![]() |
كان "القُوطُ" -وهم قبائل جرمانية- آخر الشعوب التي حكمت "إسبانيا" في الفترة ما بين أوائل القرن الخامس الميلادي إلى أن فتحها المسلمون (سنة ٧١١ م)، أي حكموها قرابة قرنين من الزمان. وقد اتخذوا من مدينة "طُلَيْطلة" -في شمال البلاد- عاصمة لهم. |
![]() |
وفي السنوات الثلاثين الأخيرة من حكم القوط في "إسبانيا" أساءوا الحكم بين الرعية، وكانت هذه الفترة مشحونةً بالفوضى والاضطرابات، وأصاب المدنَ اضمحلالُ عامٌ نتيجة لاضطراب أمور الدولة، وعدم الإحساس بالأمن، وسوءِ الأحوال المعيشية وسياسةِ الاستغلال. ويرجع السبب في ذلك إلى كثرة المنازعات والصراع بين الطبقات والحاكمين، وفيما بين الحكام القوط أنفسهم، إضافة إلى تفكك المجتمع الإسباني. وبعبارة مجملة: كانت إسبانيا قبل الفتح الإسلامي تشكو الفشلَ السياسي، والتأخرَ الاقتصادي، والتفككَ الاجتماعي، والظلمَ الطبقي. |
![]() |
وقبل الفتح بسنة واحدة -أو تزيد- قام أحدُ رجال الجيش -ويُدعى "رُودريك" (Rodrigo)- ويُعربِّه العرب إلى "لُذْريق"- بالاستيلاء على السلطة، وعَزْلِ الملك "غِيطشَه" (Witiza) وأصبح الحاكمَ الفعلي للبلاد، واتبع سياسةً ظالمة، فتغيرت قلوبُ الناس عليه،... |
| ...واشتعلت ضده نيران الثورات في "طُلَيْطلة" وغيرها، يقودها أتباع الملك السابق وأفرادُ أسرته حيث كانوا يتحينون الفرصةَ لاستعادة مُلكهم، وقد وجدوها في الفتح الإسلامي، فلجئوا إلى المسلمين للاستعانة بهم. |
![]() |
بعد أن اغتصب "لُذريق"عرشَ إسبانيا أمعن في مطاردة أفراد بيت الملك "غِيطشَه" وتتبع أنصاره بالأذى، ففروا من إسبانيا والتمسوا سبل النجاة، إمَّا إلى أقصى الشمال، أو إلى مدينة "سَبْتَة" وهي ولاية إفريقية تابعة للقوط، وكانت حصنًا منيعًا من الحصون الإفريقية التي لم يخضها المسلمون بعد، كما كانت ثغرًا له قيمته على مضيق جبل طارق. ويبدو أن حاكم "سبتة" آنذاك -ويُدعى "يُلْيان" (Julian) كان من أنصار الملك "غِيطشَه" وأنه كان يدين له بالولاء. ويقال: إنه كان يمتُّ بصلة القرابة والنسب إلى أسرة الملك، فلما انتزع "لُذْريق" عرش إسبانيا من أصحابه عمد "يُلْيان" -بمعاونة أنصار الملك المخلوع وأقربائه- إلى استرجاع مُلْكهم، مستعينًا في ذلك بالمسلمين الذين دانت لهم بلاد الشمال الإفريقي، وكان ذلك مقدمة الفتح. |
![]() |
وتتفق المصادر العربية على أن "يُليان" توجه بنفسه إلى طارق بن زياد قائد القوات الإسلامية المعسكرة عند مدينة "طنجة" بالمغرب الأقصى -والقريبة من مدينة "سبتة"- يعرض عليه أن يساعده في دخول الأندلس. ولم يتردد طارق في الاتصال فورًا بموسى بن نُصير -وكان... |
![]() |
فكرة فتح إسبانيا كانت فكرة إسلامية خالصة. بل ويُرْوىَ أنها فكرة قديمة تمتد إلى أيام الخليفة الراشد عثمان بن عفان. ويذكر الذهبي أن موسى بن نُصير جهز ولده عبدَ الله، فافتتح جزيرتي "مَيُورْقة" و"مَنُورْقة" وهما من الجزر القريبة من شواطئ إسبانيا الشرقية، وكان ذلك سنة ٨٩ هـ، أي قبل الفتح بعامين تقريبًا. |
![]() |
