١.٣ كيفية إتمام البيعة لعلي، وانعقاد البيعة له بالخلافة بإجماع الصحابة
كيفية إتمام البيعة لعلي
 |
قُتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه- شهيدًا مظلومًا يوم الجمعة لثماني عشرة مَضَتْ من ذي الحجة، سنة خمس وثلاثين (على المشهور)، بأيدي الثوار من الرعاع الخارجين عليه، ولم يكن أحد من الصحابة يتصور أن هؤلاء الثوار يتجرءون على قتل الخليفة؛ لأنهم -أي الثوار- غلب عليهم إظهار القول الحسن، والقراءة الجيدة للقرآن، والصلاة الحسنة، وقد ظهرت جلافتُهم وجفاؤهم عندما قتلوا الخليفة، ولم يراعوا حرمته ولا حرمة المدينة النبوية، ولا الشهر الحرام، ويُعدُّ هؤلاء تمهيدًا لظهور فرقة الخوارج. |
 |
ولقد ساد الهَرْجُ والاضطراب عاصمة الخلافة "المدينة النبوية"، ولم يعد ثمَّة سلطة عليا تحكم الدولة الإسلامية، ولم يكن في استطاعة "الثوار" الذين يسيطرون على "المدينة" أن يقيموا خليفة منهم؛ لأنهم يعلمون أن هذا الأمر يخصُّ الصحابة من المهاجرين والأنصار وحدهم، وأن الناس تَبَعٌ لهم في ذلك، فأخذوا يعرضون "الخلافة" على كبار الصحابة (علي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر)، لكنهم كانوا جميعًا يُعرضون ويرفضون؛ تقديرًا منهم لضخامة المسئولية. |
١.٣ كيفية إتمام البيعة لعلي، وانعقاد البيعة له بالخلافة بإجماع الصحابة
 |
لكن كانت الأمة في حاجة إلى (إمام أو خليفة) ينقذها من هذه الفوضى، ويقودها إلى بر السلامة والأمان، وتجتمع عليه الكلمة، ولا بد من الإسراع في ذلك قبل أن يصل خبر مقتل عثمان رضي الله عنه إلى الأقاليم وأطراف الدولة، فيقع الخلاف والشر، فيكون له أسوأ النتائج، ومن هنا ألحَّ الناسُ على أبي الحسن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يقبل البيعةَ بالخلافة، ولم يزالوا به حتى أجابهم ووافقهم بعد تمَنُّع شديد منه، وقَبِلَ البيعة تقديرًا للمسئولية الدينية، وإنقاذًا للأمة من المخاطر المحيطة بها، وقد عَبَّر هو -رضي الله عنه- عن ذلك بقوله: "لولا الخشية على دين الله، لم أجبهم". |
 |
وقد روى بعض أهل العلم كيفية اختيار علي رضي الله عنه للخلافة. |
|
 |
فروى أبو بكر الخلال في كتاب (السُّنَّةَ) بإسناده إلى محمد ابن الحنفية (وهو أحد أبناء علي) قال -بعد أن ذكر مقتل عثمان رضي الله عنه، والتزام علي داره: "فأتاه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن هذا الرجل قد قُتل، ولا بد للناس من إمام، ولا نجد أحدًا أحقَّ بها منك، أقدمَ مشاهدَ، ولا أقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال علي: لا تفعلوا؛ فإني لكم وزيرًا خير مني أميرًا. فقالوا: لا واللهِ، ما نحن بفاعلين حتى نبايعَك. قال: ففي المسجد؛ فإنه ينبغي لبيعتي ألا تكون خفية، ولا تكونَ إلا عن رضا المسلمين.... فلما دخل المسجد، جاء المهاجرون والأنصار فبايعوه، وبايع الناس". |
١.٣ كيفية إتمام البيعة لعلي، وانعقاد البيعة له بالخلافة بإجماع الصحابة
|
 |
ويروي الطبري في تاريخه -بإسناد حسن- عن أبي بشير العابدي قال: "كنت بالمدينة حين قتل عثمان رضي الله عنه، واجتمع المهاجرون والأنصار فيهم طلحة والزبير، فأتوا عليًّا، فقالوا: يا أبا الحسن، هلُمَّ نبايعك. فقال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم، فمن اخترتم فقد رضيتُ به... فقالوا: ما نختار غيرك". |
 |
ولقد كان الصحابة في هذه المحنة يُصرحون بأنه "لم يكن يصلح للخلافة إلا عليٌّ" وكان -بحق- أحق بها وأهلها في ذلك الوقت، إذ كان هو أفضل الصحابة الموجودين حينئذٍ، وقـد روى البيهقي بإسناده عن الإمام أحمد أنه قال: "لم يكن أحدٌ أحقَّ بالخلافة في زمان علي، من علي". |
 |
