١.١ مولد ونشأة علي بن أبى طالب، وإسلامه


اسمه ونسبه وكنيته وصفته الخِلْقية
اسمه ونسبه
علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي بن كِلاب، الهاشمي، القرشي، ابن عم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويلتقي معه في جدّه الأول عبد المطلب بن هاشم.
وأبـوه "أبـو طالب" اسمه "عبد مناف"، كان يحامي عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ويناصره، وكان النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يودُّ أن يُسلم عمه، وحضر وفاته، وحثّه على النطق بكلمة التوحيد "لا إله إلا الله"، لكن شاء الله وقدر أن يموت أبو طالب مشركًا.
وإخوة علي -رضي الله عنه- هم: طالب (مات مشركًا بعد غزوة بدر)، وعَقيل (أسلم في عام الفتح)، وجعفر (الطيار الذي استُشهد في غزوة مؤتة سنة ٨ هـ)، وأم هانئ (واسمها فاختة، أسلمت وروت بعض الأحاديث عن النبيّ -صلى الله عليه وسلم)، وجُمانَة.
وأمهم جميعًا هي: فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، وهي أول هاشمية ولدتْ لهاشمي، أسلمتْ وهاجرتْ إلى النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وروتْ عنه، وكانت في الجاهلية -أي: قبل الإسلام- تقوم على رعاية النبيّ -صلى الله عليه وسلم- حينما كفله أبو طالب بعد موت عبد المطلب بن هاشم.

١.١ مولد ونشأة علي بن أبى طالب، وإسلامه


ومن المعروف أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وُلِدَ يتيمًا، فكفله جده عبد المطلب، وأوصى عند موته أكبر أبنائه أبا طالب أن يقوم بكفالته ورعايته، فضمه أبو طالب إلى أولاده، فعاش النبيّ -صلى الله عليه وسلم- عقدين من حياته في كنف عمه وزوجته فاطمة بنت أسد -رضي الله عنها- وكانت امرأة صالحة، وكان النبيّ -صلى الله عليه وسلم- يزورها ويقيل -أي: ينام القيلولة- في بيتها.

كنيته
وكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- يُكنى بأبي الحسن، أي: باسم ولده الأكبر "الحسن" -رضي الله عنه.
والكنية في اللغة: ما يُجعل علمًا على الشخص غير الاسم واللقب، وتكون مُصدَّرة بلفظ (أب) أو (أم)، نحو: "أبو الحسن"، و"أم الخير".
وكناه النبيّ صلى الله عليه وسلم "أبا تراب"، وكانت من أحب الأسماء إلى نفسه (كما يقول هو رضي الله عنه) وكان يفرح إذا دُعِي بها.
وسبب تكنية علي رضي الله عنه بهذه الكنية ما جاء في رواية البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد قال: جاء رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بيتَ فاطمة، فلم يجد عليًّا في البيت فقال: أين ابن عمك؟ قالت: كان بيني وبينه شيء، فخرج ولم يَقِل عندي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لإنسان: انظر أين هو؟ فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقد. فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مضطجع قد سقط رداؤه عن شقه، وأصابه تراب، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسحه عنه، ويقول: {{قم أبا تراب، قم أبا تراب}}.


١.١ مولد ونشأة علي بن أبى طالب، وإسلامه


مولده، وكفالة النبيّ صلى الله عليه وسلم له صغيرًا
وقد وُلد علي رضي الله عنه قبل مبعث النبيّ صلى الله عليه وسلم بعشر سنين، وهذا هو الراجح من أقوال أهل العلم -كما يقول ابن حجر العسقلاني- ورُبِّي في حِجْر النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم يفارقه، حيث كان أبو طالب رجلًا كثير العيال، قليل الحال. وحدث أن أصابت قريشًا أزمة شديدة (مجاعة)، فعرض النبيّ صلى الله عليه وسلم (وكان قد تزوج من خديجة رضي الله عنها) على عمه العباس بن عبد المطلب (وكان من أيسر بني هاشم) أن يشتركا في تخفيف العبء عن أبي طالب، بأن يتكفل كلُّ واحد منهما بتربية واحد من بنيه والإنفاق عليه، فأخذ العباس جعفرًا وضمه إليه، وانتقل علي إلى بيت النبيّ صلى الله عليه وسلم ليكون في كفالته، ولم يزل معه حتى بعثه الله تبارك وتعالى نبيًّا.
وقد أتيح لعلي القرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك من أعظم نعم الله تعالى عليه، حيث اكتسب من النبيّ صلى الله عليه وسلم كثيرًا من الخلال الحميدة، وازداد معرفة به وبصدقه وأخلاقه الكريمة؛ لذلك فلا عجب أن كان علي أول صبي آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم.


