات لاحقة.
|
 |
بذلك أصبحت اللغةُ العربيةُ هي لغةُ جميعِ الدواوين، ولغةُ الدولة. وكانت كبرى نتائج ذلك إبطالُ تلك اللغات الأجنبية، فتحقق نصرُ اللغة العربية عليها. وكان تعريب الدواوين سبيلًا إلى تعريب الجاليات والأقاليم، فكان هذا من أكبر العوامل في انتشارِ اللغةِ العربية. ولما كانت هي اللغةَ التي تؤدي إلى الوظائف والمناصب العالية فقد أصبحت لها المكانةُ الممتازة، وأقبل الموالي وغيرُهم على تعلُّمِها وإتقانِها، فتكونت في الدواوين طبقاتُ من الموظفين المثقفين الذين حَصَلوا على قدرٍ من الثقافة العربية، ونَبَغُوا في الكتابة والآداب العربية. ومن أظهر الأمثلة في ذلك: عبد الحميد الكاتب في عهد بني أمية ثم كبار الكُتَّاب في عهد بني العباس.
|
٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
 |
ولم يقتصر جهدُ عبد الملك بن مروان على تعريب هذه الدواوين فحسب، بل أراد أيضًا أن يُتِمَّ تعديلَ هذه الدواوين، لتناسبَ تطورَ الدولةِ الإسلامية؛ "ذلك أن الدفاتر والسجلات التي تكتب فيها مقادير الجزية كانت تحدد أهل الذمة في الأماكن القديمة التي كانوا يسكنونها في الماضي، وقد غير قسم منهم مكان إقامته، فاضطرب الديوان، فينبغي أن تغير أماكنُهم في السجلات، وهكذا أحدث عبد الملك ما سُمِّي بالتعديل، أي أنه أمر أن يُسجَّلَ أهلُ الذمة بأسمائهم وأولادهم وما يملكون في مكان ولادتهم، وكانت نتيجةَ ذلك أن جُدِّد السجلُ تجديدًا يلائم العصرَ من الناحية اللغوية ومن الناحية الفعلية الواقعية معًا، وكأنَّ سِجلّ الجزيةِ أصبح في الوقت نفسه سِجِلَّ الأحوالِ المدنيةِ لأهل الذمة".
|
سك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها (إصدار الدينار العربي الإسلامي)
 |
يعرِّف العلماءُ السَّكّة بأنها: هي آلة من حديد تطبع عليها الدراهم، ولذلك سميت الدراهم المضروبة سكة، ويعرفها ابن خلدون من خلال تطور معناها فيقول: إنها الخَتْمُ على الدنانير أو الدراهم المتعامل بها بين الناس بطابع من حديد ينقش فيه صور وكلمات مقلوبة ويضرب بها على الدينار أو الدرهم، فتخرج رسوم تلك النقوش عليها ظاهرة مستقيمة.
|
٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
 |
ولفظ السكة كان اسمًا للطابع وهي الحديدة المتخذة لذلك، ثم نقل إلى أثرها وهي النقوش الماثلة على الدنانير والدراهم ثم أُطلق هذا اللفظ على وظيفة القيام بعملية سك العملة، والنظر في استيفاء حاجاتها وشروطها وهي الوظيفة، فصار هذا اللفظ اسمًا للوظيفة في عرف الدول، وهي وظيفة ضرورية للمُلك، إذ بها يتميز الخالص من الغشوش بين الناس في النقود عند المعاملات، ويتَّقون في سلامتها الغشَّ بختم السلطان عليها بتلك النقوش المعروفة.
