![]() |
وبعد سنة واحدة من إنشاء ميناء تونس جاء قرارُ عزل حسَّان بن النعمان عن ولاية المغرب في أواخر (سنة ٨٥ هـ/٧٠٥ م)، أو في أوائل (سنة ٨٦ هـ) وعُين موسى بن نُصَير مكانه أميرًا على البلاد، وهو الذي أتمَّ فتحها نهائيًّا، وكان من كبار القادة العسكريين، ذا رأي سديد، محبًّا للجهاد، وقد سبق له أن غزا جزيرة قبرص شرق البحر المتوسط في فترة خلافة معاوية بن أبى سفيان رضي الله عنه. |
![]() |
ولا شك أنه أفاد من تجارب الفاتحين السابقين في بلاد المغرب، وكانت مهمته سهلة وأشبه بنزهات عسكرية كما يقال، ويمكن تلخيص حملته العسكرية وفتوحاته في الخطوات الآتية: |
![]() |
قضى على بقايا المقاومة في منطقة "إفريقية"، وقام بإرسال مجموعات من الجند لإخضاع المناطق المجاورة لمدينة القيروان، وكان الهدف من ذلك تأمين الخطوات الخلفية إذا خرج موسى بن نصير للجهاد في المغربين الأوسط والأقصى. |
![]() |
سيطر موسى على المغرب الأوسط بعد أن استطاع أن يقضي على قوة التجمعات البربرية من قبائل "زناتة" و"هُوَّارة" و"كُتّامة" بقيادة رجل يدعى "طامون". |
![]() |
وقد ظهرت آثار هذا النصر سريعًا، فبدأت القبائل -وعلى رأسها "كُتَّامة" في طلب الأمان، وإرسال الرهائن، دليلًا على الدخول في الطاعة وصدق النوايا. |
![]() |
انطلق موسى إلى "المغرب الأقصى"، لقتال القبائل التي ما زالت خارج سيطرة المسلمين، ويبدو أنَّ أخبار انتصاراته قد وصلت إلى سكان هذا الإقليم، فعرفوا أنَّهم لا طاقة لهم به، فهربوا أمامه، وسَهُلَ عليه فتحُ الإقليم بسرعة واضحة، فمال إلى المدن الكبرى ومواطن التجمعات البربرية، فافتتح "درْعة" وصحراء "تافيلالت" في "السوس الأقصى" -أو سجلماسَّة- وسيطر على قبائل "صنُهاجة" و"مصمودة" وأخضعها كلَّها للإسلام، فدخلوا فيه طوعًا وولى عليهم واليًا. |
![]() |
أخضع موسى بن نُصير إقليم طنجة في الساحل الشمالي الغربي من المغرب الأقصى، وترك فيه حامية عسكرية للرباط تتكون من (١٧٠٠) جندي من العرب، واثني عشر ألفًا من البربر المسلمين، واختار طارق بن زياد قائدًا عليهم وهو من البربر، وسوف يتجه بهم طارق إلى إسبانيا، وسيأتي الحديث عن ذلك بعد قليل. |
![]() |
وبذلك تم فتح "المغرب الأقصى" كله، عدا مدينة "سَبْتة" الساحلية القريبة من "طنجة" استعصت على المسلمين لمناعتها، وبقيت في يد حاكمها "يُليان" وكان تابعًا لحكام إسبانيا. |
![]() |
رأى موسى بن نُصير ضرورة تأمين هذا الفتح المجيد عن طريق غزو جزيرة صقلية التي كان من الممكن أن يتخذها البيزنطيون قاعدة لضرب المغرب. ولقد مهد لذلك بالاهتمام بعمران مدينة تونس، وتوسيع دار الصناعة بها، ثم جهز حملة بقيادة "عَيَّاش بن أَخْيَل" فسار بالأسطول إلى جزيرة صقلية، ونزل على مدينة فيها تسمى "سَرَقُوسة"، فغنم مغانم كثيرة، وعاد بالجيش سالمًا. |
![]() |
ولم يكتف موسى بالنواحي العسكرية، وإنما بدأ بمهمة أخرى لا تقل أهمية عن جهاده الحربي، وهى تثبيتُ الإسلام، وتعليمُ اللغة العربية؛ فقد عهد إلى الدعاة بتعليم البربر القرآن الكريم، وتفقيهِهِم في الدين. كما أنه حرص على حسن معاملتهم، وأشركهم في حكم البلاد كما فعل حسَّان بن النعمان، وبهذا يكون المسلمون قد أتموا فتح إقليم المغرب كلِّه بعد سبعين سنةً تقريبًا قضوها في عمليات الفتح والجهاد، وقد فسَّرنا من قبل لماذا طالت مدةُ الفتوحات لهذا الإقليم. وبقي أن نذكر جانبًا من النتائج التي أثمرها هذا الفتح المبين. |
![]() |
انتشار الإسلام بين قبائل البربر، وإرشادهم إلى العقيدة الصحيحة السهلة، ولذا تحمَّستْ قبائل البربر للدين الإسلامي، وانضموا تحت لوائه لنشره والدفاع عنه، وتمتع البربر بجميع الحقوق التي كانت يتمتع بها سائر المسلمين آنذاك. |
![]() |
تطور المجتمع البربري، وتغيَّرت عاداته وتقاليده بعد الفتح الإسلامي واحتكاك البربر بالفاتحين. |
![]() |
بدأت اللغة العربية في الانتشار بين البربر، وساعد على انتشارها كونُها لغةَ الدين الجديد، مما رغَّب البربرَ في تعلمها حتى يتفقهوا في الدين، ويتعلموا قواعد الإسلام، فضلًا عما كان لتعريب الدواوين على مستوى الدولة الإسلامية في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، من أثر في انتشار اللغة العربية في جميع أرجاء الدولة الإسلامية حتى صارت لغةً الإدارة الحكومية، فضلًا عن كونها لغة الدين والفكر والثقافة الإسلامية. |
![]() |
ساهم البربرُ مساهمةً كبيرة في الجيش الإسلامي، وبخاصةٍ عندما فتحَ العربُ ميدانًا جديدًا للجهاد، وهو ميدان الأندلس لنشر الإسلام، فكان (طارق بن زياد) قائد حملة الفتح من البربر، وكان معظمُ قادة الجيش منهم. |
![]() |
إنشاء عاصمة إسلامية بالمغرب لتكون حاضرةً من حواضر نشر الإسلام، وهى "القيروان" التي أنشأها عقبةُ بن نافع، كما أنشئت مدينة أخرى على ساحل البحر لتكون ميناءً، وبديلًا عن قرطاجنة، وهى مدينة تونس التي أنشأها حسان بن النعمان. |
![]() |
إنشاء عدد من المساجد كان لها دور عظيم في نشر الثقافة الإسلامية، فهي منارات العلم، ومراكز الإشعاع الحضاري. |
![]() |
ومن أبرز النتائج السياسية للفتح: إبراز القوة الإسلامية وتَصَدِّيها للروم -العدو الدائم للمسلمين- وكَسْر شوكتهم، وتثبيت النفوذ الإسلامي، وانتهاءُ سلطان الدولة البيزنطية من بلاد المغرب نهائيًّا. |