أما الاتصال بيُليان -حاكم سبتة- أو بغيره من الإسبان فإنه جاء في الوقت الذي كان موسى بن نصير يفكر في تنفيذ فكرة الفتح. ومن هنا يمكن القول: إن اتصالات الجانب الإسباني بموسى ومساعداتهم ربما كانت عاملًا مساعدًا سهَّل سير الفتح أو عجَّل به. لكن الفكرة من البداية ومَردَّ العمليات وإنجازها كانت من الجانب الإسلامي الذي اندفع من الفتح بقوة فائقة ومرتكزًا على عقيدته. |
| ...مقيمًا في القيروان- فأبلغه ما كان من أمر "يُلْيَان" ورحب بما عرضه عليه. |
![]() |
كان موسى بن نصير متلهفًا على افتتاح الأندلس، لكنه لم يُرِدْ أن يُقْحم المسلمين في مغامرة لا يعلم نتائجها إلا الله، ولم يكن قد وثق بَعْدُ بيُليَان، ثم إنه لا يستطيع أن يُقْبل على هذا العمل العسكري الكبير من غير أن يستأذنَ الخليفةَ أو يستشيره فيما هو مقبل عليه. وهذا ما حدث بالفعل؛ فكتب إلى الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك "يخبره بالذي دعاه إليه يُليان من أمر الأندلس، ويستأذنه في اقتحامها فطلب منه الخليفة أن يختبرها بإرسال حملات عسكرية استطلاعية، وذلك خوفًا على المسلمين أن يقتحموا بلادًا مجهولة لهم، ولا يعرفونها. |
![]() |
عمل موسى بن نصير بهذه النصيحة، وأرسل في رمضان (سنة ٩١ هـ/٧١١ م) سرية استكشافية مكونة من خمسمائة جندي -فيهم مائة فارس- بقيادة "طَرِيف بن مالك"، وهو مسلم بربري، ويقال إنه من أصل عربي ينتسب إلى قبيلة "معافر" أو "نخع" اليمنية. وقد عبر هذا الجيش المضيق الذي عُرفَ بعد ذلك باسم (مضيق جبل طارق) ونزل في جزيرة تعرف باسم "بالُوما" (PAIOMAS) التي عُرفت فيما بعد باسم "جزيرة طريف". وعادت هذه الحملة بالغنائم الوفيرة، وبالأخبار المشجعة على الاستمرار في عملية الفتح. |
![]() |
اطمأن موسى بن نُصَيْر إلى النتائج التي حققتها الحملة الاستطلاعية بقيادة طريف بن مالك، وزادت رغبته في الفتح، واشتد عزمه على السير في هذه المغامرة، فأعد حملة عسكرية مكونة من سبعةِ آلاف جندي، وأكثرهم من المسلمين البربر، وأمَّر عليهم قائدًا من قواده المشهورين بحسن القيادة والكفاءة وقوة الإخلاص، هو "طارق بن زياد" وهو -في أصح الآراء- بربري من قبيلة "نَفْرة". |
![]() |
ومن الغريب أن يكون الجيش الذي أعده للحملة مكونًا كله من البربر باستثناء عدد قليل من العرب (لا يزيد على الثلاثمائة). ويدل هذا على أن بربر المغرب قد حسن إسلامهم، وأصبحوا على هذا النحو يؤلفون القوة الكبرى التي اعتمد عليها موسى بن نصير في فتح إسبانيا عسكريًّا. ويبدو أن البربر كانوا أكثر معرفة من العرب ببلاد الأندلس، فالمغرب والأندلس يؤلفان وحدة جغرافية وتاريخية في آنٍ واحد. |
![]() |
عبر طارق بن زياد بجيشه على السفن من "سبْتة" (أو من "طنجة") إلى الطرف الآخر من المضيق المائي في شهر رجب -أو في شعبان- (عام ٩٢ هـ/٧١١ م)، تجمع الجيش الإسلامي -بعد العبور- عند جبل "كالبي" (CALPE) الذي عرف فيما بعد باسم "جبل طارق"، وأقام طارق بتلك المنطقة عدة أيام بنى خلالها سورًا أحاط بجيوشه سماه "سور العرب"، وأقام قاعدة حربية بجوار الجبل على الساحل لحماية الجيش من الخلف في حالة الانسحاب، ولم يمض وقت طويل حتى اشتبك الجيش الإسلامي مع قوات القوط التي أرسلها الملك "لذريق"، في عدة معارك بالقرب من "الجزيرة الخضراء" انتصر فيها المسلمون، وسيطروا على المنطقة التي عرفت فيما بعد "بمنطقة جبل طارق". |
