٢.١ موقف علي البطولي في الهجرة، وزواجه من فاطمة -رضي الله عنها


الدور الذي قام به علي في هجرة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة
ظل علي بن أبي طالب رضي الله عنه في مكة صابرًا وثابتًا على دينه بعد إسلامه، إلى أن أذن الله تعالى لنبيه في الهجرة إلى يثرب، فأعد النبيّ صلى الله عليه وسلم لها، وأحكم خطتها، وأفرغ وسعه في الأخذ بالأسباب الممكنة التي تكفل نجاحها.
ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حينما خرج من بيته مهاجرًا، أمر عليًّا بأن ينام في فراشه؛ لتضليل المشركين الذين عزموا على قتله، وأمره أن يقيم في مكة أيامًا حتى يؤدي الأمانات التي كانت عند النبيّ صلى الله عليه وسلم ويسلمها إلى أهلها.
وقد جاء في رواية، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: {{نَمْ في فراشي، وتَسَجَّ ببردي هذا الحَضْرمي الأخضر، فنم فيه؛ فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم}}.
وذكر موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري قال: "رقد عليٌّ على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم يُورِّي عنه (أي: يخفي أمره، ويلفت أنظار المشركين عنه)، وباتت قريش تختلف، وتأتمر: أيهم يهجم على صاحب الفراش فيوثقه؟ حتى أصبحوا، فإذا هم بعلي فسألوه، فقال: لا علم لي. فعلموا أنه فرّ منهم".

٢.١ موقف علي البطولي في الهجرة، وزواجه من فاطمة -رضي الله عنها


وروى الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن -كما يقول ابن حجر- عن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله تعالى: ((وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) [الأنفال: ٣٠] قال: "تشاورت قريش ليلة بمكة، فقال بعضهم: إذا أصبح فأثبتوه بالوثاق -يريدون النبيّ صلى الله عليه وسلم- وقال بعضهم: بل اقتلوه. وقال بعضهم: بل أخرجوه. فأطلع الله نبيَّه صلى الله عليه وسلم تلك الليلة، وخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم حتى لحق بالغار، وبات المشركون يحرسون عليًّا، يحسبونه النبيّ صلى الله عليه وسلم -يعني: ينتظرونه حتى يقوم، فيفعلون به ما اتفقوا عليه. فلما أصبحوا ورأوا عليًّا -ردَّ الله مكرهم- فقالوا: أين صاحبك هذا؟ قال: لا أدري. فاقتصُّوا أثره...".
وفي هذه القصة ما يدل على شجاعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعمق إيمانه بقضاء الله وقدره. وفيها كذلك ما يدل على ثقة النبيّ صلى الله عليه وسلم فيه، واطمئنانه إلى قدراته؛ ولذا فقد اختاره لهذه المهمة الثقيلة.
أما عن هجرة علي رضي الله عنه نفسه: فبعد أن انتهى من أداء المهمة التي كلفه بها النبيّ صلى الله عليه وسلم، وردَّ الأمانات إلى أهلها، تأهب للخروج ليلحق بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد ثلاث ليالٍ قضاها في مكة، وكان علي في أثناء هجرته يكمن بالنهار، ويسير بالليل، قاطعًا الطريق على قدميه، ومن غير أن يكون معه أنيس، حتى وصل إلى المدينة، ونزل في قُباء عند بني عمرو بن عوف، حيث نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وصوله.

٢.١ موقف علي البطولي في الهجرة، وزواجه من فاطمة -رضي الله عنها


وقد آخى النبيّ صلى الله عليه وسلم بينه وبين علي بن أبي طالب، ووضع يده على منكبه وهو يقول له كما في رواية ابن سعد في (الطبقات): "أنت أخي، ترثني وأرثك". وهذا قبل نزول آيات المواريث التي قطعت التوارث بالمؤاخاة على الإسلام. وفي رواية: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم آخى بين عليٍّ وسهل بن حنيف.

