٦.٢ تحنُّثُه النبي بغار حراء، وسلام الحجَر والشّجر عليه، ونزول الوحي عليه-


عزيزي الدّارس: أما عن:







٦.٢ تحنُّثُه النبي بغار حراء، وسلام الحجَر والشّجر عليه، ونزول الوحي عليه-


فقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينفرد إلى نفسه متقرِّباً إلى الله تعالى في غار حراء -وهو في أعلى قمّة جبل-، يتأمّل ويتدبّر
في ملكوت الله تعالى، ويعبد الله على ملّة إبراهيم -عليه السلام-.
وكان -صلى الله عليه وسلم- لما قارب الأربعين، يُجاور هذا الغار شهراً كاملاً مِن كل سنة، يُطعم مَن جاءه مِن المساكين. فإذا قضى
جواره ذلك، كان أوّل ما يبدأ به إذا انصرف: الكعبة، قبْل أنْ يدخل بيته؛ فيطوف بها ثم يذهب إلى بيته.
وكانت السيدة خديجة -رضي الله عنها- ترعاه وتزوره في جواره هذا، وتمدّه بما يحتاج إليه.
وقد ذكر ابن أبي جمرة: بأن هذا الغار له فضْل، مِن جهة أنه مُنزوٍ ومجموع لتحنّثه، وهو يبصر بيْت ربه؛ والنظر إلى البيت عبادة؛ فكان
له في اجتماعه ثلاث عبادات: الخُلوة، والتّحنث، والنظر إلى البيْت.

أمّا سلام الحَجَر والشّجر عليه -صلى الله عليه وسلم-:
فممّا ورد فيه من الآثار، ما يلي:
عن جابر بن سمرة، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((إنِّي لأعرف حَجَراً بمكة، كان يُسلّم عليَّ قبْل أنْ أُبْعَث، إنّي
لأعرفه الآن.))


٦.٢ تحنُّثُه النبي بغار حراء، وسلام الحجَر والشّجر عليه، ونزول الوحي عليه-


وعن عليّ بن أبي طالب –رضي الله عنه- قال:((كنتُ مع النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها... فلمْ يمرَّ
بشجر ولا حَجَر إلاّ قال: السّلام عليك يا رسول الله)).
عن جابر بن سمرة، قال: سمعت رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: ((لمّا كانت ليالي بُعثتُ، ما مررْتُ بِشجر ولا حَجَر إلاّ قال:
السّلام عليك يا رسول الله)).
قال -صلى الله عليه وسلم- لخديجة: ((إنّي أرى ضوءاً، أو أسمع صوتاً، وإنّي أخشى أنْ يكون بي جَنَن)).

وأما عن نزول الوحي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم:-
هناك روايات كثيرة عن عُمرِ النبي صلى الله عليه وسلم والتاريخ حين أنزل إليه صالله عليه وسلم الوحي؛

فيُروى أنّه لمَّا بلغ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أربعين سنة وأربعين يوماً.
وقيل: وعشرة أيام.
وقيل: وشهريْن، في يوم الاثنين السابعَ عشر مِن رمضان.


٦.٢ تحنُّثُه النبي بغار حراء، وسلام الحجَر والشّجر عليه، ونزول الوحي عليه-


وقيل: لسبْع.
وقيل: لأربع وعشرين ليلة خلتْ منه.
وقيل: الحادي والعشرون منه.
وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمانٍ مِن ربيع الأول، سنة إحدى وأربعين مِن الفيل، بعثه الله رحمة للعالمين، ورسولاً إلى كافّة الثّقليْن
أجمعين.

