٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


علاقة علي -رضى الله عنه- بعثمان بن عفان
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه قد اختار ستة من الصحابة، ممن توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وقد أمرهم عمر أن يجتمعوا في بيت أحدهم ويتشاوروا ليختاروا واحدًا منهم، وحدد لهم ثلاثة أيام للانتهاء من هذه المهمة، بحيث لا يأتي اليوم الرابع إلا وعليهم أمير، وقد رضي الناس جميعًا هذا التدبير، ولم يعترض أحد عليه، ورأوا فيه المصلحة للمسلمين؛ لأنه لا يتعارض مع المبادئ الأساسية التي أقرها الإسلام، لا سيما فيما يتعلق بالشورى.
ولم يكد يفرغ الناسُ من دفن عمر -رضي الله عنه- حتى أسرع مجلس الشورى إلى الاجتماع، ليقضوا في أعظم قضية في حياة المسلمين بعد وفاة عمر، وقد تكلم القوم، وبسطوا آراءهم، وتناقشوا واهتدوا إلى كلمة سواء، رضيها الخاصة والكافة من المسلمين.

٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


وقد أشرف عبد الرحمن بن عوف على تنفيذ عملية الشورى واختيار الخليفة، باقتدار وصبر وحزم، وإيثار مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة، وترك عن طواعية حقه في الترشيح ليجمع كلمة المسلمين، فقد قال لأهل الشورى عند اجتماعهم: "اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم". فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي. وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان. وقال سعد: جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف. فأصبح المرشحون ثلاثةً، هم: عثمان، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، ثم خلع عبد الرحمن نفسه، وانحصرت في اثنين، هما: عثمان، وعلي -رضي الله عنهما.
ثم أخذ عبد الرحمن في التعرف على رأي كل واحد منهما في صاحبه، فعرف أن كلًّا منهما يفضل الآخر إذا لم يتولَّ هو الخلافة، وبدأ يتعرف آراء الصحابة الآخرين، وكان يشاور كل من يلقاه في المدينة، من كبار الصحابة وأشرافهم، وأمراء البلدان، ومن يأتي المدينة، وشاور النساء في خدورهن، وسعى في ذلك ثلاثة أيام بلياليها، لا يغتمض بكثير نوم، ورأى أن معظم الناس لا يعدلون ولا يفضلون أحدًا على عثمان رضي الله عنه، ومنهم من كان يشير بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.
فبايع عبدُ الرحمن (عثمانَ) في المسجد الجامع، وبايعه الناس؛ المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد وعامة المسلمين (صبيحة اليوم الأخير من ذي الحجة سنة ٢٣ هـ/ ٦٤ ٤م)، ولم يتخلف أحد عن البيعة، وبايعه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ويقال: إنه كان أولَ من بايعه بعد عبد الرحمن بن عوف.

٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


وكان عبد الرحمن قد أخذ العهد على كل من عثمان وعلي: لئن ولَّاه ليعدلن، ولئن ولَّى عليه ليسمعن وليطيعن، وبدأ بعليٍّ في عرض الأمر عليه، وقال: "هل أنتَ مُبايِعي على كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفعل أبي بكر وعمر؟" فقال علي: "اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي" (أي: بحسب اجتهاده ونظره). ثم وجه السؤال نفسه إلى عثمان، فأجابه "نعم"، فبايعه عبد الرحمن بالخلافة، وتتابع الناس يبايعونه.
قال ابن حجر في (الإصابة): "كان علي أحدَ الشورى الذين نصَّ عليهم عمر، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف، وشرط عليه شروطًا امتنع من بعضها، فعدل عنه إلى عثمان فقبلها، فولَّاه، وسلم عليّ، وبايع عثمانَ".
وبهذا كانت البيعة لعثمان إجماعًا من الصحابة على تفضيله وتقديمه، ودلت النصوص الصحيحة على أحقيته رضي الله عنه، ومنها ما رواه البخاري عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كنا في زمن النبيّ صلى الله عليه وسلم لا نَعْدِلُ بأبي بكر أحدًا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نترك أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم لا نفاضل بينهم".
ونقل الحافظ الذهبي عن شريك بن عبد الله القاضي أنه قال: "قُبِض رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فاستخلف المسلمون أبا بكر، فلو علموا أن فيهم أحدًا أفضل منه كانوا قد غشوا. ثم استخلف أبو بكر (عمرَ)، فقام بما قام به من الحق والعدل، فلما احتضر جعل الأمر شورى بين ستة، فاجتمعوا على عثمان، فلو علموا أن فيهم أفضل منه كانوا قد غشونا".

٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


وقد اتهمت الروايات الباطلة التي يرددها الشيعة الرافضة الصحابةَ بالمحاباة في أمر المسلمين، وعدم رضا علي بن أبي طالب بعبد الرحمن بن عوف أن يقوم باختيار الخليفة، وأنه -أي: علي- أحسّ بأن الخلافة قد ذهبت منه، وأن عبد الرحمن سيقدِّم عثمانَ للمصاهرة التي بينهما.
إن التفسير القائل بأن عبد الرحمن بن عوف كان يحابي عثمان ويجامله (لأنه صهره) على حساب علي بن أبي طالب، لا أساس له من الصحة ولا من الواقع التاريخي، فقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- أتقى لله، وأحرص على مصلحة الأمة، وأكرم على نفوسهم مما يتصوره هؤلاء الذين يقولون بهذا القول الباطل، وقد كان بوسع عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- ألا يُخرِجَ نفسه من الترشيح للخلافة، ولربما -لو لم يُخرِجَ نفسه- يقع عليه الاختيار ليكون هو الخليفة المنتظر.
ولو أراد عبد الرحمن أن يحابي أحدًا لحابى ابنَ عمه سعد بن أبي وقاص الزُّهْري رضي الله عنه، فهو أقرب إليه من عثمان (الأموي)، لكنه شاور الناس فما وجدهم يقدِّمون أحدًا على عثمان ثم عليٍ، مع تفضيل أكثرهم عثمان؛ لِما فيه من لينٍ وسماحةٍ بعد شدة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه.
وصحيح أن عبد الرحمن تزوج أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأبوها من بني أمية (وهذه هي المصاهرة التي بنى عليها أصحاب هذه الروايات المكذوبة محاباة عبد الرحمن لعثمان)، لكن تناسوا طبيعة العلاقة بين المؤمنين في الجيل الأول، وأنها لا تقوم على النسب ولا المصاهرة، وإنما على أُخوة الإيمان والعقيدة.

٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


ولسنا هنا بصدد الرد على هذه الأباطيل بالتفصيل، ونكتفي بنقل كلام ابن كثير في (تاريخه) حيث قال: "وما يذكره كثيرٌ من المؤرخين عن رجال لا يُعرفون (أي: مجهولين) أن عليًّا قال لعبد الرحمن: خدعتَني، وإنك إنما ولَّيتَه لأنه صِهْرُك، ولِيُشاوِرَك كلَّ يوم في شأنه... إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في (كتب) الصحاح، فهي مردودة على قائليها وناقليها. والمظنون من الصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة وأغبياءِ القُصَّاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار وضعيفها، ومستقيمها وسقيمها".

موقف علي رضي الله عنه من مقتل عثمان رضي الله عنه
بخصوص هذا الحديث الخطير، فإن الذين أثاروا فتنة عثمان ووسعوا في إشعال نارها، إنما هم "رعاع، ورءوس شر وجفاء" (كما وصفهم الذهبي)، "أراذل من أوباش القبائل" (كما وصفهم ابن العماد في شذرات الذهب)، ووصفهم ابن سعد في الطبقات الكبرى "9" بأنهم "حثالة الناس" كما وصفهم ابن تيمية بأنهم "خوارج مفسدون، ضالون، باغون، معتدون"، ووصفهم الزبير بن العوام بأنهم "غوغاء"، ووصفتهم السيدة عائشة بأنهم "نُزَّاع القبائل"، كما أن هؤلاء كانوا من ضعاف الإيمان، قليلي العلم، ناقصي الفهم لأحكام الإسلام، وغلبت عليهم العصبية الجاهلية.
ولقد قامت السبئية في تحريك هذه الفتنة، وتلفيق التهم ضد عثمان -رضي الله عنه- وهؤلاء هم أتباع "عبد الله بن سبأ" أحد قادة الفتنة، فقد كان يهوديًّا من اليمن -وقيل: من أهل الحيرة جنوب العراق- ثم أسلم ظاهرًا.


٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


ويتفق المشاهير من العلماء والمؤرخين من السلف والخلف، على أن ابن سبأ ظهر بين المسلمين بعقائد وأفكار فاسدة، وطاف البلاد ليلفت الناس عن طاعة إمامهم، ويوقع بينهم الفرقة والاختلاف، وكان من الرءوس الذين أثاروا الغوغاء على الخليفة عثمان رضي الله عنه، ودبروا له المكايد حتى قُتل شهيدًا محاصرًا.
وقد ادَّعى أن "علي بن أبي طالب" -رضي الله عنه- هو وصي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه أحق بالخلافة، وأعلن انتقاص أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، كما ادعى أن عليًّا نبي، وكان يقول له: "أنت الإله"! وقد تبعه على ذلك طوائف من الجهلة الرعاع عُرفوا بالسبئية، واشترك منهم الكثيرون في أحداث الفتنة.
وهذا هو بيت القصيد: إن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يشترك أحدٌ منهم في التحريض على عثمان رضي الله عنه، ولقد كثرت الروايات الباطلة والمكذوبة التي تتهم الصحابة الكرام بالتآمر ضد عثمان رضي الله عنه، وأنهم هم الذين حرّكوا الفتنة وحرضوا على قتله، وهذا كله كذب وزور، وينبغي الاعتماد على الروايات الصحيحة التي تؤكد براءة الصحابة من التحريض على عثمان أو المشاركة في الفتنة ضده.
كذلك كانوا من المؤازرين لعثمان والمدافعين عنه أثناء الحصار، وأنهم تبرءوا من قتله، ودخلهم حزن عميق بسبب ما حدث له، ومن يقول بخلاف ذلك فكلامه باطل، لا يستطيع أن يقيم عليه أي دليل صحيح.

٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


يروي خليفة بن خياط في (تاريخه) عن عبد الأعلى بن الهيثم، عن أبيه قال: قلت للحسن: أكان فيمن قتل عثمان أحد من المهاجرين والأنصار؟ قال: "لا، كانوا أعلاجا" -أي: الذين قتلوه كانوا أعلاجًا، فيهم جفاء وغلظة في الطباع.
وقال الإمام النووي: "ولم يشارك في قتله أحد من الصحابة، وإنما قتله همج رعاع من غوغاء القبائل، سفلة الأطراف والأراذل، تحزبوا وقصدوه من مصر فحصروه، حتى قتلوه -رضي الله عنه".
قال ابن كثير في (تاريخه): "وما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه (أي: تخلى عن عثمان) ورضي بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه، بل كلهم كرهه ومقته".
وقال أيضا: "إن الصحابة مانعوا (أي: دافعوا) عن عثمان أشدَّ الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم، ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك (أي: الأحزاب) مما أرادوا".

٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


وأهم الأسباب التي دعت عثمان إلى منع الصحابة من القتال والدفاع: أنه قال: "لن أكون أول من خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أمته بسفك الدماء" (رواه الإمام أحمد في المسند)، وأن البغاة لا يريدون غيره، فكره أن يحتمي بالمؤمنين، وأحب أن يقيهم بنفسه. إضافة إلى أنه علم بأن هذه الفتنة فيها قتله، وذلك فيما أخبره بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند تبشيره إياه بالجنة على بلوى تصيبه، وأنه سيقتل مصطبرًا بالحق، رواه أحمد في المسند. وقد أكد ذلك تلك الرؤيا التي رآها ليلة قتله، فقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: "أفطر عندنا" فأصبح صائمًا وقُتل من يومه (رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى بإسناد حسن).
ويطول المقام بنا إذا استعرضنا مواقف أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الدفاع عن عثمان رضي الله عنه، وإبداء الحزن الشديد لمقتله، وأقوالهم في ذكر مناقبه وفضائله، وإعلان البراءة من دمه، والتبرؤ من التحريض على قتله، أمثال: السيدة عائشة، وعلي بن أبي طالب، وابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، والحسن والحسين ابني علي، وحذيفة بن اليمان، وأبي هريرة، وأبي موسى الأشعري، وأبي بكرة، وسلمة بن الأكوع، وغيرهم -رضي الله عنهم أجمعين.
فماذا فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه؟ وهل كان له دور في التحريض على عثمان -رضي الله عنه- وإثارة الناس عليه، كما تردد بعض الروايات؟


٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


لقد استعان عثمان -رضي الله عنه- قبل استشهاده بما يقارب شهرًا ونصفًا بعلي بن أبي طالب في التفاوض مع مثيري الفتن، ونجح عليّ في إقناعهم بالرجوع عن موقفهم والعودة إلى أمصارهم وديارهم، لكن البغاة زعماء الفتنة (من السبئية) عملوا على إفشال هذا الصلح، وخطَّطوا من جديد لإشعال الفتنة وتلفيق التهم ضد عثمان.
وفي أثناء الحصار الذي ضربه "الثوار الخوارج" على دار عثمان -رضي الله عنه- كان علي من أكثر الناس حرصًا على الدفاع عن عثمان -رضي الله عنه- والوقوف بجانبه، فقد روى ابن عساكر (في تاريخ دمشق) أن عليًّا أرسل إلى عثمان قائلًا: "إن معي خمسمائة دارع، فأذن لي فأمنعك من القوم، فإنك لم تحدث شيئًا يستحلّ به دمك. فقال عثمان: جزيت خيرًا، ما أحب أن يهراق دم في سببي"، ولما منع الثائرون الماء عن عثمان حتى كاد أهله أن يموتوا عطشًا، أرسل علي إليه بثلاث قرب مملوءة ماءً، فما كادت تصل إليه، وجرح بسببها عدة من موالي بني هاشم وبني أمية، حتى وصلت.
لقد اتُّهم عليٌّ -رضي الله عنه- بالسعي في قتل عثمان والتحريض عليه والرضا بمقتله، ورُويت في ذلك روايات باطلة ومزوّرة، كما اتُّهم بذلك غيره من الصحابة؛ كطلحة والزبير وعائشة وأبي ذر الغفاري -رضي الله عنهم جميعًا.
يقول الحاكم في كتابه (المستدرك على الصحيحين) -بعد أن ذكر بعض الأخبار الواردة في قصة مقتل عثمان -رضي الله عنه: "فأما الذي ادعته المبتدعة من معونة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فإنه كذب وزور؛ فقد تواترت الأخبار بخلافه".

٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (منهاج السنة النبوية): "هذا كله كذب على عليٍّ وافتراء عليه، فعليٌّ لم يشارك في دم عثمان رضي الله عنه، ولا أمر، ولا رضي".
وقد تواترت الأخبار -بما تفيد القطع- عن علي نفسه، في أنه ينفي علاقته بمقتل عثمان، وأنه بريء من دمه، وكان يقسم على ذلك في خطبه ومجالسه، ومن هذه الأقوال:
ما رواه الحاكم في (المستدرك) عن قيس بن عباد قال: سمعت عليًّا -رضي الله عنه- يوم الجمل يقول: "اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي...".
وروى ابن سعد في (الطبقات الكبرى) -بإسناده- عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: رأيت عليًّا عند أحجار الزيت رافعًا ضبعيه، يقول: "اللهم إني ابرأ إليك من أمر عثمان".
وروى الإمام أحمد في (المسند) عن محمد ابن الحنفية (وهو من أبناء علي) قال: بلغ عليًّا أن عائشة تلعن قَتَلَةَ عثمان في المربد (موضع قرب البصرة على مسافة ثلاثة أميال) قال: فرفع يديه حتى بلغ بهما وجهه وقال: "وأنا ألعن قتلة عثمان، لعنهم الله في السهل والجبل" قالها مرتين أو ثلاثًا.
هكذا كان موقف علي -رضي الله عنه- من عثمان: نصح وشورى، سمع وطاعة، ودفاع عنه أثناء الفتنة، ولم يذكره بسوء قط، وحاول الإصلاح بين الخليفة والخارجين عليه، لكن الأمر كان فوق طاقته، إنها إرادة الله تعالى أن يفوز أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- بالشهادة.

٢.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بعثمان بن عفان، وموقفه من مقتله


هذا، بالإضافة إلى الأقوال المأثورة عن علي -رضي الله عنه- التي يثني فيها على عثمان ويمدحه، ويتحدث بمناقبه وفضائله، ومن ذلك قوله عنه: "كان أوصلنا للرحم، وأتقانا للرب تعالى" ذكره ابن حجر في كتابه (الإصابة).
وعن محمد بن حاطب قال: سألت عليًّا عن عثمان، فقال: "هو من الذين آمنوا ثم اتقوا، ثم آمنوا ثم اتقوا" رواه أحمد في
(فضائل الصحابة، بإسناد حسن).
وعن محمد بن حاطب أيضا قال: سمعت عليًّا يقول: ((إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ))
[الأنبياء: ١٠١] منهم: عثمان. (رواه الإمام أحمد).
وعن قيس بن عباد قال: سمعت عليًّا -رضي الله عنه- وذكر عثمان، فقال: هو رجل قال له رسول
الله -صلى الله عليه وسلم: {{ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة؟}} رواه مسلم في صحيحه.