![]() |
وبينما كان "لُذريق" مشغولًا بإخماد بعض الثورات في شمال البلاد جاءه الخبر بمجيء الجيوش الإسلامية وانتصارهم على قواته في عدد من المعارك وأصيب بهلع ورُعب شديدين، وكَرَّ راجعًا إلى "طُلَيْطلة" وبدأ يُعبّأ جيشه للقاء المسلمين. ويذكر المؤرخون أنه جمع مائة ألف مقاتل، وقيل سبعين ألفًا. وقد وصلت أنباء تلك الحشود إلى طارق بن زياد، فكتب إلى موسى بن نصير يطلب منه أن يمدّه بالجنود والسلاح، فأمده بخمسة آلاف جندي، على رأسهم "طريف بن مالك" وأغلبهم من الفرسان، وبهم كملت عدة الجيش الإسلامي اثني عشر ألفًا. |
![]() |
وقد واصل طارق بن زياد السير بجيوشه ومشى في محاذاة الساحل، وأقام معسكره في منطقة سهلية واسعة في منطقة "شَذُونة" جنوب غرب إسبانيا بالقرب من نهر "بَربْاط" ووادي "لَكُهْ" الذي يصب في المحيط عند مدينة "قادس" الساحلية. وفي هذه المنطقة تم اللقاء بين الجيش الإسلامي والجيش القوطي، ودارت معركة هائلة استمرت ثمانية أيام (من الأحد ٢٨ رمضان - إلى الأحد الخامس من شوال /١٩ - ٢٦ يوليو ٧١١ م)، وانتهت بهزيمة القوط هزيمة ساحقة، بعد أن اقتتل الطرفان "اقتتالًا شديدًا حتى ظنوا أنه الفناء"، وتبع المسلمون فلول القوط بالقتل والأسر، ولم يرفعوا عنهم السيف ثلاثة أيام. وقُتل الملك "لذريق" غريقًا في "وادي لَكْه" وقيل: إنه فر من الميدان والتقى بالمسلمين في معركة أخرى شمال إسبانيا في ولاية شَلَمنقَة وقتل فيها، وهذا الرأي الأخير ضعيف، لا تدعمه الأدلة. |
![]() |
وتُعدُّ معركة "وادى لكه" معركة فاصلة، توقَّف عليها مصير إسبانيا في يد المسلمين، بحيث يمكن القول "إن جميع المعارك التي حدثت بعد ذلك في بقية أنحاء شبه الجزيرة كانت بمثابة مناوشات بسيطة -وإن كان بعضها مهمًّا وقويًّا- إذا قورنت بهذه المعركة الفاصلة، ولم يستغرق استيلاء المسلمين على إسبانيا بعد ذلك -رغم وعورة مسالكها وقسوة مناخها- أكثر من ثلاث سنوات، وهذا يدل على أن المقاومة كانت قد ضعفت تقريبًا". |
![]() |
كتب طارق بن زياد إلى موسى بن نُصير يحيطه بأنباء الفتح وما أحرزه من نجاح ويطلب منه المدد. وعلى الفور قرر موسى التوجه إلى الأندلس، وأصدر أوامره إلى طارق بوقف الفتح حتى يلحق به. وكان طبيعيًّا أن يهرع موسى للحاق بقائده، فأخذ معه قوة قدرها (١٨٠٠٠) ثمانية عشر ألف مقاتل، معظمهم من العرب هذه المرة، وعبر من سبتة إلى الجزيرة الخضراء بالأندلس، فأقام بها أيامًا للراحة والتأهب لخوض المعركة القادمة، ثم أجمع على المسير نحو "طُلَيْطلة" في طريق غير الطريق الذي سار فيه طارق، ليفتح هو الآخر فتوحًا جديدة، فمرَّ بمدينة "إشبيلية" وفتحها بعد حصار شديد، وكانت من أعظم مدائن الأندلس، وأعجبها بنيانًا وآثارًا. ثم مضى موسى بعد ذلك إلى مدينة "ماردة" التي تقع على نهر آنُهْ -وكانت من المدن الحصينة، ذات الأسوار المنيعة والأبراج العالية- فحاصرها طويلًا، إلى أن استسلمت له، ودخلها صلحًا (في مطلع شوال ٩٤ هـ). وبعد شهر من الإقامة فيها تحرك موسى بن نصير نحو العاصمة "طُلَيْطلة" فلما وصل إلى "طَلَبِيرة" -على نهر التاجُهْ- خرج طارق بن زياد للقائه هناك، وسلَّمه قيادة الفتح وعادا معًا بالجيش إلى "طُلَيْطلة"، فأقاما بها طوال فصل الشتاء، ثم نهضا لاستكمال فتح شمال الأندلس. |