ولذلك قصده الصحابة، وألحوا عليه في قَبُول البيعة، واتفقوا على بيعته وارتضوه جميعًا؛ لما رأوا لفضله على من بقي من الصحابة، وأنه أقدمهم إسلامًا، وأوفرهم علمًا، وأقربهم بالنبي صلى الله عليه وسلم نسبًا، وأحبهم إلى الله ورسوله، وأكثرهم مناقب وفضائل، وأفضلهم سوابق ومواقف، وأرفعهم درجة، وأشرفهم منزلة، وأشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم هديًا وسمتًا، بالإضافة إلى ما كان يتمتع به من القدرة والكفاءة، والشجاعة والحزم في المواقف، والصلابة والقوة في الحق، فكان رضي الله عنه من أجل ذلك كله متعينًا للخلافة، وأفضل من يتولاها دون غيره من الصحابة الموجودين حينئذٍ، بما فيهم طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وهذا هو الصحيح في موقف هذين الصحابيين الجليلين، أنهما بايعا عليًّا عن رضا، وليس صحيحًا أنهما بايعاه مُكرهيْنِ تحت تهديد الثوار المسيطرين على المدينة. |
١.٣ كيفية إتمام البيعة لعلي، وانعقاد البيعة له بالخلافة بإجماع الصحابة
انعقاد البيعة بالخلافة لعلي، بإجماع الصحابة
والحاصل: أن بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه تمت بإجماع الصحابة، ولم يتخلف أحدٌ منهم عن البيعة، ومن ثَمَّ أصبح خليفةً وإمامًا حقًّا، يجب على سائر الناس طاعته، ويحرُمُ الخروجُ عليه ومخالفته، وقد نقل كثير من أهل العلم الإجماعَ على صحة الخلافة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وشرعيتها، وأحقيته لها بعد عثمان رضي الله عنه، ويطول المقام بذكر كلامهم في ذلك، ونكتفي هنا بذكر جانب منه:
 |
يقول الإمام الزُّهْري: وكان عليٌّ قد وفى بعهد عثمان حتى قُتل، وكان أفضل من بقي من الصحابة، فلم يكن أحد أحقَّ بالخلافة منه، ثم لم يستبدَّ بها -مع كونه أحقَّ الناس بها- حتى جرتْ له بيعة، وبايعه مع سائر الناس من بقي من أصحاب الشورى. |
 |
وأصحاب الشورى: هم الذين عيَّنهم عمر؛ ليختاروا خليفةً منهم بعد موته، وكانوا ستة نفرٍ كما ذكرنا في الدرس السابق، وكان مَنْ تبقَّى منهم بعد مقتل عثمان رضي الله عنه: سعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وثلاثتهم بايعوا رابعهم عليًّا رضي الله عنه، أما عبد الرحمن بن عوف -وهو أحد الستة- فكان قد توفي سنة ٣٢ هـ، أي: قبل استشهاد عثمان رضي الله عنه. |
 |
ويقول محمد بن سعد في (الطبقات الكبرى): "بُويِع لعلي بالمدينة الغَدَ من يوم قُتل عثمان بالخلافة، بايعه: طلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعمار بن ياسر، وأسامة بن زيد بن حارثة، وسهل بن حُنيف، وأبو أيوب الأنصاري، ومحمد بن مسلمة، وزيد بن ثابت، وخُزيمة بن ثابت، وجميع من كان بالمدينة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغيرهم". |
١.٣ كيفية إتمام البيعة لعلي، وانعقاد البيعة له بالخلافة بإجماع الصحابة
 |
وقال ابن حجر العسقلاني: "كانت بيعة علي بالخلافة عقب قتل عثمان، في أوائل ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، فبايعه المهاجرون والأنصار وكل من حضر، وكتب بيعته إلى الآفاق، فأذعنوا كلهم إلا معاوية في أهل الشام، فكان بينهما بَعدُ ما كان" -أي: حدث بينهما قتال بسبب الخلاف الذي حدث حول قضية إقامة حد القصاص على من قتل عثمان رضي الله عنه. |
وعدم إذعان معاوية رضي الله عنه لعليٍّ لا يؤثر على الإجماع المنعقد لعلي بالخلافة؛ لأن معاوية لم يقاتل عليًّا على الخلافة، ولم ينكر إمامته، وإنما كان يقاتل من أجل إقامة الحد الشرعي -حد القصاص- على الذين اشتركوا في قتل عثمان رضي الله عنه، وكان معاوية يظن أنه مصيب في اجتهاده وسعيه هذا، لكنه كان مخطئًا، وهذا ما استقر عليه أهل السنة واتفقوا عليه وقرروه في كتبهم، وسيأتي الحديث عن هذا الموضوع قريبًا -إن شاء الله.
