٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة


إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة

جاء جبريل إلى رسول الله وأخبره بتآمر قريشٍ والمشركين وما اتفقوا عليه في دار الندوة، وأعلمه بإذن الله له في الهجرة إلى المدينة، وحدّد له وقتها، وطلب منه ألَّا يبيت في فراشه الذي تعوّد المبيت عليه في هذه الليلة، وأمره ألا ينام في مضجعه، وكشف له عما دبّروه وما أسروه وما أعلنوه، قال : (( فَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ)) [يس: ٧٦].

قالت السيدة عائشة: "فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في حرّ الظهيرة قال قائل: لأبي بكر هذا رسول الله متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله، ما جاء في هذه الساعة إلا لأمر"، ثم قالت (رضي الله عنها): "استأذن النبي فأذن له، ولما دخل تأخر له أبي بكر عن سريره فجلس رسول الله وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء، فقال رسول الله لأبي بكر: ((أخرج من عندك))، فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، أو قال: إنما هم أهلك، ثم سأل الصديق النبي قائلًا: وما ذاك فداك أبي وأمي؟، فقال : (( إن الله قد أذن لي في الخروج والهجرة))".



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة


قالت السيدة عائشة: "إن أبا بكر قال: الصُحبة يا رسول الله، فقال : (( نعم الصحبة))"، ثم قال (رضي الله عنه): يا رسول الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فخُذْ -بأبي أنت يا رسول الله- إحدى هاتين الراحلتين، قال رسول الله : ((بالثمن))، فاستأجر عبد الله بن أريقط من بني عدي هاديًا خِرِّيتًا –يعني: ماهرًا.، وكان مشركًا، يدلهما على الطريق؛ فدفع إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما".

وبعد هذا الاتفاق على خطة تنفيذ أمر الله بالهجرة إلى المدينة عاد النبي إلى بيته ينتظر مجيء الليل، وعندما حل الظلام كان هناك أحد عشر رئيسًا من زعماء القوم من المشركين، هم: أبو جهل، والحكم بن العاص، وعقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، وأمية بن خلف، وزمعة بن الأسود، وطعيمة بن عدي، وأبو لهب، وأمية بن خلف، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، واجتمعوا عند باب النبي متيقظين متربصّين، يرصدون موعد نومه ؛ ليثبوا عليه -كما اتفقوا في دار الندوة- ويضربوه ضربة رجل واحد، ورأى النبي مكانهم، فطلب من ابن عمه علي بن أبي طالب أن يبيت على فراشه قائلًا له: ((نَمْ على فراشي، وتسجى –يعني: تغطى- ببردي هذا الأخضر الحضرمي، فنم، فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم))، ثم خرج وسط هؤلاء المشركين المجتمعين، وقد أخذتهم سِنَةٌ من النوم، فأخذ حفنة من تراب في يده ،


٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة


وأخذ الله على أبصارهم فلم يروه وجعل ينثر التراب على رءوس القوم وهو يردد: (( يس * وَالْقُرْآَنِ الْحَكِيمِ * إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ * وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ)) [يس: ١- ٩].

فلم يبق رجلٌ إلا وقد سقط التراب على رأسه، ومضى النبي إلى حيث أراد، والقوم يتطلعون فيرون عليًّا (رضي الله عنه) مسجى على الفراش، مغطًى ببرد رسول الله الأخضر الحضرمي –من حضرموت- فيقولون: والله، إن هذا لمحمد نائمًا وعليه برده، ولما طال انتظارهم جاءهم رجل ممن لم يكن معهم رآهم من فتحة في بابه، فقال لهم: ما تنتظرون ها هنا؟ قالوا محمدًا، قال: خبتم وخسرتم، قد -والله- مرّ بكم، وذرّ على رءوسكم التراب، قد -والله- خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلًا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، وانطلق لحاجته، أفما ترون ما بكم؟ قال: فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، قالوا: والله، ما مرّ بنا، قال: لقد مرّ بكم، وذر على رءوسكم التراب، قالوا: والله، ما أبصرناه، وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم، ثم تطلعوا من ثقب الباب فرأوا عليًّا نائمًا،


٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة


فقالوا: إن هذا لمحمد نائمًا عليه بردّه الأخضر، واستمروا كذلك على هذا الحال حتى أصبحوا فإذا بعلي (رضي الله عنه) يقوم عن الفراش، فأيقنوا أن رسول الله قد نجا من مكرهم، فقالوا: والله، لقد صدقنا الذي كان حدثناه، وتوجهوا إلى علي (رضي الله عنه) وأخذوا في ضربه، وسحبوه إلى الكعبة المشرفة، وحبسوه هناك ساعة في محاولة منهم لمعرفة شيءٍ عن محمد فلم يظفروا منه بشيء، وأكد لهم (رضي الله عنه) أنه لا علم له بمحمد .

وقد سجّل القرآن الكريم هذا في قوله تعالى: (( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ)) [الأنفال:٣٠]، وفي قوله : (( أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ * قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ)) [الطور: ٣٠، ٣١].

وحين خرج رسول الله لم يعلم بخروجه أحدٌ إلا أبا بكر وآل أبي بكر، وعليَّ بن أبي طالب، أما عليّ فقد أمره النبي أن يبقى بمكة حتى يؤدّي عن رسول الله الوَدَائع التي كانت عنده للناس؛ ذلك أنه لم يكن أحد بمكة عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه وديعة عند المصطفى ؛ لما يعلم إلى درجة اليقين من صدقه ومن أمانته. وتوجه رسول الله وأبو بكر معًا إلى غارٍ بجبل ثور جنوب غربي مكة، وقد دخله المصطفى وصاحبه الصدِّيق؛ ذلك بعد أن اختبر الصدِّيقُ المكانَ -أي: دخله وحده أولًا، ومسح المكان خشية أن يكون فيه شيء يؤذي رسول الله .



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة


وقد أمر أبو بكر ابنَه عبد الله أن ينصت لما يقوله الناس من أهل مكة حول رسول الله وصاحبه في لحظات النهار، ثم يأتيهما إذا أمسى بالأخبار، وكان الصِّدِّيق قد أمر مولاه -أي: العامل عنده- عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه نهارًا، ثم يريحها عليهما ويأتيهما إذا أمسى في الغار؛ ليتزودا بلبنها، كذلك كانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، وأقام رسول الله ومعه الصِّدِّيق في الغار ثلاث ليالٍ: ليلة الجمعة، وليلة السبت، وليلة الأحد.

أما عن قريش؛ فتوجهوا إلى منزل الصِّدِّيق، ووقف أبو جهل ببابه في نفر من القرشيين وخاطب ابنته أسماء قائلًا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قالت: والله، لا أدري أين أبي؟ فرفع أبو جهل يده ولطم خدَّها لطمةً شديدة كانت سببًا في طرح قرطها من أذنها، ولم يعد أمام الكفار إلا أن يجعلوا مائة ناقة مكافأة لمن يأتي بالنبي وبصاحبه، ويردهما حَيِّين أو ميتين إلى القرشيين.

أما عبد الله بن أبي بكر وعامر بن فهيرة، فقد نفَّذا ما طُلب منهما، وكان عبد الله إذا غدا من عندهما إلى مكة بعد إخبارهما بما عليه الحال هناك اتبع أثره عامر بن فهيرة ومعه الغنم حتى يعفي عليه -أي: يزيل كل أثر-، ولما مضت الليالي الثلاث، وسكن عنهما الناس، أتاهما عبد الله بن أُريقط ببعيريهما اللذين كانا قد تركاهما عنده،


٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة


بالإضافة إلى بعير له ليستخدمه هو، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق الشعيرة، فإذا بها ليس لها عصام، فحلت نطاقها –شبيه بالإزار- فجعلته اثنين، وجعلت أحد هذين الاثنين عصامًا علقت به – أي: ربطت به- وانتطقت بالنصف الآخر -أي: جعلته نطاقًا لها؛ لذا لقبت بـ: ذات النطاقين.


٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة



٦.١ إخبار جبريل (عليه السلام) للنبي بتآمر المشركين عليه، والإذن له بالهجرة