١.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بالصديق والفاروق عمر -رضي الله عنهما
علاقة علي رضي الله عنه بالصديق والفاروق -رضي الله عنهما
كان علي رضي الله عنه وزير صدق للخلفاء الثلاثة قبله: أبي بكر، وعمر، وعثمان -رضي الله عنهم- وكانوا يعرفون له قدره ومكانته، ويستشيرونه في مهام الأمور قبل إبرامها؛ لما كان يتمتع به من عقل راجح، وفكر صائب، ورأي سديد، ولما كان لديه من علم وافر بكتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم.
أولًا: أبو بكر الصديق رضي الله عنه (١١-١٣ هـ)
وليس بصحيح أن عليًّا تأخر عن بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالخلافة إلى ما بعد وفاة زوجته فاطمة رضي الله عنها، وقد توفيت بعد وفاة أبيها النبيّ صلى الله عليه وسلم بستة أشهر.
 |
وإنما تؤكد الروايات الصحيحة أنه رضي الله عنه بايع أبا بكر ولم يتخلف عن البيعة في اليوم الأول من وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم، أو في اليوم الثاني من الوفاة؛ فقد روى البيهقي في (السنن)، والإمام أحمد في (المسند)، والحاكم في (المستدرك) -بإسناد صحيح كما يقول ابن كثير في تاريخه- عن أبي سعيد الخدري قال: "قُبِض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجتمع الناس في دار سعد بن عبادة، وفيهم: أبو بكر وعمر....". |
١.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بالصديق والفاروق عمر -رضي الله عنهما
 |
إلى أن قال: فصعد أبو بكر المنبر، فنظر في وجوه القوم فلم ير الزيبر. قال: فدعا الزبيرَ، فجاء، فقال: قلت: ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريُّه، أردتَ أن تشق عصا المسلمين؟ فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله، فقام فبايعه. ثم نظر في وجوه القوم فلم ير عليًّا، فدعا بعلي بن أبي طالب فجاء، فقال: قلت: ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وختنه على ابنته، أردتَ أن تشقَّ عصا المسلمين؟ قال: لا تثريب يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعه". |
 |
وروى الطبري في (تاريخه) عن حبيب بن أبي ثابت قال: "كان علي في بيته، إذ أُتِي فقيل له: قد جلس أبو بكر للبيعة. فخرج في قميص ما عليه إزار ولا رداء عجلًا؛ كراهيةَ أن يُبطئَ عنها حتى بايعه. ثم جلس إليه وبعث إلى ثوبه، فأتاه، فتجلله (أي: لبسه وعم به جسده)، ولزم مجلسه". |
 |
أما رواية عائشة -رضي الله عنها- في صحيح البخاري التي تشير (في ظاهرها) إلى أن بيعة علي لأبي بكر الصديق كانت بعد وفاة فاطمة -أي: بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بستة أشهر- فهي محمولة على أنها بيعة للمرة الثانية، وكانت فاطمة -رضي الله عنها- قد أخذت في خاطرها على أبي بكر بعضَ العتاب، ووجدتْ عليه، وهجرته، فلم تكلمه حتى ماتت (كما جاء في رواية البخاري)؛ وذلك لتوهُّمِها أن لها حقًّا في ميراث الرسول صلى الله عليه وسلم، والصوابُ خلافُ ذلك؛ لورود الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة"، فاحتاج عليٌّ -رضي الله عنه- أن يراعي خاطرها بعض الشيء. |
١.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بالصديق والفاروق عمر -رضي الله عنهما
ثانيًا: عمر الفاروق رضي الله عنه (١٣-٢٣ هـ)
 |
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه -في خلافته- يعرف لعلي فضلَه وفقهَه وحكمتَه، وكان رأيه فيه حسنًا، وقال في حقه: "أقضانا علي" -أي: أفضلنا في مسائل القضاء- ويقول عنه: "أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن". |
 |
وكثيرًا ما كان عُمر يستشير عليًّا ويأخذ برأيه في القضاء، وتنظيم شئون الدولة الإدارية والمالية والحربية، واستخلفه على المدينة مرارًا، واختاره من بين الستة الذين رشحهم للخلافة من بعده، ويُعرفون بـ "أهل الشورى"، وهم: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله -رضي الله عنهم جميعًا- وقد توفي النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راضٍ، وكلُّهم من المبشرين بالجنة -إن شاء الله. |
 |
كما أن عمر رضي الله عنه تزوج أمَّ كلثوم بنت علي (وأمها فاطمة رضي الله عنها) وأنجبت له "رقية" و"زيدًا". وفي ذلك دلالة على أن عمر رضي الله عنه كان يُكِنُّ لآل بيت علي محبة خاصة؛ لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بإكرامهم ورعاية حقوقهم. |
١.٢ علاقة علي -رضي الله عنه- بالصديق والفاروق عمر -رضي الله عنهما
 |
وكان يقول -كما في رواية الإمام أحمد في المسند بإسناد حسن، عن أبي حنيفة قال: "سمعت عليًّا رضي الله عنه يقول: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد نبيها؟ أبو بكر. ثم قال: ألا أخبركم بخير هذه الأمة بعد أبي بكر؟ عمر رضي الله عنه". |
 |
ويذكر ابن حجر في (لسان الميزان) أن سُوَيد بن غَفْلة دخل على عليٍّ في إمارته -وكان سويد من أصحابه- فقال له: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر، يرون أنك تُضمر لهما مثل ذلك (أي: بُغْضًا)، منهم عبد الله بن سبأ! فقال علي: "ما لي ولهذا الخبيث الأسود!". ثم قال: "معاذ الله، إن أُضمر لهما إلا الحسن الجميل". |
 |
ثم أرسل إلى ابن سبأ فأخرجه إلى المدائن، وقال: "لا يساكنني في بلدة أبدًا". ثم نهض إلى المنبر حيث اجتمع الناس، فأثنى على أبي بكر وعمر، ثم قال: "ألا لا يبلغني عن أحدٍ يفضِّلني عليهما، إلا جلدته حد المفتري" -أي: حدَّ القذف. |