١.١ مولد ونشأة علي بن أبى طالب، وإسلامه


صِفته الخِلْقية
وتعطينا المصادر التاريخية صورة تقريبية لصفته الخلقية والجسدية، وهو في تمام الرجولة، فقد كان رضي الله عنه رَبْعة من الرجال (أي: وسيط القامة)، إلى القِصَر أقرب، آدم (يعني: أسمر)، أدعج العينين (أي: شديد سواد العينين وبياضهما، مع اتساعهما)، حسن الوجه، واضح البشاشة، أبيض الرأس واللحية، طويلها، عريض المنكبين وكأنَّ عنقه إبريق فضة، أبْجر (أي: كبير البطن)، يميل إلى السِّمْنة في غير إفراط، يتكفّأ في مشيته على نحو مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم، شديد الساعد واليد، كانت له قوة جسدية بالغة الصلابة، فربما رفع الفارسَ بيده فجلد به الأرضَ، ويمسك بذراع الرجل فكأنّه أمسك بنَفْسِه، فلا يستطيع أن يتنفّس، وكان يزحزح الحجر الضخم لا يزحزحه إلا رجال، ويحمل الباب الكبير يعجز عن حمله الأشداء (كما حدث في غزوة خيبر، حينما حمل باب الحصن وحده)، وكان إذا مشى للحرب هرول. ثبت الجنان، قوي شجاع، يصيح الصيحة تنخلع لها القلوب الشجعان.


١.١ مولد ونشأة علي بن أبى طالب، وإسلامه


إسلام علي -رضي الله عنه
يذكر ابن كثير في (البداية والنهاية) قصة إسلام علي بن أبي طالب -نقلًا عن ابن إسحاق- فيروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه جاء إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد إسلام خديجة رضي الله عنها، فوجدهما يصليان، فقال علي: ما هذا يا محمد؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: {{دين الله اصطفاه لنفسه، وبعث به رسلَه، فأدعوك إلى الله وحده، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعُزّى}}، فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرًا حتى أُحدِّث أبا طالب. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: {{يا علي، إذا لم تسلم فاكتم}}.
فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في عليٍّ الإسلام، فأصبح غاديًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جاءه، فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: {{تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد}}. ففعـل علي، وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه ولم يظهره.
وقد اختلف العلماء في تحديد سن علي بن أبي طالب حين أسلم، ورجَّح ابن حجر رواية ابن إسحاق: أنه كان في العاشرة من عمره. وروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن عروة بن الزبير قال: "أسلم علي وهو ابن ثماني سنين". وروى ابن سعد في (الطبقات) عن ابن عباس أن عليًّا أسلم وهو ابن إحدى عشرة سنة.


١.١ مولد ونشأة علي بن أبى طالب، وإسلامه


ويشير ابن حجر العسقلاني في كتابه (الإصابة في تمييز الصحابة) إلى أن عليًّا رضي الله عنه هو أول الناس إسلامًا في قول كثير من أهل العلم، وعدَّه ابن هشام في (السيرة النبوية) أول ذكر أسلم.
ولكن الراجح أن عليًّا رضي الله عنه أولُ من أسلم من الغلمان، وكان أبو بكر الصديق رضي الله عنه أول الرجال إسلامًا، وأول من أسلم من الموالي: زيد بن حارثة، وكانت خديجة بنت خويلد -زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم- أول من أسلم مطلقًا.