٥.٣ حفْظ الله تعالى لرسوله مِن أعمال الجاهليّة، و رَعْيُه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لِلغنَم






عزيزي الدارس

تولّى الله تبارك وتعالى حِفْظ نبيّه -صلَّى الله عليه وسلَّم- مِن أعمال وأخلاق أهْل الجاهليّة؛ فلم يُعرف عنه أيّ عمل أنَّه قام به مِن أعمالهم، وحتى وهو في صباه وطفولته. عن عليّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- يقول: ((ما همَمتُ بقبيح ممّا يَهمّ به أهل الجاهلية، إلا مرّتيْن مِن الدهر؛ كلتاهما عصمني الله -عز وجل- منهما: قلتُ ليلةً لفتًى كان معي مِن قريش بأعلى مكة في غَنم لأهله يرعاها: أبصر لي غنمي حتى أسمُر الليلة بمكة كما يَسمر الفتيان. قال: نعم. فخرجت. فلما جئت أدنى دار مِن دور مكة، سمعت غناءً وصوتَ دفوف... فقلت: ما هذا؟ فقالوا: فلان تزوّج فلانة... فلهوْت بذلك الغناء وبذلك الصوت حتى غلبتني عيني فنمت. فما أيقظني إلا مسّ الشمس. فرجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فأخبرْته. ثم فعلت الليلة الأخرى مثل ذلك... فقال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: والله ما هممت بغيْرهما بسوء ممّا يعمله أهل الجاهلية، حتى أكرمني الله -عز وجل- بنبوّته)).



٥.٣ حفْظ الله تعالى لرسوله مِن أعمال الجاهليّة، و رَعْيُه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لِلغنَم






ونأخذ مِن هذه الأخبار الحِكم التالية:
فيها دليل على أنّ الرسول -صلَّى الله عليه وسلَّم- كان مَصوناً مما يُستقبح مِن أمور الجاهلية قبل البعثة وبعْدها؛ وذلك حماية الله
تعالى له.
إنّ مِن الأمور المستَقبَحة عند الله: التّعرّي بحضرة الناس؛ وقد حرّم الإسلام ذلك.
إنّ عصمة الله تعالى لنبيِّه مِن ممارسة أفعال الجاهلية دليلٌ على تهيئة الله تعالى له لأمْر جليل.




روى البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((ما مِن نبيّ إلاّ وقد رعى الغنم. قالوا:
وأنت يا رسول الله؟ قال: نعم. كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكة))، صحيح البخاري.


٥.٣ حفْظ الله تعالى لرسوله مِن أعمال الجاهليّة، و رَعْيُه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لِلغنَم


والقيراط: جزء مِن الدينار، أو هو مكان بمكة؛ والأوّل الأرجح. وقد رعاها -صلَّى الله عليه وسلَّم- لأهله، كما كان يذهب مع إخوته
مِن الرضاعة في غنمهم.
قال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((بُعث موسى وهو يَرعى غَنماً لأهله، وبُعثْت أنا وأنا أرعى غنماً لأهلي بجياد)).
بجياد : مكان معروف بأسفل مكّة.




أنه ينبغي للمرء أنْ يعمل، وأنْ لا يكون عاطلاً عن العمل، لأنّ العمل شرف. فأشرف الناس: الرسل، كانوا يعملون، يرعَوْن الغنم،
ويقومون بكلّ أمورهم.
يؤدي رعْي الغنم إلى زرع الشفقة، والعطف، والصبر، وطول البال. ويُربّي رعْي الغنم على الحرص على المصلحة، ودفع المضرّة،
وحُسن التعهّد.


٥.٣ حفْظ الله تعالى لرسوله مِن أعمال الجاهليّة، و رَعْيُه -صلَّى الله عليه وسلَّم- لِلغنَم


قال -صلَّى الله عليه وسلَّم-: ((الفخْر والخُيلاء في أهل الإبل، والسَّكينة والوقار في أهْل الغَنم)). أخرجه الإمام أحمد.
يُساعد رعْي الغَنم في الانعزال عن الناس، والتّدبّر في ملكوت الله، والجبال كيف نُصبت، وفي الأرض كيف بُسطت، وفي السماء
كيف رُفعت.