قال: ((أتأذنين لي أن أحلبها؟)) قالت: بأبي أنت وأمي نعم، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها، فوالله ما ضربها فحل قط، فشأنك بها؛ فدعا بها رسول الله، فمسح بيده ضرعها وظهرها، وسمى الله ودعا لها في شاتها، فتفاجَّت عليه ودرّت واجْتَرّت, ودعا بإناء يربض –أي:يروي حتى النوم- يربض الرهط، فحلب فيه ثجًّا حتى علاه البهاء -وفي لفظ: حتى علاه الثمال, أي: الرغوة- ثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب آخرهم، وقال: ((ساقي القوم آخرهم شربًا)), ثم حلب فيه ثانيةً بعد بدء حتى ملأ الإناء, ثم غادره عندها، فبايعها وارتحلوا عنها".
أما أهل المدينة فعندما سمعوا بخروج الرسول من مكة إليهم، فإنهم كانوا يقفون في كل يوم حتى يغيب الظل، مما يدل على شدة حبهم لرسول الله ، وأخيرًا قدم رسول الله فكان أول من رآه رجل من اليهود فصرخ بأعلى صوته قائلًا: يا بني قَيْلة –أي: الأنصار- هذا جَدُّكم قد جاء، يقول راوي الخبر: فخرجنا إلى رسول الله وأكثرنا لم يكن رآه قبل ذلك، وركبه الناس –أي: تزاحموا عليه- وما يعرفونه من أبي بكر حتى زال الظل عن رسول الله فقام أبو بكر فأظله بردائه، فعرفناه عند ذلك، وإن السكينة تغشاه، والوحي يتنزل عليه، وإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير، كما ذلك في سورة التحريم.