|
 |
وقد تجمعت أسباب وعواملُ عديدة تشير كلُّها إلى وجوب حدوثِ تطورٍ كبيرِ في نظامِ العُملةِ المتعارفِ عليه في العالم الإسلامي، بعد أن اتسعت رقعتُه ذلك الاتساعَ الكبيرَ، واستقرت أحوالهُ الداخليةُ بعد مُضِيّ مدة من خلافة عبد الملك بن مروان:
|
٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
أنَّ العالَمَ الإسلاميَّ كان يتعامل حتى ذلك الوقت بالعُملة المالية الفارسية والرومية، من دراهمَ ودنانير. وهذه العُمْلاتُ الماليةُ قد تناقصت كِمياتُها المتداوَلَة بشكلٍ يثير القلقَ بعد انهيار الإمبراطورية الفارسيةِ واضطرابِ الأحوالِ في إمبراطورية الروم، فلم يَعُدْ حَجْمُ هذه العُمْلاتِ المتوافرِ يكفي لتغطيةِ النشاط التجاري والاقتصادي والحاجةِ الماليةِ للدولة الإسلامية الواسعةِ والنشيطة، وكان الغِشُّ والتزييفُ قد انتشر في الدراهم منذ أواخرِ عهدِ الدولة الفارسية، وكذلك كان حالُ الدنانيرِ الرومانيةِ إثْرَ اضطرابِ أمور الدولة منذ زمنٍ بعيد، وفسادِ ذمِمِ بعض المتعاملين بها من العرب أنفسِهم، وممن دخل في دولتهم، فأدى ذلك إلى أضرار وخيمة منها: "هبوطُ قيمةِ العملةَ وارتفاعُ أسعار الحاجيات، وزوالُ الثقة المالية، ومن أهمها الغَبْنُ الذي يقع على الدولة في استيفاء حقوقها من الموارد، فيؤدي ذلك إلى نقص كمية الخَراج".
أنَّ الاختلاف في الأنظمة المالية السائدة في الدولة الإسلامية من نظم مالية فارسية وبيزنطية كان سببًا في الاختلاف الواضح بين أحكام الجزية والخراج وعشور الأرض وعشور التجارة في العراق وفارس عنها في الشام ومصر، مما قد يُسبب بعضَ الصعوبات الاقتصادية، وكانت هذه العملاتُ مختلفةَ الأوزانِ والقيمة، دون أن يكون هناك مقياس ثابت موحَّد في جميع أنحاء الدولةِ يمكنُ به أن تُحدَّد النِّسبُ بينها، مما كان يسبب عائقًا للنشاط التجاري، ويشكل حَرجًا وصعوبةً للمسلمين حين يريدون دفع الزكاة.
أنَّ بعضَ الخارجين على الدولة كانوا يسارعون بسك عُمْلاتٍ خاصةٍ بهم ومن هؤلاء "قَطري بن الفُجاءة" -وهو من قادة الخوارج- و"عبد الله بن الزبير"، وأخوه "مصعب" وغيرهم؛ كمظهر من مظاهر السيادة وتكريس الوجود والسيطرة السياسية.
أنه لم يَعُدْ مما يليق بدولة الإسلام الواسعة والقوية ألا يكون لها عملتُها الخاصة التي ترمز إلى استقلالها الاقتصادي وعزتها السياسية.
٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
 |
كل هذه العوامل كانت تتجمع لتشكل حافزًا إلى ضرب سَكَّة إسلاميةٍ خاصةٍ، يتعامل بها المسلمون جميعهم، وتكونُ أساسَ نظامهم المالي، غيرَ معتمدين في ذلك على غيرهِم من الدول والشعوب، وكان الذي فعل ذلك على الوجه الشامل هو الخليفة عبد الملك بن مروان في الشام سنة (٧٤ هـ)، ثم أمر بتعميمها في جميع النواحي سنة (٧٦ هـ).
|
 |
وقد سبق وأن قام عمر بن الخطاب، وعثمان، ومعاوية بن أبي سفيان وبعض عماله، وابن الزبير وأخوه مصعب -قاموا بجهود محدودة في ضرب بعض العملات، ولكنها لم تكن جهودًا شاملة ضمن خطة واضحة لإحلال عملة عربية موحدة محل ما عداها من عملات. وهذا يعني أنَّ المؤرخين إذا قالوا: "إن عبد الملك هو أول من نقش الدراهم والدنانير"، فإنَّ ذلك محمول على أنه هو أول من ضربها بالعربية في الإسلام، كما قال مالك رحمه الله: "أول من ضرب الدنانير عبد الملك، وكتب عليها القرآن" وقال سعيد بن المسيَّب: "أول من ضرب الدراهم المنقوشة عبد الملك بن مروان، وكانت الدنانير والدراهم قبل ذلك رومية وكسرويه".
