![]() |
وكان من الطبيعي عندما قامت الدولة الأموية أن يتوسع الأمويون في إنشاء الأجهزة الإدارية والدواوين لملائمةِ تطورِ الحياةِ واتساعِ مساحةِ الدولةِ الإسلاميةِ المتزايدة. وهذه الدواوين تقوم بالأعمال والاختصاصات التي تقوم بها الوزاراتُ المختلفةُ في الدول المعاصرة. |
![]() |
وقد عُرِف عن خلفاء بني أمية َ-وبصفة خاصةٍ المؤسسين الكبار منهم- مثل: معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، وعبد الملك بن مروان -رحمه الله- عُرف عنهم حِرصُهم على حُسْن إدارة الدولة الإسلامية، والسَّهَرِ على مصالح الرعية، فلم يدَّخِروا وسْعًا في اقتباس الأساليب الإداريةِ النافعةِ لتطبيقها، وإنشاء الدواوين والأجهزةِ بإدارةِ الدولة. |
![]() |
والديوانُ كلمةُ فارسيةُ معناها "السِّجِل" أو "الدَّفْتر" الذي يُدوَّن فيه الأسماءُ وتقاريرُ الأموال. وأُطلِقتْ الكلمةُ مجازًا على المكان الذي يجتمع فيه الكُتَّاب والموظَّفون المختصون بالعمل في هذه السجلات. ويُعرِّف الماوردي الديوانَ بقوله: "موضع لحفظ ما يتعلق بحقوقِ السلطنة من الأعمال والأموال ومَن يقوم بها من الجيوش والعمال". |
![]() |
وأولُ من أنشأ الدواوين في الدولة الإسلامية هو الفاروقُ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه بسبب كثرة الأموال التي أخذت تتدفق على الدولة الإسلامية، من غنائمِ الفتوحات، ومن مواردَ أخرى، كالصدقات وغيرها. ومن الدواوين التي أنشأها عمررضي الله عنه: "ديوانُ... |
| ...القضاء" لتنظيم توزيع الأموال على الناس، بحسب السابقة في الإسلام، والمفاضلةِ بينهم. ومن هذه الدواوين أيضًا: "ديوانُ الجند" -ويطلق عليه أيضًا "ديوانُ الجيش"- لتسجيل أسماء المقاتلين بحسب القبائل، وتنظيم عطاءاتهم ورواتِبِهم العسكرية. |
![]() |
وأنشأ عمر رضي الله عنه كذلك "ديوانَ الخَراج"، وهو يشبه وزارةَ الماليةِ في عصرنا الحاضرة، ومَهَمَّتُه هي: جَمْعُ الموارد المالية للدولة، مثل غنائم الفتوحات، وخراج الأراضي المزروعة، وأموالِ الزكاة وعُشُورِ التجارة. وقد تطور "ديوانُ الخراجَ" واتسع نطاقُ عمله باتساع الدولة في العصر الأموي. |
![]() |
ولما قامت الدولةُ الأمويةُ واتسعت، دَعَتْ الضرورة إلى إنشاء دواوينَ أخرى رئيسةٍ، مثلَ "ديوان البريد"، و"ديوان الخاتم"، و"ديوان الرسائل"، و"ديوان العمال"، ودواوينَ أخرى كديوان "الطّراز"، وديوان "الصدقات". وها هو بيان بأهم هذه الدواوين: |
![]() |
فكان معاوية ُ بنُ أبي سفيانَ رضي الله عنه أولَ مَن اتخذه في الدولةِ الإسلامية، وإن كان أصلُه في الواقع موجودًا منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، حيث كان يبعث بكثير من الرسائل إلى الملوك والأمراء المعاصرين له، ولكن معاويةَ أنشأ لهذا النوع من العمل ديوانًا خاصًّا، وجعل له موظفينَ معينين. |
![]() |