 |
يقول إمام الحرمين الجويني في كتابه (لمع الأدلة في عقائد أهل السنة): "إن معاوية وإن قاتل عليًّا، فإنه لا ينكر إمامته، ولا يدعيها لنفسه، وإنما كان يطلب قَتَلَة عثمان، ظنًّا منه أنه مصيب، وكان مخطئًا". |
 |
وقال ابن تيمية: "ومعاويةُ لم يدّعِ الخلافة، ولم يُبايَعْ له بها حين قاتل عليًّا، ولم يُقاتِلْ على أنه خليفة، ولا أنه يستحق الخلافة..." . |
١.٣ كيفية إتمام البيعة لعلي، وانعقاد البيعة له بالخلافة بإجماع الصحابة
 |
ومن الروايات الصحيحة الدالة على أن معاويةَ لم ينازعْ عليًّا في الخلافة، ولا يرى نفسه أفضل منه، ما ذكره ابن كثير في (تاريخه) عن الوفد الذي أرسله علي بن أبي طالب إلى معاوية، وفيهم أبو مسلم الخولاني، فدخلوا عليه وقالوا له: أنت تنازع عليًّا، أَوَأنت مِثلُهُ؟ فقال: "واللهِ، إني لأعلمُ أنه خيرٌ مني وأفضلُ وأحقُّ بالأمر مني، ولكن ألستم تعلمون أن عثمان قُتل مظلومًا، وأنا ابنُ عمه، وأنا أطلب بدمه، وأَمْرُه إلي؟ فقولوا له: فليُسلِّم إلي قَتَلَة عثمان، وأنا أُسلِّم له أَمْرَه". |
أول خطبة خطبها عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- بالخلافة
 |
خطب في الناس خطبة عامة قائلًا -بعد أن حمد الله وأثنى عليه: "إن الله -عز وجل- أنزل كتابًا هاديًا، بيَّن فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، الفرائض أدوها إلى الله سبحانه يُؤدّكم إلى الجنة. إن الله حرم حرما غير مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشدَّ بالإخلاصِ والتوحيد المسلمين، والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده، إلا بالحق، لا يحل أذى المسلم إلا بما يجب، بادِروا أمْرَ العامة؛ فإن الناسَ أمامكم وإن من خلفكم الساعة تحدوكم، تخفَّفُوا تَلْحقْوا، فإنما ينتظر الناس أخراهم. اتقوا الله عبادَه في عبادِه وبلاده، فإنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم. أطيعوا الله عز وجل، ولا تعصوه، وإذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه: ((وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ)) [الأنفال: ٤٤١]" . |
١.٣ كيفية إتمام البيعة لعلي، وانعقاد البيعة له بالخلافة بإجماع الصحابة
 |
ومن الواضح أن عليًّا رضي الله عنه ركّز في هذه الخطبة على إصلاح الأوضاع القائمة، وردِّ الناس إلى دينهم وكتاب ربهم، وتذكيرهم بالخير ونهيهم عن الشر، وبين لهم أن حرمة المسلم فوق كل الحرمات، فلا يجوز إيذاؤه بأي حال من الأحوال. ثم شدد الخليفة على ضرورة الإخلاص وتوحيد الصفوف، ثم ذكرهم بالموت والآخرة، وحثهم على تقوى الله وطاعته والعمل الصالح. |
 |
ولو شئنا أن نلخص خطته التي يريد أن يرسمها للناس، لقلنا: إنه يريد أن يقول: ارجعوا إلى العهد الذي كنتم عليه أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين. وقد أشار في حكمة وبلاغة إلى النهج الذي سيقبلون به عهد الخلافة الجديد بقوله: "إذا رأيتم الخير فخذوا به، وإذا رأيتم الشر فدعوه". |