زواجه من فاطمة -رضي الله عنها- ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم
وُلِدتْ فاطمةُ -رضي الله عنها- قبل مبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم بخمس سنوات تقريبًا، أثناء إعادة قريش بناء الكعبة، وأمُّها هي خديجة رضي الله عنها. وقد زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم فاطمة عليًّا برضًى منها سنة اثنتين من الهجرة بعد غزوة بدر، وأمهرها درعًا حطمية، ثمنها أربعة دراهم (كما يقول عكرمة مولى ابن عباس)، ويروى أنه أمهرها أربعمائة درهم. وقد أعد وليمةً للعرس، ودعا لهما النبيّ صلى الله عليه وسلم بقوله: {{اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما}}. وكان عمرها -رضي الله عنها- حين بنى بها عليٌّ ثماني عشرة سنة.
وولدت له: الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وأم كلثوم وهي التي تزوجها عمر بن الخطاب، ولم يتزوج عليٌّ رضي الله عنه غيرَ فاطمة -رضي الله عنها- إلى أن تُوفِّيت بعد وفاة النبيّ صلى الله عليه وسلم بستة أشهر، وهي في سن تسع وعشرين سنة، ودُفنت في البقيع.

٢.١ موقف علي البطولي في الهجرة، وزواجه من فاطمة -رضي الله عنها


ولعلي أولاد آخرون كثيرون، ذكور وإناث، من أمهات شتى. قال ابن سعد في (الطبقات): "وجميع ولد علي بن أبي طالب لصلبه: أربعة عشر ذكرًا، وتسع عشرة امرأة".
وقد تزوج من النساء: "أم البنين بنت حزام بن خالد" و"ليلى بنت مسعود بن خالد" (من بني تميم) و"أسماء بنت عميس الخثعمية" و"أم حبيب بنت زمعة بن بحر" (أم ولد، من السبي الذين سباهم خالد بن الوليد من بني تغلب، حين أغار على بلدة عين التمر)، و"خولة بنت جعفر بن قيس" (من بني حنيفة) وولدت له محمدًا الذي يُعرف بمحمد ابن الحنفية، ومن زوجات علي كذلك "أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن مغيث بن مالك الثقفي".

جهاده مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم
وقد شهد علي رضي الله عنه المشاهد والغزوات كلَّها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما عدا غزوة تبوك (في العام التاسع من الهجرة)؛ فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم خلَّفه على أهل بيته، وقال له -كما في رواية ابن سعد (بإسناد قوي) عن البراء وزيد بن أرقم رضي الله عنهما: "لا بد أن أُقيم أو تُقيم" فأقام علي رضي الله عنه، فسمع ناسًا -يعني من المنافقين- يقولون: إنما خلَّفه لشيء كرهه منه. فخرج علي حتى أدرك النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقال له -كما في رواية البخاري: يا رسول الله، أتخلفني في الصبيان والنساء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ...

٢.١ موقف علي البطولي في الهجرة، وزواجه من فاطمة -رضي الله عنها


... {{ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه ليس نبي بعدي}}. وفي رواية للإمام أحمد في (المسند) زيادة: "فقال علي: رضيتُ، رضيتُ".
وكان علي رضي الله عنه في كل غزواته ومشاهده مع الرسول صلى الله عليه وسلم مظفرًا منصورًا، ذا بلاء وغناء، وله الأثر المحمود المقام الذي لا يجهل شجاعةً وإقدامًا، لا يبالي بمصارع الموت، وكانت له بطولات نادرة، ومهارات فائقة في القتال والمواجهة، وكلُّها تؤكد قوةَ إيمانه، وصحةَ عقيدته، وشدَّةَ حبه لله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ورغبتَه في الفوز بالشهادة في سبيل الله تعالى.
وقد أرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم عليًّا إلى اليمن يدعو "همدان" إلى الإسلام، فأسلموا على يديه، وأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقضي بين الناس هناك، وحفظت كتب الفقه والحديث والتاريخ مجموعة من القضايا التي حكم فيها علي -رضي الله عنه- وهو في اليمن، وأقره النبيّ صلى الله عليه وسلم عليها.
ولما توفي رسول الله كان عليٌّ ممن باشر غسله مع الفضل بن العباس وأسامة بن زيد رضي الله عنهما، وروى ابن ماجه في (سننه) -بإسناد صحيح- عن سعيد بن المسيب، أن عليًّا -رضي الله عنه- لما غسَّل النبيّ صلى الله عليه وسلم ذهب يلتمس منـه مـا يلتمـس من الميت، فلم يجده، فقال: بأبي (أي: فداك أبي) الطيب، طِبْتَ حيًّا، وطِبْتَ ميتًا". ونزل علي في قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وباشر دفنه مع الفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وعبد الرحمن بن عوف، وشقران (مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم).