![]() |
كان لا بد للخليفة عبد الملك بن مروان من القيام بعمل كبير، يمحو به عن المسلمين ما خلَّفته تلك السنواتُ الطوالُ من الجهاد في الجناح الغربي للدولة الإسلامية. |
![]() |
وبعد أن انتهت مشكلة عبد الله بن الزبير بمقتله (سنة ٧٢ هـ) انصب تفكير عبد الملك واهتمامه على الإعداد لحملة جديدة؛ فعهد بولاية المغرب وقيادة الجيوش إلى أحد مشاهير قادة الشام، وهو حسَّان بن النعمان الغسَّاني -الملقب بالشيخ الأمين- (سنة ٧٣ هـ/٦٩٢ م)، وأمده بجيش بلغت عدته أربعين ألف مقاتل، وأمره بالمقام في مصر، وفوَّضه في أموال خراجها للإنفاق منها على الفتح. |
![]() |
أما أحوال "إفريقية" عقب استشهاد زهير بن قيس في الفترة من (٦٩ هـ/٦٨٨ م) إلى (٧٣ هـ/٦٩٢ م) فقد عادت بعض السيطرة البيزنطية على أجزاء من الساحل الإفريقي، وخاصة في "قرطاجنة"، كما أن قبيلة "أَوْربة" -البرنسية التي كان كَسِيلة الأَوْربي يتزعمها- بدأت في التقهقر عن مركز الصدارة في جبال "الأوراس"، تاركة المجال لقبيلة أخرى شديدة المراس تدعى "جَرَّاوة" -من قبائل البربر "البُتَّر"- وتقودها امرأة لقَّبها العرب بالكاهنة، واسمها "داهيا بنت ماتية"، وكانت على جانب كبير من المهارة والقدرة، وتمكنت من تجميع قبائل جبال "الأوراس" تحت إمرتها، حتى أصبح "جميع من بإفريقيَّة من الرومِ منها خائفون، وجميعُ البربر لها مطيعون" حسب تعبير المؤرخين. |
![]() |
خرج حسَّان بن النعمان من مصر أوائل (سنة ٧٤ هـ/٦٩٣ م) على رأس جيشه، ووصل به إلى "طرابلس"، فانضم إليه من كان هناك من المسلمين ثم سار إلى "إفريقيَّة" ودخل "القيروان" حيث أعد نفسه للغزو، واتبع حسان خطة عسكرية جديدة، أساسُها مقابلةُ أعدائه من الروم والبربر، كلُّ على حِدَة، حتى يسهل القضاءُ عليهم ويمكن تقسيم المعارك التي خاضها حسان بن النعمان مع الروم والبربر إلى جولتين: |
![]() |
اتجه حسَّان بكل قواته إلى "قرطاجنة"، وهي عاصمة "إفريقيَّة" القديمة، ومصدر المقاومة الثابت، ولم يكن أحد من القادة السابقين قد تمكَّن من فتحها، فضرب حسانُ عليها الحصار، وكان بها عدد كبير من الروم، خرجوا جميعًا للقتال مع ملكهم فنصره الله عليهم، وقتل منهم خلقًا كبيرًا، وفر الباقون في المراكب إلى جزائر البحر وخاصة نحو "صقلية". |
![]() |
وبعد هزيمة القرطاجنيين تصدى حساَّن بن النعمان لتحالف (بيزنطي / بربري) جديد. فقد حاول الروم أن ينتقموا من المسلمين لاستيلائهم على "قرطاجنة"، فاجتمعوا في موضع يسمى "صَطفُورة"، وأمدهم البربر بعسكر عظيم، فزحف إليهم حسَّان بجيوشه وقاتلهم حتى هزمهم، وقتل عدد كبير من التحالف البيزنطي البربري وهرب من بقي من الروم إلى مدينة "باجه" خائفين، ثم انصرف حسَّان إلى مدينة "القيروان" فأقام بها حتى برئت جراحُ أصحابه. |
![]() |
بقي أن يتصدى حسَّان للتجمع البربري الضخم والشرس في منطقة جبال الأوراس في الداخل، بقيادة "الكاهنة" التي تمكّنت -كما ذكرنا- من تجميع قوى البربر ورئاستها لهم بعد مقتل "كَسيلة الأوْربي". وكان حسَّانُ قد أدرك أنَّ هذا التجمعَ له خطورٌة قصوى، ولا بد من التصدي له، وأنه إن تَمكَّن من التغلب عليه فقد دان له المغربُ كلُّه، وسقطت فيه آخر قاعدة ضخمة للمقاومة. ولذلك توجه حسَّان بجيوشه والتقى مع العدو في معركة كبرى انتهتُ بهزيمة حسان هزيمة منكرة أدت إلى ضياع كل "إفريقيَّة" وانسحاب المسلمين إلى حدود مدينة "قابس". |
![]() |
وكان من نتائج هذه الهزيمة أن الروم استردوا عاصمتهم "قَرطاجَنَّة" وقد كتب حسَّان إلى الخليفة بخبر هذه الهزيمة وما ترتب عليها، فعاد الجواب يأمره أن يقيم في "برقة" فأقام بها، وبنى هناك قصورًا عرفت بقصور حسَّان. |
![]() |
وهكذا اضطر المسلمون إلى التخلي عن فتوحهم في المغرب للمرة الثالثة خلال عشر سنوات فقط (من ٦٥ - إلى ٧٤ هـ) واحتاج الأمر إلى خمس سنوات طوال لاسترجاع البلاد التي سادتها تلك المرأة الكاهنة. |
![]() |
تأخر وصول المدد من الخليفة لمدة تصل إلى خمس سنوات، وقيل : ثلاث سنوات، وهى مدة طويلة جعلت الكاهنةَ صاحبةَ الشأن في تصريف شئون "إفريقيَّة". وكان مما فعلته -وأجمع عليه المؤرخون القدامى- أنها اتبعت ما يسمى "حرب الأرض المحروقة"، وهى سياسة حربية تقوم على التخريب، وترك الأرض خرابًا أمام الخصم حتى لا ينتفع بخيراتها ويزهد في الإقامة بها. وقد درست الكاهنة موقف العرب المسلمين، وعرفت أنهم عائدون بعد حين كما فعلوا من قبل، فقامت بتخريب المدن والقرى، وهَدْم الحصون، وحَرْق أشجار الزيتون والكروم. ويروى المؤرخون قولها للبربر: "إن العرب إنما يطلبون من إفريقيَّة المدائنَ والذهبَ والفضةَ ونحن إنما نريد منها المزارعَ والمراعي، فلا نرى لكم إلا خرابَ بلادِ إفريقيَّة كلِّها، حتى ييئس منها العربُ، فلا يكون لهم رجوعٌ إليها إلى آخر الدهر". |
![]() |
ولقد أخطأت الكاهنة" هدفَها، وظنت أن المسلمين إنما يقدمون للسلب والنهب والاستيلاء على المدن والذهب والفضة كما كان يفعل الغزاة سابقًا، ولم تعرف أنهم حملةُ رسالةٍ، ومبلّغي دعوة، ودعاة إلى دين الله تعالى. وقد عجلَّ هذا الفعل منها بالقضاء عليها، وجعل أهل البلاد من الروم خاصة وأتباعهم من الأفارقة يفرون إلى جزائر البحر ويستغيثون بحسَّان بن النعمان فيما نزل بهم من خراب. |
![]() |
أما بالنسبة لحسَّان فقد قضى مدة السنوات الخمس يستعد لخوض المعركة الفاصلة ويأخذ لها الاستعداد كاملًا واستطاع -من خلال التخابر والاستطلاع- أن يعرف مواطن القوة والضعف في صفوف العدو. وعندما أتم حالة الاستعداد ووصلته الإمدادات من جنود... |
| ...العرب وفرسانهم وممن انضم إليهم من مسلمي البربر سار إلى الكاهنة، والتقى بها مع جيشها، وتمكَّن من هزيمتها وقتلها، "واقتحم جبال الأَوراس عَنْوة واستلحم فيه زهاء مائة ألف". |
![]() |
وكان من ثمرات هذا النصر المبين أن سارع كثير من البربر يطلبون الأمان ويعلنون الإسلام والطاعة، لكن -لما يعرفه حسَّان من كثرة ارتداد البربر، "لم يقبل أمانهم إلا أن يعطوه من جميع قبائلهم اثني عشر ألفًا يكونون مع العرب مجاهدين، فأجابوه، وأسلموا على يديه". |
![]() |