|
 |
أما السبب المباشر والقريب والذي احتفى به بعض المؤرخين والرواة فجعلوه سببَ تعريب العملة وسكَّها في دار الإسلام فهو أنه في نطاق المبادلات التجارية بين الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم، كانت القراطيس تدخل بلادَ الروم من أرض مصر وفي مقابل ذلك الدنانير تأتي إلى العرب من قِبَل الروم، فكان عبدُ الله أولَ من أحدث الكتابَ الذي يُكتب في رءوس الطوامير (الصحائف) مثل: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) وغيرها مِن ذِكرْ الله، فكتب إليه ملِكُ الروم: "إنكم أحدثتم في قراطيسكم كتابًا نكرهه، فإن تركتموه وإلا أتاكم في الدنانير من ذِكْر...
|
٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
|
...نبيكم ما تكرهونه"، فكَبُر ذلك في صدر عبد الملك أن يدع سُنَّة حسنةً سنَّها، فاستدعى خالدَ بن يزيد بن معاوية وقص عليه الخبر، فقال خالد: "يا أمير المؤمنين، حرِّمْ دنانيرهم فلا يُتعامل بها، واضربْ للناس سكَكًا، ولا تُعفِ هؤلاء الكفرةَ مما كرِهوا في الطوامير". فقال عبد الملك: "فرَّجْتَها عني فَرَّج الله عنك"، فقام بسكِّ الدنانير. قال عوانة بن الحكم: "وكانت الأقباط تذكر المسيح في رءوس الطوامير وتنسبه إلى الربوبية، تعالى الله علوًّا كبيرًا، وتجعل الصليب مكان "بسم الله الرحمن الرحيم" فلذلك كرِه ملِكُ الروم ما حدث، واشتدَّ عليه تغييرُ عبد الملك ما غيَّره" وبذلك أرضى عبدُ الملك غيرته الإسلامية وحميته الدينية، فضرب الدينار والدراهمَ، وجعلهما "على شكلين مُدَوَّرين، والكتابةُ عليهما في دوائر متوازية، يُكتب فيها من أحد الوجهين أسماءُ الله تهليلًا وتحميدًا وصلاةً على النبي صلى الله عليه وسلم وآله، وفي الوجه الثاني التاريخ واسم الخليفة". ويقول مصعب الزبيري: "كتب عبدُ الملك على الدنانير: ((قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)) وفي الوجه الآخر ((لَا إِلَهَ إِلَّا اللهَ))، وطوَّقه بطوق فضة، وكتب فيه "ضُرب بمدينة كذا" وكتب خارجَ الطوق "محمدٌ رسول الله أرسله بالهدى ودين الحق".
|
 |
ولم يكتفِ عبدُ الملك بتعريب العملة؛ بل وَحَّد عِيارها ووزْنها، وجعل وزن الدرهم العربي أربعةَ عَشرَ قيراطًا من قراريط الدينار العزيز، فصار وزنُ كل عشرة دراهم دينارًا".
|
٣.٢٠ تعريب الدواوين، وسك العملة الإسلامية الموحدة وتعريبها
 |
ولما صدرت العملةُ الإسلاميةُ وكثُرت أمر عبدُ الملك بمنع التعامل بالنقود الأجنبية الرومية والفارسية التي كان أكثرُها مغشوشةً، وجُمعتْ من الأسواق، وأُعيد سَبْكُها وطَبْعُها على النسبة الجديدة، وهكذا انتهى التعاملُ نهائيًّا بالنقود الأجنبية، وصارت العملةُ الرسميةُ المعتَرفُ بها منذ ذلك الحين هي العملةُ العربيةُ الإسلاميةُ الصحيحةُ: الدينارُ العربيُّ الذهبُّي الخالص، والدِّرْهمُ الإسلاميُّ الفِضِّيُّ الخالص، والوَحْدَاتُ اللائي ينقسمن إليها، وأصبحت منزلة هذه العملةُ أشرفَ منزلة؛ لأنها كانت تمثل أعلى درجة في الجودة والنقاء.
|
 |
هذا، وقد تشدد الخليفة عبدُ الملك وخلفاؤُه من بعده والولاةُ في تَعَقُّب أيةِ محاولةٍ لغشِّ النقود وتزييفها، ومعاقبةِ مَن يثبتُ عليه ذلك.
|