... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


علي –رضي الله عنه- يعزل الولاة الذين عيّنهم عثمان، وموقف معاوية بن أبي سفيان من عزله عن إمارة الشام
بعد أن تمت البيعةُ لعلي رضي الله عنه بالخلافة "كان عليه أن يواجه الموقف الصعب الذي نتج عن استشهاد أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه، بكل تعقيداته". وكانت أول خطوة خطاها بعد البيعة أنه أقدم على عَزْل الولاة الذين ولَّاهم عثمان رضي الله عنه؛ مثل أبي موسى الأشعري رضي الله عنه (أمير الكوفة)، وعبد الله بن عامر بن كُريز رضي الله عنه (الوالي على البصرة)، وعبد الله بن سعد بن أبي سَرْح أخي عثمان من الرضاع (وكان أميرًا على مصر)، وخالد بن أبي العاص (أمير مكة)، ومعاوية بن أبي سفيان (الوالي على بلاد الشام)، ويعلى بن أمية (الوالي على اليمن).
وقد رأى علي رضي الله عنه أن الأمور لن تستقيم إلا بعزل هؤلاء الولاة، وأدرك أن من الأسباب الرئيسة للفتنة عدم رضا مجموعة من الناس عن الولاة الذين عينهم عثمان رضي الله عنه، وهنا لا بد من التأكيد على أن عليًّا رضي الله عنه لم يعزل هؤلاء الولاة لعجزهم وظلمهم، كما أشاع عنهم رؤساء الفتنة الذين سعوا في قتل الخليفة عثمان رضي الله عنه.

... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


والحقّ أننا إذا ما تعرفنا على سيرة الولاة الذين ولَّاهم عثمان رضي الله عنه، فسوف ندرك أنهم كانوا من خيرة الرجال كفاءةً وعدلًا وقدرةً على إدارة شئون ولاياتهم، ولم يكن عند واحدٍ منهم ما يقدح في دينه أو أمانته في خدمة الإسلام، وقد فتح الله تعالى على أيديهم الكثير من البلدان، وقاموا بدور الجهاد في سبيل الله لنشر الإسلام، وساروا في الرعية سيرة العدل والإحسان، وبذلوا الجهد في توفير الأمن والاستقرار في بلادهم، والتوسعة على الناس في الأرزاق، وكان منهم من تقلّد مهام الولاية قبل ذلك في عهد الصديق أبي بكر، والفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنهما.
والولاة الجدد الذين عينهم علي رضي الله عنه، هم:
عُبيد الله بن عباس (على اليمن) بدلًا من "يَعلى بن أمية".
عثمان بن حُنيف (على البصرة) بدلًا من "عبد الله بن عامر بن كريز".
عمارة بن شهاب (على الكوفة) بدلًا من "أبي موسى الأشعري".
قيس بن سعد بن عبادة (على مصر) بدلًا من "عبد الله بن سعد بن أبي سرح".
سهل بن حُنيف (على الشام) بدلًا من "معاوية بن أبي سفيان".

... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


ولقد استطاع ثلاثة من هؤلاء الولاة الجدد الوصول إلى ولاياتهم ومباشرة أعمالهم دون مشاكل، وهم: عثمان بن حنيف الذي وصل إلى البصرة، بعد أن تركها عبد الله بن عامر ذاهبًا إلى مكة. والثاني: عبيد الله بن عباس الذي وصل إلى اليمن، بعد أن تركها يعلى بن أمية. ووصل قيس بن سعد بن عبادة إلى مصر، وكان ابن أبي سرح قد غادرها قبل مقتل عثمان، فلم يعد إليها واعتزل الفتنة، فسيطر عليها محمد بن أبي حذيفة، وهو من الذين اشتركوا في إثارة الفتنة على عثمان رضي الله عنه.
أما عمارة بن شهاب -الوالي الجديد على الكوفة- فلم يتمكن منها؛ لأن أهلها تمسّكوا بأبي موسى الأشعري رضي الله عنه، فقبل الخليفة منهم ذلك وأقر أبا موسى، وكتب إليه أبو موسى بطاعة أهل الكوفة وبيعتهم له.
وكذلك لم يستطع سهل بن حنيف دخول الشام؛ فقد منعه جند معاوية من ذلك.
إن هذا الاقتراح الذي أشار به ابن عباس اقتراح وجيه وجيد، فمعاوية لم يكن موضع شكوى من أحدٍ من رعيته -أهل الشام- ولم يشترك أحد منهم في الفتنة ضد عثمان رضي الله عنه، ولا سعى أحد منهم في قتله، فإذا أبقى عليٌّ معاويةَ في ولايته لا يلومه أحدٌ. وكان ابن عباس من ناحية أخرى يعرف أن معاوية لن يذعن لقرار العزل، وسيبقى في ولايته، لكنّ عليًّا رضي الله عنه لم يقبل ذلك، وتمسك برأيه، وعزم على عزل جميع الولاة، بما فيهم معاوية، واستعمل حقه –كخليفة مسئول– طبقًا لاجتهاده، لما يراه محققًا لمصلحة الأمة، وبدأ في تعيين ولاة جدد كما ذكرنا.

... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


ويرى البعض أن ما قام به أمير المؤمنين علي رضي الله عنه من تعيين ولاةٍ جدد هو أدعى إلى بيعة الناس في تلك البلاد البعيدة، وليجدد بهم عهد الفتوحات، ويفسح المجال أمام العبقريات الجديدة أن تنطلق وتخدم دين الإسلام، وكان علي يمتلك موهبة قيادية ومعرفة بالأوضاع القائمة، وقد عزل ولاة عثمان؛ ليختار غيرهم حسب ما يراه ملائمًا لتحقيق الانسجام الإداري والسياسي بين الخليفة وأعوانه.
ومن الملاحظ أن الإمام عليًّا رضي الله عنه لم يعامل الشام كما عامل الكوفةَ، فبينما وافق على إبقاء أبي موسى واليًا عليها بناء على رغبة أهلها، فقد رفض إقرار معاوية في ولاية الشام، مع أن تمسُّك أهلِها به كان أشدَّ من تمسُّكِ أهلِ الكوفة بأبي موسى الأشعري، وهنا يجب أن نتذكر نصيحة حبر الأمة عبد الله بن عباس لعلي بإبقاء معاوية في ولايته؛ لأنه كان يمثل قوة كبيرة، وأغلب الظن أنه إذا كان قد فعل ذلك لكان من الممكن أن تتفادى الأمةُ كثيرًا من الحوادث والعقبات التي شُغلت بها، وأعاقتها عن مواصلة مسيرتها زمنًا، ولكنها إرادة الله وقضاؤه.
ويعلق ابن تيمية -رحمه الله- على موقف الإمام علي من عَزْله معاوية فيقول: "فليت عليًّا تألف معاوية، وأمَّره الشام، وحقن الدماء".

... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


وقال ابن تيمية أيضًا: "كان معاوية خيرًا من كثير ممن استنابه علي، فلم يستحق أن يَعزل ويُولِّي من هو دونه في السياسة، فإن عليًّا استناب زياد ابنَ أَبِيه (أي: وهو أقلُّ من معاوية فضلًا ومنزلة)، وقد أشاروا على علي بتولية معاوية، وقالوا له: يا أمير المؤمنين، توليه شهرًا وتعزله دهرًا. ولا ريب أن هذا كان هو المصلحة، إما لاستحقاقه، وإما لتأليفه واستعطافه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من علي، وولَّى أبا سفيان ومعاويةُ خير منه، فولّى مَنْ هو خير من علي مَنْ هو دون معاوية".
ومن ناحية أخرى كان من المأمول أن يستجيبَ معاويةُ لقرار العزل، ويتأسى في ذلك بسعد بن أبي وقاص وخالد بن الوليد رضي الله عنهما، وذلك عندما عزلهما عُمَرُ بن الخطاب رضي الله عنه، فَقَبِلا وآثرا مصلحةَ الأمة على نفسيهما، لكنَّ معاويةَ رضي الله عنه لم يفعل، ورفض البيعةَ لعليٍّ بالخلافة، إلا أن يقيمَ القِصاصَ على قَتَلةِ عثمان رضي الله عنه، ولم يكن معاويةُ ينازِعُه الخلافة، ولا يرى نفسَه أفضلَ منه، وقد أقر هو نفسُه بذلك للوفد الذي أرسله علي إليه لما احتدم الخلاف بينهما، وفيهم أبو مسلم الخولاني حيث قالوا له: أنتَ تنازعُ عليًّا أَوَ أنت مثله؟ فقال: "واللهِ، إني لأعلمُ أنه خيرٌ مني وأفضلُ وأحقُّ بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمانَ قُتل مظلومًا، وأنا ابنُ عمه، وأنا أطلبُ بدمه، وأَمْرُهُ إلي؟ فقولوا له: فَلْيُسلِّمْ إلي قَتَلَةَ عثمان، وأنا أُسلِّم له أمرَه".

... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


لقد امتنع معاوية وأهل الشام عن البيعة لعلي، ورأوا أن يقتصَّ علي رضي الله عنه من القتلة ثم يدخلوا في البيعة، وقالوا: "لا نبايع من يُئوي القَتَلَةَ"، ورأوا أن البيعة لعلي لا تجب عليهم، وأنهم إذا قُوتلوا على ذلك كانوا مظلومين. وكان معاوية رضي الله عنه يرى أن عليه مسئولية الانتصار لعثمان، القَوَد من قاتليه، والله يقول: ((وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا)) [الإسراء: ٣٣]؛ لذلك جمع معاوية الناس، وخطبهم بشأن عثمان، وأنه قتل مظلومًا على يد سفهاء منافقين لم يُقدِّروا الدَّمَ الحرامَ؛ إذْ سفكوه في الشهر الحرام، وفي البلد الحرام. فثار الناس، واستنكروا، وأيدوا معاوية في دعواه وموقفه.
ومن هنا يتبين أن الحرص على تنفيذ حكم الله في القتلة هو السبب الرئيس في رفض أهل الشام –بقيادة معاوية بن أبي سفيان– البيعة لعلي، ورأوا أن تنفيذ حكم القصاص مُقدَّم على البيعة.

... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


والحق أن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لم يكن أقل من غيره حرصًا على إقامة الحد على قَتَلة عثمان، وأنه لن يُقصِّرَ في إقامة الحدِّ على قاتلٍ أبدًا، فضلًا عمن قتلوا الخليفة، لكن الموقف الذي هم فيه آنذاك لا يمكنه من ذلك، فإذا كان الذين نفذوا القتل في عثمان رضي الله عنه عددًا محدودًا (قيل: هم الغافقيّ بن حرب (زعيم ثوار مصر) ومعه سُودان بن حمران، وكِنانة بن بشر التجيبي)، إلا أنَّ وراءهم عشرة آلافٍ من الثوار الذين ضلّلوهم وأقنعوهم بسلامة موقفهم، ومن ثَمَّ فهم مستعدون للدفاع عنهم؛ ولذلك كانوا عندما يسمعون قائلًا يقول: مَن قتل عثمان؟ كان العشرةُ آلافٍ يصيحون: "نحن جميعًا قتلناه". ومن هنا كان رأيُ علي بن أبي طالب واجتهادُه: الصبرَ والتّرَيُّثَ، ريثما تهدأ الأوضاع ويعود الناس إلى بلادهم، وعندئذٍ يمكن التحقيق في الأمر، وإقامة الحد على القتلة الحقيقيين.
وقد عبر الإمام علي عن موقفه هذا عندما دخل عليه جماعة من رءوس الصحابة بعد إتمام البيعة له –فيهم طلحة والزبير– وطلبوا منه إقامة الحدود والأخذ بدم عثمان، فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، وقال لهم: "يا إخوتاه، إني لست أجهل ما تعلمون، ولكن كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم؟ هاهم هؤلاء قد ثارت معهم عُبْدَانُكم، وثابت إليهم أعرابُكم، وهمْ خِلالكم (أي: يعيشون بينكم) يَسُومُونكم ما شاءوا (أي: يسيطرون عليكم)، فهل ترون موضعًا لقدرةٍ على شيء مما تريدون؟ قالوا: لا، قال: فلا –واللهِ- أرى إلا رأيًا ترونه أبدًا، إلا أن يشاء الله...".

... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


وقد فسَّر ابن تيمية موقف علي بن أبي طالب ومعاويةَ في قضيةِ القِصاص بقوله: "لم يكن علي –مع تفرق الناس عليه– متمكنًا من قتل قتلة عثمان إلا بفتنة تزيد الأمر شرًّا وبلاء، ودفع أفسد المفسدتين بالتزام أدناهما أولى من العكس؛ لأنهم (أي: الثوار الذين احتلوا المدينة النبوية وقتلوا عثمان) كانوا عسكرًا، وكان لهم قبائل تَغْضَبُ لهم، والمباشِرُ منهم للقتل (أي: الذين نفذوا جريمة القتل) –وإن كانوا قليلًا– كان ردؤهم (أي: الذين يساندونهم) أهل الشوكة، ولولا ذلك لم يتمكنوا.
ولما سار طلحة والزبير إلى البصرة ليقتلوا قَتَلة عثمان، قام بسبب ذلك حرب (وهي حرب الجمل) قتل فيها خلق. ومما يبين ذلك أن معاوية قد أجمع الناس عليه بعد موت علي، وصار أميرًا على جميع المسلمين، ومع هذا فلم يقتل قتلة عثمان الذين كانوا قد بقوا (أي: على قيد الحياة)، فإن كان قتلهم واجبًا –وهو مقدور له– كان فعله بدون قتال المسلمين أولى من أن يقاتل عليًّا وأصحابه لأجل ذلك. ولو قتل معاوية قتلة عثمان لم يقع من الفتنة أكثر مما وقع ليالي صفين، وإن كان معاوية معذورًا في كونه (بعد أن صار خليفة) لم يقتل قتلة عثمان لعجزه عن ذلك، أو لما يفضي إليه ذلك من الفتنة وتفريق الكلمة، وضعف سلطان، فعلي أولى أن يكون معذورًا أكثر من معاوية؛ إذ كانت الفتنة وتفريق الكلمة وضعف سلطانه بقتل القتلة لو سعى في ذلك أشد...".

... ٢.٣ أهم الأحداث التاريخية التي وقعت في زمن خلافة علي -رضي


هذا ما كان يراه علي بن أبي طالب رضي الله عنه؛ لقد كان موافقًا من حيث المبدأ على وجوب إقامة القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، لكنه رأى أن يُرجئَ القصاص من هؤلاء إلى حين استقرار الأوضاع، وهدوء الأمور، واجتماع الكلمة. وبناء على هذا، فإن الاختلاف الذي وقع بين علي ومعاوية لم يكن في أصل المسألة، وإنما كان في الطريقة التي تعالج بها هذه القضية.
وقد بدأ عليٌّ في مراسلة معاوية مرة بعد مرة، يدعوه إلى البيعة والدخول في الجماعة، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى نتيجة، وبقي معاوية على مطالبته بالقصاص من قتلة عثمان، أو تسليمهم إليه -باعتباره ولي دم عثمان- قبل النظر في البيعة، وسانده في ذلك سبعون ألفًا من أهل الشام، كلهم يبكون تحت قميص عثمان المعلق على منبر المسجد الجامع بدمشق.
وعندئذٍ عزم علي بن أبي طالب على قتال معاوية، واعتبره من البغاة الذين خرجوا على طاعة الخليفة، فأعد العدة، وجهز جيشه ليسير به إلى الشام لقتال الفئة الباغية. وقد نصحه كثيرون بعدم اللجوء للحرب؛ لأن عواقبها وخيمة، ومنهم الحسن الذي قال له: "يا أبت، دعْ هذا؛ فإن فيه سفك دماء المسلمين ووقوع الاختلاف بينهم". لكن عليًّا رضي الله عنه لم يقبل ذلك وصمّم على القتال.
وبينما هو يستعد لذلك جاءته أخبار أخرى مفزعة لم تكن في حسبانه، تخبره بمسير السيدة عائشة -رضي الله عنها- في جماعة من الناس فيهم طلحة والزبير -رضي الله عنهما- من مكة إلى البصرة، يبحثون عن قتلة عثمان.