الثالث عشر: في الهجرة يعلمنا المصطفى (صلي الله عليه وسلم) أنه لا بد من التخطيط الدقيق, حتى لو كان الإنسان مطمئنًا على سلامة موقِفِهِ، وكل الحقائق كانت تؤكد لرسول الله أن الله معه وناصره، ومع هذا لم يتعجل الهجرة، وإنما انتظر الوقت المناسب، وخطط تخطيطًا دقيقًا، حتى جاءه أمر الله بالخروج من مكة، ولم يخرج نهارًا، وإنما خرج ليلًا ليس جبنًا أو خوفًا، وإنما هو الترتيب الدقيق، والتخطيط السليم، والتأني في اتخاذ القرار.
ب. لماذا لم يهاجر النبي (صلي الله عليه وسلم) علانية؟
ذكرت بعض الروايات أن عمر بن الخطاب هاجر علانيةً، قائلًا: "من أراد أن تثكله أمه، أو يُيتم ولده، أو ترمل زوجته، فليتبعني وراء هذا الوادي، فلم يتبعه أحد". هذه رواية تجعلنا نتساءل, لماذا لم يهاجر النبي (صلي الله عليه وسلم) علانية كما فعل عمر بن الخطاب ؟
السبب: أن النبي (صلي الله عليه وسلم) استعمل كلَّ الأساليبِ الماديةِ التي يمكن أن يتوصل إليها عقلٌ بشري، لقد ترك عليَّا على فراشه، واستعان بأحد المشركين ليدله على الطريق، وأقام في الغار أيامًا ثلاثة حتى سكن الطلب عليه، كل ذلك ليؤكد لنا أن الإيمان بالله لا يتنافى مع اتخاذ الأسباب المادية، فما فعله النبي وظيفة تشريعية، قضية الأخذ بالأسباب، فلما فرغ من أدائِهَا، وأخذ بكلِّ الأسبابِ المتاحةِ والممكنة، عاد قلبه مرتبطًا بالله مطمئنًا إلى حمايته وتوفيقه؛