لمنع التزوير والتلاعب في مراسلات الدولة، وولَّى عليه عبدَ الله بنَ مِحْصنٍ الحِمْيَري، وتذكرُ المصادرُ السببَ في نشأة هذا الديوان، وهو أن معاويةَ رضي الله عنه أمر لعمرو بن الزبير في قضاء ديتَّه بمائةِ ألف دينار، وكتب بذلك إلى زياد بن أبي سفيان (الوالي على العراق) ففضَّ عَمْرو الكتابَ، وصيَّر المائةَ مائتين، فلما رفع زيادُ حسابَه أنكرها معاويةُ وطلبها من عمرو بن الزبير وحبسه فأداها عنه أخوه عبد الله بن الزبير فأحدث معاوية عند ذلك "ديوان الخاتم" وحَزْمَ الكتبِ، ولم تكن تُحْزَم. |
![]() |
ويختص هذا الديوانُ بحفظ نسخةٍ من المراسلات التي كانت تدور بين الخليفةِ وولاتهِ وكبارِ رجالِ الولاة في الداخل، أو بينه وبين غيره من الحكام الأجانب بعد خَتْمها بخاتَمٍ خاص، وهو بذلك أشبهُ ما يكون بإدارة الأرشيف في النظم الإدارية الحديثة. |
![]() |
وكانت النسخةُ المرسلة تُطْوَى وتُغْلَقُ بالشمع وتُحْزَمُ بالخيط، حتى لا يمكن فَتْحُها والاطلاعُ على محتوياتها إلا عند الضرورة. وقد كان خَتْمُ الرسائلِ بخاتَمٍ خاصٍّ معروفًا في الدولة الإسلامية منذ عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وعهد الخلفاء الراشدين، لكنَّ معاويةَ رضي الله عنه طوَّر تلك البداياتِ طبقًا لمقتضيات العصر، واتساع رقعةِ الدولة، وكثرةِ المراسلات المتبادلة. |
![]() |
وكان مختصًّا بصياغة الكتب والرسائل والعهود التي كانت تَصْدُرُ عن الخلافة إلى الولاةِ والعمالِ في داخل الدولة، وتُلَقَّى المكاتباتُ التي تصل منهم، ويقوم ُموَظَّفوه بعرضها على الخليفة. |
![]() |
وكان كُتَّابُ هذا الديوانِ يُختارون بعناية من بين المشهورين بالبلاغة والفصاحةِ والعلم بالشريعة وأحكامها، واللغةِ العربية وآدابها، ومن أصحاب المروءةِ والأخلاقِ الفاضلة، وكان يُراعَى فيهم أن يكونوا من أرفع الناس حَسَبًا ونَسَبًا. |
![]() |
ومن أشهر الكُتَّاب في العصر الأموي: عبدُ الحميد بن يَحْيى الكاتب، وأصلهُ من الموالي، والموالي ليسوا من العرب، وإنما هم من الأعاجم الذين أسلموا، وأسلم آباؤهم. وكان بنو أمية كثيرًا ما يعتمدون على الموالي في كتاباتهم ودواوينهم، فلم تمنعهم أصولُهم من أن يتولوا أهمَّ مناصب الدولة. وكان عبد الحميد كاتبًا لمروان بن محمد آخرِ الخلفاء الأمويين (١٢٧ - ١٣٢ هـ) وهو الذي صاغ الشروطَ والمواصفات التي يجب أن تتوفر فيمن يتولى هذه المهمةَ الجليلةَ بين يدي الخلفاءِ والأمراءِ في رسالة وجهها إلى الكُتَّاب، يعتبرها المؤرخون أحسنَ ما كُتب في هذا الباب. |
![]() |
واخْتُصَّ ديوانُ الرسائل -بالإضافة إلى ما سبق- بقيامه بالعلاقات الخارجية مع الدول الأجنبية، وإشرافه على الوفود التي كانت تأتي من الخارج، لعقد معاهدةٍ أو تبادل منافع، كما كان يشرف على الوفود التي كانت تُرسِلُها الدولةُ الأمويةُ إلى الخارج، وإعدادِها الإعدادَ الكافي، وهذا يعني أن هذا الديوانَ كان أشْبَهَ بديوان رئاسة الدولة والديوان الملكي، وإدارةِ المراسمِ والعلاقاتِ العامةِ في الدول المعاصرة. |