٧.٤ الأسلوب الأوّل من أساليب قريش في الصّدّ عن دين الله تعالى وهو: محاولة التأثير على أبي طالب عم الرسول-


عزيزي الدّارس، تقدّم أنّ أبا طالب أعلن موقفه مِن دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أمام بني المطّلب؛ وهذا الموقف يتلخص في أمريْن اثنيْن:




الأمر الأول
الالتزام التام بحماية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، مهما كلّفه ذلك مِن أمر.

الأمر الثاني
يعلم علْم اليقين: أنّ ما جاء به محمد -صلى الله عليه وسلم- حقٌ، إلاّ أنه لِمكانته مِن قومه، لا يريد أنْ يترك دين آبائه، وأنْ يُسفِّه ما كان يفعل عبد المطّلب. فالهداية مِن الله تعالى. -اللهم اهدنا إلى الصراط المستقيم-.
   ركّز! :
ونظراً لمكانة أبي طالب في قريش عامة، وبني هاشم خاصة، بدأت قريش تُحاوره مِن أجل التّخلّي عن حماية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وأنْ يَترك الأمْر لهم، وقد تذرّعوا بعدّة حُجج، وقدّموا عدّة عروض.



٧.٤ الأسلوب الأوّل من أساليب قريش في الصّدّ عن دين الله تعالى وهو: محاولة التأثير على أبي طالب عم الرسول-


أخي الطالب، يُمكن أنْ نُجمل أهمّ الأمور التي كانت تَحملها قريش في مفاوضتها مع أبي طالب في النّقاط التالية:

١) - محاولة التأثير على عمه أبي طالب حتى يكفه عن الدعوة أو تجريده من حمايته حيث مشى رجال مِن أشرافهم إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إنّ ابن أخيك قد سبّ آلهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل آباءنا. فإمّا أن تَكفّه، وإمّا أنْ تخلِّي بيننا وبينه. فإنك على مثْل ما نحن عليه مِن خلافه، فنكفيكَه. فقال لهم أبو طالب قولاً رقيقاً، ورداًّ جميلاً.

٢) - التهديد بمنازلة الرسول صلى الله عليه وسلم وعمه أبي طالب، وكان قريش تُعاود الكَرّة مرة ثانية حيث جاء الوفد مرة أخرى إلى أبي طالب، فقالوا: يا أبا طالب، إن لك سناًّ، وإن لك شرفاً ومنزلة فينا. وإنا قد استنْهيْناك مِن ابن أخيك، فلمْ تَنْهَه عنا. وإنّا والله لا نَصبر على هذا: مِن شتْم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيْب آلهتنا، حتى تكفّه عنّا، أو نُنازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقيْن. ثم انصرفوا.

نستطيع من خلال النقاط السابقة أن نلاحظ عظُم الأمْر على أبي طالب، وذلك لعدّة أسباب:
فِراق قومه وعداوتهم.
نفْسه لا تطيب بتسليم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى قريش.



٧.٤ الأسلوب الأوّل من أساليب قريش في الصّدّ عن دين الله تعالى وهو: محاولة التأثير على أبي طالب عم الرسول-


فماذا فعَل؟
أرسل أبو طالب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فلما جاءه، قال له: يا ابن أخي، إنّ قومك فاجؤوني، فقالوا لي: كذا وكذا. فأبْق على نفْسك وعليَّ، ولا تحمّلني مِن الأمْر ما لا أطيق.
ولكنّ موقف الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان صارماً، فقال في عِزّة وإباء، وثقة بما عند الله، وامتثالاً لأمر الله في تبليغ الدعوة وبيان الحق: ((يا عم. والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يُظهره الله أو أهْلك فيه، ما تركتُه)).
ثم استعْبر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. فلما ولّى، ناداه أبو طالب فقال له: اذهب يا ابن أخي! فقل ما أحببت. فوَالله لا أُسلمك لشيء أبداً! ثم أنشد قائلاً:
                           والله لن يصِلوا إليك بجمْعهمْ               حتى أُوَسّدَ في التراب دفينَا
                           فاصدعْ بأمْرك ما عليك غضاضةٌ               وأبشِرْ وقرّ بذاك عيونَا

عمارة بن الوليد مقابل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
قال ابن إسحاق: ثم إنّ قريشاً، حين عرفوا أنّ أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وإسلامه لهم، مشَوْا إليه بعمارة بن الوليد بن المغيرة، فقالوا له: يا أبا طالب، هذا عمارة بن الوليد، أنهد -أشدّ وأقوى- فتىً في قريش، وأجمله، فخُذْه، فلك عقله ونصره.



٧.٤ الأسلوب الأوّل من أساليب قريش في الصّدّ عن دين الله تعالى وهو: محاولة التأثير على أبي طالب عم الرسول-


واتخِذْه ولداً، فهو لك. وأسلمْ إلينا ابن أخيك هذا الذي خالف ديننا ودين آبائك، وفرّق جماعة قومك، وسفّه أحلامهم، فنقْتله؛ فإنما هو رجل برجل. فقال: والله لبئس ما تسومونني، أتعطوني ابنكم أغْذُوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه! هذا والله لا يكون أبداًً. أرأيتم ناقة تحنّ إلى غير فصيلها؟ فحقب الأمر، وحميت الحرب، وتنابذ القوم، وبادى بعضهم بعضاً.
   ركّز! :
ويعلِّق ابن كثير على موقف أبي طالب مِن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فيقول: "إن الله تعالى قد امتحن قلبه بحبّ محمد -صلى الله عليه وسلم- حباً طبيعياً، لا شرعياً"