![]() |
اتجه طارق بن زياد بقواته إلى الشمال الشرقي، واحتل مدينة "سَرَقُسْطة" الواقعة على نهر "إبْرُو"، وصعد إلى قرب جبال "ألبُرتَات" (التي تفصل إسبانيا عن جنوب فرنسا وتُسمَّى الآن جبال "البَرَانس") ثم عاد واتجه غربًا محاذيًا نهر "إبْرو". وعند مدينة "أَشْتُرقة"، التقى بموسى بن نصير وجيشه، وسار الاثنان لفتح شمال غرب الأندلس. |
![]() |
فأما موسى فقد عبر جبال "كَنْتَبرية"، ووصل إلى ساحل خليج "بَسْكاي" عند بلدة "خيخْون". وأما طارق فقد بلغ مداخل إقليم "جِلِّيقيَّة" في أقصى الشمال الغربي. |
![]() |
وهنا أحس موسى أنه أتم فتح الأندلس، فعاد إلى "طُلَيْطلة" ليواصل عمله كأول والٍ من ولاة الأندلس، ولكن الخليفة الوليد بن عبد الملك كان قد استدعاه مع طارق بن زياد إلى دمشق، فترك ابنه "عبد العزيز بن موسى" واليًا على الأندلس في (المحرم ٩٥ هـ/سبتمبر ٧١٣ م) ليقوم بما تقتضيه أحوال البلاد من التنظيم والإصلاح، وبه يبدأ أولُ عصر في تاريخ الأندلس، وهو "عصر الولاة"، ونقل المسلمون عاصمة هذا الإقليم من "طليطلة" إلى "قرطبة". |
![]() |
وهكذا نرى هذين الفاتحين العظيمين قد خلَّفا الأندلس وراءهما بعد أن قاما بما يمكن اعتباره معجزة من معجزات الفتوحات الإسلامية في مدة قاربت أربع سنوات من الجهاد المتصل والحركة الدائمة. لقد استطاع هذان الرجلان -مع جيش من المسلمين من بين عرب وبربر لا يزيد على ثلاثين ألف مقاتل- أن يفتحوا قطرًا أوربيًّا واسعًا يعتبر من أصعب الأقطار الأوربية من الناحية الجغرافية. وقد قام المسلمون... |
| ...بهذا الفتح العظيم بشجاعة تعتبر مضرب المثل، وساروا على خطة عسكرية وسياسية واضحة تدل على خبرة جيدة بمسائل الحروب وفتوح البلدان، وقاد موسى وطارق ورجالهما بحزم ونظام وبصيرة تذكرنا بقيادة خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص وأبي عبيدة بن الجراح وقتيبة بن مسلم ومحمد بن القاسم في فتوحات المشرق. |
![]() |
لم يكن فتح الأندلس آخر أعمال المسلمين العسكرية في الجناح الغربي لدولة الإسلام خلال العصر الأموي، فقد بلغ من نشاط الجيش الإسلامي وحماسه للفتح أن تخطى بقواته جبال البُرْتَات (أو ألبُرْت- أو الأبواب- وتعرف الآن بجبال البرانس) وفتح بلاد غالة ويُراد بها فرنسا. وقد حدث ذلك في عصر الولاة بالأندلس (٩٥ - ١٣٨ هـ)، وهو العصر الذي بدأ بإتمام عمليات الفتح للأندلس (٩٥ هـ)، وينتهي بإعلان عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك (عبد الرحمن الداخل- صقر قريش) الإمارة الأموية سنة (١٣٨ هـ). وهذا يعني أن عصر الولاة بالأندلس استمر اثنتين وأربعين سنة، تولى خلالها عشرون واليًا. وكانت الأندلس في هذه الفترة تابعة للدولة الأموية. |
![]() |
وكانت بلاد غالة تنقسم إلى عدة ولايات وهي: |
![]() |
ولاية "سَبْتَمانية"، وتشتمل على سبعة مدن، وعاصمتها مدينة "أُرْبُونة". |
![]() |
ولاية (أكِيتَانْية) -تقع إلى الشمال الشرقي من "سَبْتَمانية"- وعاصمتها مدينة "بَردِيل". |
![]() |
إقليم "بُرُوفانْس"، يقع إلى الشمال الغربي من "سَبْتَمانية". وعاصمته: مدينة "أَبِنْيُون"، وتقع على (نهر الرُّون). |
![]() |
إقليم "بَرغِنْديِة" غربي (نهر لارون)، وعاصمته مدينة "لوذون". |
![]() |
المنطقة الواقعة شمال (نهر اللُّوار) حتى دولة ألمانيا الحاضرة، وكانت خاضعة للدولة "الميرُوفِنْجِية". |
![]() |
وقد توجَّهت -في عصر الولاة- ثلاثُ حَملات عسكرية من الأندلس، وعبرت جبال البُرتات لغزو وفتح بلاد غالة، ويمكن عرضها فيما يأتي: |
![]() |
تولى عَنْبَسة بن سُحَيْم الكلبي (سنة ١٠٣ هـ)، وكان كالسمح بن مالك صالحًا قويًّا فقضى أربع سنوات من ولايته في تنظيم أمور الدولة وإصلاح الجيش وإعداده لمواصلة غزو بلاد الفرنجة، وقد عبر "عَنْبَسة" بجيوشه جبال البرتات، وتابع حركة الفتوح لإقليم "سَبْتَمانِية" بمدنه السبع، وافتتح إقليم "بُروُفانس"، واتجه شرقًا حتى بلغ نهر "الرُّون" ثم صعد مع النهر شمالًا حتى بلغ مدينة "ليون"، وتوغل بعدها حتى كان على بُعْد سبعين كليو مترًا من جنوبي باريس الحالية، وهي أبعد نقطة وصل إليها المسلمون شمالًا، وتبعد نحو ثمانمائة كليو متر شمال جبال البرتات. وفي طريق عودته تصدت له جموع كبيرة من الفرنجة، فاستشهد في إحدى المعارك (سنة ١٠٧ هـ)، فقام بقيادة الجيش والعودة إلى "أُرْبُونة" (عُذرة بن عبد الله الفهرى) الذي حكم الأندلس حتى ربيع الأول سنة ١١٠ هـ. |
![]() |
وقد أثارت حملة عَنْبَسة مخاوف أوربا كلها، حيث إنه اقتحمها اقتحامًا، وأوغل بجيشه في داخل بلادها دون أن يستطيع أحد مقاومته، الأمر الذي جعل القائم بمملكة الفرنجة إذ ذاك -وهو "شارل مارتل" أو "كارل"، وتسميه مصادرنا العربية "قارْلُه"- يشعر بأنه لا بد من القيام بعمل حاسم إذ عاد المسلمون مرة أخرى. وبالفعل بدأ يستعد لهذا اللقاء، فأخذ يجمع القوات والسلاح والأزواد، وصالح أمراء "برغندية"، واتفق مع رجال "سَبْتَمانية"، ومع حاكم "أكِيتَانْية" ليقوموا معًا بعمل حاسم ضد المسلمين. |
![]() |
وبعد أن توالى على الأندلس سبعة من الولاة بين سنتي (١٠٧ - ١١٢ هـ/٧٢٥ - ٧٣٠ م) تفاقمت خلالها المشكلات وازدادت الاضطرابات وانتشر الخلل والخلاف بين الزعماء ورجال القبائل عُيِّن عبد الرحمن بن عبد الله الغافقي واليًا (في صفر ١١٢ هـ)، وكان من أعظم قواد المسلمين في الأندلس عدلًا وصلاحًا وقدرة وكفاءة، وقد قضى ما يقرب من عام نظَّم خلالها شئون البلاد، ثم أعلن الجهادَ ضد الفرنجة، وكوَّن جيشًا هائلًا يتراوح عدده ما بين سبعين ألفًا ومائة ألف وأكثرهم من البربر. |
![]() |
