٦.٤ مراتبُ الوحي، وشقُّ صدره -صلى الله عليه وسلم-، وفتورُ الوحي


مراتبُ الوحي:
عزيزي الدّارس، قال ابنُ القيم في "الزاد": وكمّل الله له مِن مراتب الوحي مراتب عديدة :




٦.٤ مراتبُ الوحي، وشقُّ صدره -صلى الله عليه وسلم-، وفتورُ الوحي


  ١) الرؤيا الصادقة، وكانت مبدأ وحْيه -صلى الله عليه وسلم-؛ فكان لا يرى رؤيا إلاّ جاءت مثْل فلَق الصّبح.
  ٢) ما كان يُلقيه في روعه وقلبه مِن غير أن يراه، كما قال النَّبيُّ -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إنّ روح القُدس نفث في روعي: أنَّه لن تموتَ
     نفسٌ حتى تستكملَ رزقها؛ فاتَّقوا الله وأجملوا في الطَّلب! ولا يحملنّكم استبطاءُ الرِّزق على أنْ تطلبوه بمعصية الله؛ فإنَّ ما عند ال
     له لا يُنال إلا بطاعته.)).
  ٣) أنَّه -صلى الله عليه وسلم- كان يتمثّل له الملَكُ رجلاً، فيخاطبه حتى يعيِ عنه ما يقولُ له. وفي هذه المرتبةِ كان يراهُ الصَّحابة أحياناً.
      (حديث جبريل).
  ٤) كان يأتيه مثْل صلصلة الجرَس، وكان أشدَّه عليه، فيتلبّس به الملَك، حتى أنّ جبينَهُ ليتفصّد عرقاً في اليوم الشَّديد البرْد، وحتى أنّ
      راحلته لتبرك به إلى الأرض إذا كان راكباً لها.
  ٥) أنْ يرى الملَك على الصُّورة التي خلَقه الله عليها، فيوحيَ إليه ما شاء اللهُ أنْ يوحيَه -وهذا وقَع له مرّتيْن-.
  ٦) ما أوحاه الله إليه، وهو فوق السموات، ليلة المعراج، مِن فرْض الصلاة وغيْرها.
  ٧) كلام الله منه إليه بلا واسطة، كما كلّم الله موسى -عليه السلام-، كما جاء في القرآن الكريم.
  ٨) ذكر بعضهم هذه المرتبة، وهي تكليمُ الله له كفاحاً مِن غير حجاب، وهي مذهب مَن يقول بأنّ الرسول -صلى الله عليه
      وسلم- رأى ربّه -تبارك وتعالى- ليلة المعراج.



٦.٤ مراتبُ الوحي، وشقُّ صدره -صلى الله عليه وسلم-، وفتورُ الوحي


  ٩) وأضاف بعضُهم مرتبةً أخرى، وهي: العلْم الذي يُلقيه اللهُ تعالى في قلْبه عند الاجتهاد.

شقّ صدره -صلى الله عليه وسلم-:
قد سبق أن درست فى الدرس السابق عن قصة شق صدر السةل صلى الله عليه وسلم، فهنا أزيد لك المعلومات بإذن الله تعالى :
وذكَر موسى بن عقبة في "مغازيه": أنَّّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لخديجة: ((أنّه رأى بطْنَه شُقّ، ثم طُهّر وغُسل، ثم أُعيد
كما كان. قالت: هذا والله خيْرٌ، فأبْشِرْ!)).
وذكَر أبو نعيم: أنّ جبريل وميكائيل شقّا صدره.
قال الذَّهبيُّ: يُحتمل أن يكون أخبرهما بما تمّ له في صِغره، ويحتمل أن يكون شُقّ مرّة أخرى، ثم شُقّ مرّة ثالثة حين عُرج به إلى السَّماء.
والحِكمةُ في شقّ صدْره: ليتلقّى ما يُوحَى إليه بقلبٍ قويّ في أكمل الأحوال مِن التّطهير.



٦.٤ مراتبُ الوحي، وشقُّ صدره -صلى الله عليه وسلم-، وفتورُ الوحي


فتورُ الوحي:
والمرادُ بفتور الوحي: تأخُّره فترةً مِن الزمان؛ وكان ذلك ليَذهبَ عنه ما كان يَجِده -عليه السلام- مِن الرّوع، وليحصل له التّشوّق إلى العوْد.
واختلف في المدة؛
فذكر ابن إسحاق: أنها كانت ثلاث سنين، وقد عضد هذا الرأيَ ما ذكره الإمام أحمد في "التاريخ"، ويعقوب بن سفيان النسوي، عن
الشعبي: ((أُنزلت عليه النبوة، وهو ابن أربعين سنة؛ فقرن بنبوّته إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلّمه الكلمة والشيء، ولم ينزل عليه القرآن على لسانه. فلما مضت ثلاثَ سنين قرن بنبوّته جبريل، فنزل عليه القرآن على لسانه عشرين سنة)) وقد ذكر هذا ابن سعد، والبيهقي.
وقيل: خمسة عشر يوماً. وقيل: ثلاثة أيام. وقيل: أربعون يوماً. وقيل: سنتان ونصف.

   ركّز! :
ولا يُعلمُ بالتّحديد كم دام هذا الانقطاع، ولكن يبدو أنه لم يَدُم طويلاً




٦.٤ مراتبُ الوحي، وشقُّ صدره -صلى الله عليه وسلم-، وفتورُ الوحي


والمرادُ بفتور الوحي: تأخُّره فترةً مِن الزمان؛ وكان ذلك ليَذهبَ عنه ما كان يَجِده -عليه السلام- مِن الرّوع، وليحصل له التّشوّق إلى العوْد.
وقد أنكر الواقدي -وهو متخصّص- مسألة اقتران إسرافيل بالرسول -صلى الله عليه وسلم- حيث قال:

"لم يُقرن به إلاّ جبريل مِن حين أنزل عليه الوحي إلى أن قُبض -صلى الله عليه وسلم-."

وعن عائشة أمّ المؤمنين -رضي الله عنها- قالت: ((وفتَرَ الوحيُ فترةً حتَّى حزنَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- حزناً شديداً، وغدا مراراً كي يتردَّى مِن شواهق الجبال، وكلَّما أدنى بذروة ليُلقِي نفسه، تبدّى له جبريلُ -عليه السلام- فقال: يا محمد، إنك رسول الله حقاً؛ فيَسكن لذلك جأشه، وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدَا لمِثْل ذلك، فإذا أدنى بذروة جبل تبدّى له جبريلُ؛ فقال مثل ذلك.)) "الحديث أخرجه الإمام أحمد والإمام البخاري".

   ركّز! :
وقد ضعّفَ الشيخ الألباني -رحمه الله- مسألة محاولة النبي -صلى الله عليه وسلم- التّردّي مِن رؤوس الجبال، كما ضعّفها مِن قبل الحافظ ابن حجر، لأنّها من بلاغات الزُّهري



٦.٤ مراتبُ الوحي، وشقُّ صدره -صلى الله عليه وسلم-، وفتورُ الوحي


وبعد هذه الفترة مِن الانقطاع، نزل عليه الوحيُ مرّة أخرى. فيقول -صلى الله عليه وسلم-: ((بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتاً مِن السماء، فرفعت بصري، فإذا الملَك الذي جاءني بحِراء جالس على كرسي بيْن السماء والأرض، فرعبت منه، فرجعت فقلت: زمّلوني!؛ فأنزل الله -عز وجل-: ((يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ))إلى قوله: ((وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ)) فحَمِي الوحي وتواتر ". صحيح البخاري."