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((أوَّل ما بُدئَ به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مِن الوحي: الرؤيا الصَّادقة في النَّوم؛ فكان لا يَرى رؤيا إلا جاءت مثْل فلَق الصّبح. ثم حُبِّب إليه الخلاءُ، فكان يأتي غار حراء يتحنّث فيه -وهو التعبّد- اللّيالي ذوات العدد، ويتزوّد لذلك، ثم يخرج إلى خديجة فيتزوّد لمِثْلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء؛ فجاءه الملَك فقال: اقرأ! قال: ما أنا بقارئ. قال فأخذني فغطّني حتى بلغ منّي الجهد. ثم أرسلني فقال: اقرأ! قلتُ: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثانية حتى بلغ منّي الجهد. ثم أرسلني، قال: اقرأ! فقلت: ما أنا بقارئ. فأخذني فغطّني الثالثة. ثم أرسلني فقال: ((اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأكْرَمُ)).
فرجع بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يرجُف فؤادُه. فدخل على خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها-، فقال: زمّلوني! زمِّلوني! فزمّلوه حتى ذهب عنه الرَّوْع. فقال لخديجة وأخبَرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلاَّ! والله ما يخزيك الله أبداً! إنك لتَصل...


٦.٢ تحنُّثُه النبي بغار حراء، وسلام الحجَر والشّجر عليه، ونزول الوحي عليه-


...الرَّحم، وتحمل الكَلّ، وتُكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتُعين على نوائب الحق.
فانطلقت خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل -ابن عمّ خديجة- وكان امرأً قد تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب مِن الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أنْ يكتب، وكان شيخاً كبيراً قد عَمي. فقالت له خديجة: يا ابن عمِّ، اسمع مِن ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي، ماذا ترى؟ فأخبره -صلى الله عليه وسلم- خبَر ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزَّلَ الله على موسى. يا ليتني فيها جذعاً! ليتني أكون حياً، إذ يُخرجك قومك! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أوَ مخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قَط بمثل ما جئتَ به إلا عُوديَ. وإن يُدركْني يومُك أنصُرْك نصراً مؤزراً. ثم لمْ ينشب ورقة أنْ تُوفِّي، وفتَر الوحي)) هذا الحديث متفق عليه، وهي أعلى درجة الصحة.



٦.٢ تحنُّثُه النبي بغار حراء، وسلام الحجَر والشّجر عليه، ونزول الوحي عليه-


فوائد من حديث نزول الوحي السابق














  ١) السّر في الخلوة: فراغُ القلب لما يتوجّه له.
  ٢) فلَق الصّبح: ضياؤه، وبُدِئ بالرؤيا الصادقة ليكون ذلك توطئة لليقظة، ثم مهّد له في اليقظة رؤية الضوء.
  ٣) يتحنّث: يتّبع الحنيفيّة، وهي: دين إبراهيم -عليه السلام-.
  ٤) الليالي ذوات العدد، المراد بها: ما جاء مصرّحاً به في رواية ابن إسحاق: أنه شهر رمضان مِن كل سنة.


٦.٢ تحنُّثُه النبي بغار حراء، وسلام الحجَر والشّجر عليه، ونزول الوحي عليه-


  ٥) حتى جاءه الحقّ: أي الأمْر الحقّ مِن عند الله تعالى.
  ٦) قوله: ما أنا بقارئ: أي لا أُحْسن القراءة.
  ٧) قوله: غطّني : ضمّني وعصرني. والغطّ: حبْس النفَس.
  ٨) قوله: حتّى بلَغ منِّي الجهْد أي: بلغ التّعب مبلَغه.
  ٩) فرجع بها: بالآيات وبالعصمة
١٠) قوله :فزمّلوه: لفّوه بغطاء. والروع: الفزع.
١١) قوله: لقد خشيتُ علَى نفْسي: اختلف العلماء في معنى هذه الخشْية على اثنَي عشر قولاً ذكرها الحافظ ابن حجر-، واختار منها:
      أنّ الخشية هنا: الموت مِن شدّة الرّعب.
١٢) استدلَّت خديجةُ بمكارم أخلاقه -صلَّى الله عليه وسلَّم- أنّ الله لن يضيِّعه.
١٣) الناموس: صاحب السِّرّ، والمراد به هنا: جبريل -عليه السلام-.
١٤) ومِن الفوائد التي ذكرها الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: جمْعه بيْن الأحاديث المتعلِّقة ببداية بعْثه -صلى الله عليه وسلم-، فقال بأنّ
      مدّة الرؤيا كانت ستّة أشهر، وابتداء وحي اليقظة كان في شهر رمضان.