وفي أوائل سنة ١١٤ هـ / ٧٣٢ م سار عبد الرحمن الغافقي بجيوشه نحو الشمال، وعبر جبال "أَلُبرت" من طريق "بَنْبلُونة" متجهًا إلى دوقية "أكِيتَانْية" أعظم ولايات غالة في ذلك الوقت ففتحها وسيطر عليها، ودخل عاصمتها "بَرْدِيل" عنوةً، ثم واصل زحفه حتى أشرف بجيشه... |
| ...على "نهر اللُّوار" واستولى على مدينتي "بُواتييه" و"تُور"، وما كاد يخرج الجيش الإسلامي من "بواتييه" في طريقه نحو باريس حتى فوجئ عبد الرحمن الغافقي بوصول جيش هائل من الفرنج والمرتزقة يقوده "شارل مارتن" (قارْلُه). |
![]() |
وعلى بُعْد عشرين كليو متر شمال "بُواتييه" في الطريق إلى "تُور" جنوبي مجرى نهر اللُّوار، وفي موضع قريب من طريق روماني قديم هو المسمى "بالبلاط" حدثت المعركة الكبرى بين الجيشين في أواخر شعبان ١١٤ هـ/ أكتوبر ٧٣٢ م. |
![]() |
وقد تكون هذه المعركة وقعت بالقرب من موضع يطلق عليه اليوم اسم "مواسيه لا باتاى" Moussais La bataille. وقد استمرت المعركة ثمانية أيام، مما يدل على أنها كانت معركة حامية. والحق أن كلًّا من الجانبين بذل أقصى وسعة في القتال، وصبر المسلمون صبرًا طويلًا حتى تجمعت عليهم قوات نصرانية من كل ناحية، ولم يقتصر الأمر على الفرنجة، بل انضم إليهم كثيرون من أجناس أخرى (ألمان، وسُواف، وسكسون). |
![]() |
وآخر مراحل المعركة كان هجومًا عنيفًا على مؤخرة الجيش الإسلامي، فتزعزع نظام الجيش، وبينما يحاول عبد الرحمن الغافقي إعادة النظام إلى جيشه أصابه سهم فقتله، فعم الاضطراب بين المسلمين وكثر القتل فيهم، واشتد الفرنج عليهم، لكنهم صبروا حتى جَنَّ الليلُ وتحاجز الفريقان ثم انسحب المسلمون نحو مراكزهم في "سِبْتَمانيا" تاركين غنائمهم، وأصبح الفرنجة فلم يجدوا لهم أثرًا سوى الجرحى ومن لم يتمكنوا من مرافقة الجيش المنسحب، فأجهزوا عليهم، وانتهبوا ذخائر عظيمة، ولم يفكروا في تتبع المسلمين. |
![]() |
وأهم الأسباب التي تفسر خسارة المسلمين وهزيمتهم في معركة "بلاط الشهداء": |
![]() |
ما قيل عن وجود خلاف في الجيش الإسلامي (العرب والبربر). |
![]() |
ابتعاد الجيش عن بلاد الإسلام بحيث أصبح على بعد (٤٠٠ ك. م) شمال جبال البرتات التي تبعد عن قرطبة مسافة (٩٠٠ ك. م) مما جعل موالاته بالمُؤنِ والإمداد أمرًا عسيرًا، بينما كانت خطوط إمداد الفرنجة سهلة ومتصلة. |
![]() |
لم يكن المناخ مناسبًا لخوض الجنود والخيول العربية تلك المعركة القاسية، وأن المسلمين ساروا مثقلين بغنائم المعارك السابقة، مما دفع العدو إلى ضرب مؤخرة الجيش الإسلامي فارتبكت صفوفه. |
![]() |
اتحاد إمارات "غالة" جميعها لمواجهة جيوش الإسلام، وصدَّها عن الجنوب. |
![]() |
وعلى الرغم من هزيمة المسلمين في بلاط الشهداء (بواتييه) فقد بقيت حامية عسكرية عربية في مدينة (أربونة) جنوب غربي فرنسا نحو عشرين سنة محتفظة بذلك البلد وبجانب كبير من "سِبتمانية"، ولم ينسحب المسلمون من (غالة) تمامًا إلا بعد قيام الدولة الأموية في الأندلس (سنة ١٣٨ هـ/٧٥٦ م) وقرار مؤسسها عبد الرحمن الداخل (صقر قريش) بسحب القوات الإسلامية من (غالة) والاكتفاء بسلطان المسلمين على الأندلس، ومنذ ذلك التاريخ توقف المد الإسلامي في أوربا من جهة الغرب. |