هكذا قضى العرب المسلمون على آخر حركة للمقاومة قام بها أهالي البلاد، إذْ كانت الكاهنة هي الحصن الأخير الذي احتمى وراءه البربر والروم، فلما سقطت انتهت كل مقاومة، ولم يبق أمام العرب بعد ذلك إلا اليسير. |
![]() |
أما عن "قرطاجنة" التي استعادها الروم (سنة ٧٨ هـ) بعد حملة حسَّان بن النعمان الأولى فقد سار إليها حسَّان واستولى عليها عَنْوةً وقام بتخريبها ولم يعد لها بعد ذلك أثر يذكر، غير أن الفرنسيين عندما احتلوا إقليم تونس -في العصر الحديث- أحيوها من جديد في صورة ضاحية لمدينة تونس الحالية، وعرفت باسمها الفرنسي، وهو "قرطاج" وقد أصبحت الآن جزءًا من مدينة تونس. |
![]() |
اهتم بعمران مدينة "القيروان" على نحو تتسع معه لجموع العرب والمسلمين التي سكنتها، حتى أصبحت المدينة جديرة بمركزها كعاصمة للبلاد بدلًا من "قرطاجنة"، كما أنه جدد مسجدها وأحسن بناءه، وأقام في المدينة يوجه منها شئون البلاد ويدير أحوالها. وقد عمرها المسلمون حتى انتشر فيها العمران، واتسعت رقعتها. |
![]() |
ولم يكن حسَّان مطمئنًا من ناحية الروم، وكان يرى أن سقوط "قرطاجنة" وتخريبها لا يمنع من عودتهم إلى مكان آخر من الساحل. ولذلك فكّر في إنشاء ميناء إسلامي جديد على مقربة من "قرطاجنة" ليشرف على البحر، ويمنع الروم من الاقتراب. |
![]() |
ومن هنا بدأ في بناء مدينة "تونس" (سنة ٨٤ هـ/٧٠٣ م)، وأسس فيها دارًا لصناعة السفن. وقد اتسعت هذه المدينة بعد ذلك، وهى الآن عاصمة دولة تونس. |
![]() |
أدخل حسَّان بن النعمان البربرَ بشكل منظم في الجيش العربي الإسلامي الإفريقي وحرص على أن يُشرك معه نفرًا من أهل القبائل في حروبه، وجعل اشتراكهم معه في الحرب شرطًا لتأمينهم، أي إنه فرض الخدمة العسكرية على أهل البلاد، جنبًا إلى جنب مع العرب. وكانت تلك خطوةً موفَّقةً استطاع بها حسَّان أن يضمنَ ولاءَ البربر، وأن يُحببَ إليهم الإسلام. وكان انضمام البربر إلى الجيش العربي، يعني دخولَهم في الإسلام. |
![]() |
ولم يكتف حسَّان بأن يشركَ هؤلاء البربرَ في حروبه، ويجعلَ لهم نصيبًا من الغنائم وإنما خصص لهم أعطيات تُصرفُ لهم من بيت المال، وساوى بينهم وبين العرب في هذا العطاء وفي المعاملة، فأحبه البربر، وأخلصوا للدولة، حتى صاروا –فيما بعد- نواةً لفتح إسبانيا. |
![]() |
اهتم حسانُ بتعليم البربر القرآنَ وأصولَ الإسلام، وعهد بهذه المهمة إلى ثلاثةَ عَشَرَ فقيهًا من أفاضل التابعين. وبطبيعة الحال كان تعليم القرآن لهؤلاء البربر وغيرهم؛ يعني تعليمهم اللغة العربية ونشر الأخلاق الإسلامية، واكتسابهم إلى العروبة بصفة نهائية، وبذلك سار التعريب جنبًا إلى جنب مع الإسلام منذ البداية. |
![]() |
خصص لكلِّ قبيلةٍ مساحةً من الأراضي تتصرف بها، وتؤدي ما عليها، وتكون مسئولة عنها. |
![]() |
دوَّن الدواوين، أي نظَّم شئون الحكومة، وعيَّن الموظفين على نواحي الإدارة؛ من خَراج، وزكاة، وجُند وما إلى ذلك، واختارهم من ذوى الحزم والدين والإخلاص. |
![]() |
عيَّن القضاةَ في النواحي المختلفة للحكم بين الناس في الخصومات بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. |